خالد الحروب (منح محمد هاشم ناشر ومؤسس دار ميريت للنشر في القاهرة مؤخرا جائزة نادي القلم الالماني ‘هيرمان كتسن’، وهي تُضاف إلى سجله الانجازي الكبير انتصارا للحرية وكفاحا ضد القمع. توازى ذلك مع اتهامات ومحاصرة من قبل المجلس العسكري في مصر لهاشم بتهمة تعلي من قدره وهي اسناد الثائرين في ميدان التحرير. لو لم يقم بذلك احد انبل صعاليك الناشرين والكتاب العرب لما كان ذاته ولما كنا احباءه. في اكتوبر 2005 وفي هذه الزاوية نشر كاتب هذه السطور المقالة ادناه بمناسبة حصول محمد هاشم آنذاك على جائزة جيري لابير الدولية لحرية النشر. في تلك الايام كانت حركة ‘كفاية’ تنهض كطائر فينيق مصري عنيد، وفي دار ميريت للنشر كانت حركة ‘كتاب وادباء وفنانون من اجل التغيير’ تتحدى الجبروت المباركي بالكلمة الحرة. ‘القدس العربي’ وتضامنا مع الزميل محمد هاشم تكرمت مشكورة بإعادة نشر المقالة تلك لراهنيتها الشديدة.)معه في فرانكفورت (أكتوبر 2005) هو ذل الهزيمة يا خالد! كان عمري تسع سنين وأنا أبحلق في قامات أبي وأمي وأقاربي وكل جيراننا وهي محنية بانكسار، وحزن، وخزي. هم لم يروا الانكسار والذل في قاماتهم، كانوا مشغولين وغارقين في الحزن … أنا رأيته وورثته. جيلنا كله ورثه. جرح حزيران 1967 عميق، عميق في دواخلنا، يشطرنا من الرأس إلى القدمين. صخب الموسيقى التركية يحيط بصوت محمد هاشم المتحشرج بالدخان والأسى والبكاء القادم. قال لي، تخيل شرطيين إثنين، صبيان في نصف عمري، أمسكا بي وكأني فريسة منتظرة، شرعا بضربي بعنف وحقد أدهشاني. كان ذلك في وسط القاهرة، مدينتي، قاهرتي. بين ثغرات اللكمات المتتالية على جسدي ووجهي كانت نظراتي تتوه هنا وهناك بين الألم والعيون الدامعة من الأسى. رأيت كثيرين في عمري ومن هم أكبر كلهم يضربون مثلي. كنا جميعا في واحدة من مظاهرات ‘حركة كفاية’ نهتف لمصر حرة. نظرت في عيون الولدين وبقية الأولاد الشرسين الذين يضربوننا، لم يكن فيها حزيران، ولدوا بعده بسنين كثيرة. كانوا مسخاً تافهاً كأنه ليس مصر. كان معهم أوامر لضباطهم أكثر مما كان معهم حب لمصر … وتوق لها لتكون حرة. كنا ثمانية، يجلس نصفنا قبالة النصف الآخر في ‘كانكي’ الكافيه التركي في قلب فرانكفورت وفي الطابق السابع من إحدى مبانيها العالية. المقاعد الشرقية الطويلة المتقابلة، وحسان تركيا ذوات الشعر الأسود، والموسيقى الشرقية، وضحكات الطفولة من ‘عدنية’ القادمة من قلب الجليل وخلود القادمة من قبل الخليل، وتأملات ‘كافكا’ المصري المقيم في ألمانيا إذ يتابع تداعيات محمد، وإطراق خالد عباس، وغرق عبد المعطي، صديقي العزيز، في لفافة تبغه، كل ذلك كان يحملنا على شفاف الوجع النيلي المنساب من حروف هاشم. ما عدنا في فرانكفورت، وما عدنا نذكر معرض كتبها الكبير الذي نزوره. أجلس بجانب محمد، كتفي بكتفه، نتمازح، ويمرر الواحد منا الأرجيلة إلى الثاني بعد نفس ونفس … نمازح محمد: إياك أن تكون قد لغمتها! محمد دمعته سريعة، ربما كهزائمنا! قبل أن نأتي إلى هذا المقهى تبادل وعبد المعطي أحاديث عابرة. مازحة بضحكات نادرة كانت الآه الساخرة سرعان ما تخرج بهلع حاسد فتفصم عمر الضحكات البريئة وتشطره بنصلها اللئيم الذي لا يتركنا وشأن ضحكاتنا. قال عبد المعطي في واحدة منها: أتعرف كيف صمد أخي معاذ في التحقيق مع الإسرائيليين؟ لقد تذكر أحمد فؤاد نجم. معاذ يحب شعر نجم، كما يحبه عبد، وتذكر الأرض الطيبة التي كان يتغنى بها نجم ويقسم بالدفاع عنها. كان المحقق الإسرائيلي يسأله سؤالاً ويتبعه بصفعتين، ومعاذ في عالم آخر. كان يتجلى مع أغنيات الشيخ إمام، ويصنع لنفسه وجسده درعا واقيا، فما عاد يحس بضرب المحقق. دمعت عيون محمد هاشم، وبكى، وأحب معاذ على الفور. مسح دموعه من تحت النظارتين، وأقسم لعبد أن يرسل له نسخة من الأعمال الكاملة لأحمد فؤاد نجم، وعليها إهداء نجم نفسه موجهاً إلى معاذ. كما العادة، عندما يفتح صديقي عبد جعبة احاديثه، تخجل الرواية والخيال من نص الواقع، هنا الحياة وقصصها أغرب من الرواية، هنا عبد ومحمد هاشم اجتمعا.أولاد الكلب… كيف يمكن أن يضربونا، يتابع محمد. لكن أقسم لك بالله العظيم يا خالد أننا لن نسكت عليهم، لم يعد لدينا وقت لأي هزيمة أخرى، نريد أن نعيش بكرامة أو نموت بكرامة. مصر ليست هذه الشلة الحقيرة التي شوهت روحنا … ثم بكى مرة أخرى. أحطته بذراعي كظفل. كنت أغالب دموعي كطفل أيضا. طفل يهدد طفلاً. أي هذا الطفل التروتسكي المجنون، العابث المتيم بمصر. هو نيل مصر وأهرامها، أسوانها وسويسها، إوزيريسها وإزيزسها، رمسيس لحظتها ومعز بن عبد غدها. نظرت في عيون عبد المعطي بعدما هزمتني دمعات طفل ساحت على وجنتي وهمست له: أهذا هو أزوريس مقطعا جسده على صفحة النيل ومنثورة أطرافه من الجنوب إلى الشمال؟ يرد علي الصمت في عيون عبد فأرى فيها أهراماً كسيرة … يداري الإنكسار ويخفيه وراء غمامة دخان تزفرها لفافة تبغ تهصرها شفتاه بغضب مكتوم. ومعه في القاهرة (ديسمبر 2005) هنا دار ميريت للنشر: محضن الكلمات هنا، عين النص هنا تحارب مخرز السلطان. هنا هو، على المقعد الجلدي المتشقق، فوق الأرضية التالفة، وسط جدران هرمة حولنا كالهرم … لكن فيها صموده الأسطوري أيضا. هنا محمد هاشم وفوضاه … يدخن ويحترق، يتحدث ويعشق. يقول لي ولزميلاتي من القناة الرابعة البريطانية نحن لا نكره الغرب، نكره حروب الغرب، ونكره تغطرسه. هنا، كما ترون على الأرفف، الغرب كله يتبختر واقفاً وجالساً: أدبكم، مسرحكم، قصتكم، روايتكم: من بريطانيا وأيرلندا، إلى فرنسا وألمانيا، نتابع كل ما تكتبون، ونفرح به. لكن عندما نرفع رؤوسنا من بين دفات الكتب، يرتطم نظرنا بدباباتكم. نعاود القراءة في نصوصكم، ونعاود التطلع في دباباتكم: محاصرون ومشطورون نحن بين نصكم ورصاصكم!محمد فؤاد نجم ينظر بعيني صقر إلى زميلتي الشقراوتين. يقيس زوايا أجسادهن ويتأملها. أرى بريق شباب يعود إلى عينيه فأبتسم. يلمحني أراقبه فيبتسم. ينقل نظره بيني وبينهن، ويسرب لي بنظراته وابتساماته تساؤلاً حاسداً. أهز رأسي مبتسماً لكن نافيا ما مر بخاطره. يقلب يديه الاثنتين إلى أعلى زاماً شفتيه، يقول لي بحركاته ‘وليه لأ يا أهبل؟’، عندها نطقت بكلمتين اثنتين وأنا أداوم الابتسام، زميلاتي وحسب! أقتربت منه، وقلت له لي عندك أمر آخر. قال، قل. فأخبرته عن معاذ شقيق صديقي عبد المعطي. قال لي ‘خليني أتكلم مع عبد’. أحترق الهاتف وأصيب عبد بخشوع الصدمة، فأنعقد لسانه:إزيك يا ود يا عبدمين؟أنا أحمد فؤاد نجم…..خالد قلي عن أخوك معاذ، هو أحواله أيه؟….. كويس، كويس، هو …. هو لو يعرف إنك إنك …سلملي عليه، وقوله أنا بعتلو نسخة من أعمالي عليها إهدائي، وخالد قللي عن السجن وعن صموده، دا ود جدع بصحيح. سلملي عليه أوي. شكرا، والله شكرا، هو رايح ينبسط كتير. في لندن، شتمني عبد على المفاجأة الجميلة وقال لي أنعقد لساني، ولم أعرف بماذا وكيف أرد. ينفرط عقد النص في الرواية يا صديقي، وتتكوم الكلمات خاشعة امام وجع الحياة وحقيقتها.بعد أن أنهى محمد هاشم احتراقه امام الكاميرا، قائلا للغرب إنه لا يكره كتب الغرب، بل يكره جيوشه وجنوده، أرتمى على المقعد. أزاح نظاراته، فرك عينيه وأغمضهما. كأنما كان يريد أن يستريح لدقائق قبل أن يبدأ اجتماع ‘كتاب وأدباء وفنانون من أجل التغيير’، الذي بدأ مجتمعوه بالقدوم. بعد الإجتماع سيغمض محمد عينيه مرة أخرى في هذا اليوم الطويل، …، كأنما يسرح في ‘ملاعب مفتوحة’ كما كان يمرح في طنطا أيام كان ولداً شقيا. هذه الايام اختلفت، إنها ‘أيام الرئيس’ التي فضحها في منشورات كتبه وعليها كافأه الجانب الآخر من العالم. يبحلق محمد هاشم في عيون محدثيه اليوم باحثا عن أيام مصر الفسيحة وملاعبها المفتوحة … مصر الحرة، ومصر الكريمة، مصر ‘دار ميريت للنشر’. Email: [email protected]