لأول مرة منذ عام 2012 مهرجان البندقية لا يفتتح فعالياته بفيلم أمريكي

حسام عاصي
حجم الخط
0

لوس أنجيليس – «القدس العربي«: تألق نجوم السينما العالميون على بساط مهرجان فينيسيا السينمائي منذ افتتاح فعاليات دورته السادسة والسبعين، يوم الأربعاء الماضي، بالعرض الأول للفيلم الفرنسي «الحقيقة»، الذي يدور حول نجمة سينمائية فرنسية نرجسية تخوض مواجهات مع ابنتها بعد نشرها أكاذيب في كتاب عن سيرة حياتها، تبجل فيه نفسها وتحط من قيمة من حولها.
الفيلم من بطولة أبرز نجمتين فرنسيتين، وهما كاثرين دينيف وجولييت بينوش، ومن إخراج الياباني هيركازو كوريدا، الذي فاز بسعفة مهرجان كان الذهبية العام الماضي عن فيلمه شوبليفتير، الذي رُشح أيضاً لغولدن غلوب وأوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية. ومع ذلك تباينت آراء النقاد حول جودته، التي وصفها البعض بالأدنى بين أفلام افتتاح الدورات السابقة.
هذه المرة الأولى التي لا يفتتح أقدم مهرجان سينمائي فعالياته بفيلم أمريكي منذ عام 2012. وذلك ربما رداً على الاتهامات بأنه يسعى وراء التجارة بدلاً من الفن، مع أن معظم تلك الأفلام الأمريكية مثل «سباتلايت» و«جاذبية» و«شكل الماء» و«الرجل الطائر» حصدت لاحقاً أوسكار أفضل فيلم.

حضور قوي للأفلام الأمريكية

لكن الأفلام الأمريكية كانت حاضرة بقوة، فالمهرجان بات مؤخراً محطة أوروبية رئيسية لها، وذلك بعد حرمان مهرجان كان الفرنسي من أفلام منصات البث الإلكتروني، مثل نيتفلكس وأمازون من المشاركة في منافساته.
هذا العام تشارك ثلاثة أفلام من إنتاج «نيتفلكس« في منافسة المهرجان الرئيسية. أولها عُرض في يومه الثاني وهو «قصة زواج«، الذي يتمحور حول مخرج مسرح وزوجته الممثلة، اللذيّن يقرران الطلاق باتفاق بينهما، لكن الأمور تتعقد ووتتفاقم عندما يستأجر كل منهما محامي طلاق، وتشتعل معركة بينهما حول وصاية طفلهما.
الفيلم من بطولة سكارليت يوهانسون وأدام درايفر ولورا ديرن الذين أثاروا إعجاب النقاد بأدائهم الرائع، ومن إخراج نوه باومباوخ، الذي استلهم قصة الفيلم من أحداث طلاقه من زوجته السابقة الممثلة، جانيت جيسون لي، عام ألفين وستة. براد بيت أيضاً أشعل صراخ رواد المهرجان عندما حضر العرض الأول لفيلمه الجديد «آد استرا»، الذي يجسد فيه دور رائد فضاء ينطلق في رحلة إلى حافة المجموعة الشمسية لينقذ كرة الأرض من موجات طاقة مدمرة، سببتها مركبة والده الفضائي الذي انطلق في رحلة قبله ليبحث عن كائنات فضائية. بيت يقدم أداء رائعاً، لكن العالم الذي يخلقه الفيلم غير منطقي ويتناقض مع قوانين الفضاء.
لكن يبدو أن الفيلم الذي هيمن على إعجاب جمهور المهرجان والنقاد كان «الجوكر»، الذي حظي بثماني دقائق تصفيق بعد عرضه الأول وبحضور بطله واكيم فينيكس، الذي يؤدي دور «الجوكر»، وهي شخصية الكوميكس الشريرة عدوة بطل القوى الخارقة باتمان. لكن الفيلم لا يبدو كفيلم كوميكس أو أبطال قوى خارقة، بل يستحضر أفلام المخرج الأمريكي العريق، مارتين سكورسيزيس، مثل «سائق تاكسي» و«ملك الكوميديا»، إذ يحكي قصة شاب بسيط يعيش مع والدته ويعمل كبهلاوني ويحلم بأن يكون كوميدياً.
لكنه يواجه السخرية من المجتمع، مما يقلبه إلى شخصية شريرة مرعبة ترتكب جرائم بشعة ضد من سخر منه. الفيلم فعلاً يتميز بأداء ساحر من فينيكس، الذي خفّض نصف وزنه من أجل أداء الدور.
الحقيقة وقصة زواج وآد استرا من ضمن واحد وعشرين فيلماً يشارك في المنافسة الرئيسية على جائزة الأسد الذهبي.
من ضمنها فيلمان فقط لمخرجات نساء. ورغم أن ذلك يعتبر تطوراً مقارنة بالعام الماضي، حيث شارك فيلم مخرجة واحدة فقط إلا أن نسبة أفلام المخرجات في منافسة مهرجان فينيسيا الرئيسية ما زالت الأدنى بين منافسات المهرجانات العالمية الأخرى، مما عرّضه لانتقادات لاذعة من قبل الحركات النسوية. لكن مدير المهرجان، أنطونيو باربيرا، رفض أن يجعل جنس مخرج الفيلم معياراً لا اختياراً، مصراً على أن معياره الوحيد في اختيار فيلم هو قيمته الفنية.
رد باربيرا لم يرض النساء، خاصة أن أحد الأفلام المتنافسة وهو «الضابط والجاسوس» للمخرج العريق رومان بولنسكي، الذي طُرد من أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة قبل عامين بسبب إدانته في الولايات المتحدة باغتصاب فتاة قاصر عام ثمانية وسبعين.
ورغم أن رئيسة لجنة التحكيم، المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتيل، صرحت بأنها ستقاطع عرض فيلم بولنسكي، إلا أن باربيرا عاد وأكد أنه ناقد سينمائي يحكم على أفلام وليس قاضي محكمة يحكم على أشخاص.
بولنسكي لم يحضر عرض فيلمه مساء الجمعة خوفاً من اعتقاله على يد السلطات الإيطالية وتسليمه للسلطات الأمريكية. ومن المفارقات أن فيلمه يحكي قصة الضابط اليهودي درايفوس الذي اتهم ظلماً بالتجسس للنازيين. وفعلاً يشعر المشاهد أن بولنسكي اليهودي صنع الفيلم ليحكي قصته بدلاً من قصة درايفورس، الذي كان ضحية اللاسامية المتفشية في أوروبا.

الأفلام العربية

أحد أفلام النساء في المنافسة الرئيسية هو فيلم المخرجة السعودية، هيفاء المنصور، «المرشحة المثالية»، الذي يدور حول طبيبة تقرر خوض الانتخابات المحلية لكي تعبّد الشارع أمام عيادتها. ورغم استهتار الرجال بها ومعارضة والدها الموسيقيّ لمشروعها إلا أنها تصر على الاستمرار بحملتها الانتخابية متحدية مجتمعها الرجالي. الفيلم فعلاً فريد من نوعه لأنه يسبر واقع المرأة السعودية بشجاعة وعن قرب. وقد قوبل بالتصفيق الحار بعد عرضه وأثار أعجاب رواد المهرجان والنقاد العالميين. المثير أنه رغم نقد الفيلم للمجتمع السعودي ومؤسساته في معاملتها للنساء، إلا أنه مُوّل على يد صناديق دعم سعودية. وفي حديث مع المنصور، قالت إن الوضع في السعودية تغير كثيراً وإن السلطة صارت تشجع الفن وتقبل بعض النقد. قضايا النساء كانت حاضرة أيضاً في أفلام عربية أخرى. من ضمنها فيلم التونسي نوري بوزيد، «الفزاعات»، الذي عرض في فئة الأفلام التجريبية. ويطرح قصة امرأتين يستدرجهما إسلاميون متشددون إلى سوريا، حيث يتم بيعهما لعناصر تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية، وتعرضتا للاغتصاب الجماعي حتى تتمكنا من الهرب. وعند رجوعهما إلى تونس واجهتا عداء مجتمع لا يغفر ولا يرحم. وفي حديث مع بوزيد، أكد أن قصة الفيلم مستلهمة من شخصيات حقيقية، وأن أول حكومة ديمقراطية إسلامية في تونس سمحت لعناصر المتطرفين بيع النساء لداعش. الصراع بين الدين والعلمانية والتحفظ والليبرالية كان أيضاً محور أول فيلم سوداني يشارك في المهرجان في فئة أيام فينيسيا، وهو «ستموت في العشرين» لأمجد أبو علالا. الفيلم يدور حول موزمل، من قرية صوفية يتنبأ دوريشها بموته في جيل العشرين، فيعيش حياته خائفاً من كابوس الموت ويكرس وقته بالعبادة إلى أن يلتقي سينمائياً علمانياً يعرّفه على عالم خارج قريته المحافظة ويثير الشكوك في إيمانه. بلا شك أن أفلام المهرجان تتسم بجودة فنية راقية، لكن يبدو أن الدراما الأكبر تحدث خارج صالات العرض هذا العام. فالأنظار الآن متجهة إلى فيلم آخر سيعرض خارج المسابقة وهو «أميركان سكين» للمخرج الأمريكي نيت تيرنر، الذي أيضاً اتهم باغتصاب فتاة خلال دراسته الجامعية بداية الألفية. من المفارقات أن رغم الانتقادات التي واجهها المهرجان تجاه شح أفلام النساء إلا أن عدداً كبيراً من الأفلام التي عرضها والتي سيعرضها الأسبوع المقبل تعالج قضايا نسائية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية