لبنان… جيش نباتي في مواجهة أشباح الجوع

يعرف هواة الكتب، القيمة التي كانت تحملها الليرة اللبنانية في السبعينيات، فكثير من الكتب القديمة الدسمة، التي صدرت عن دور نشر لبنانية كانت تحمل سعراً يتراوح بين 10 و 20 ل.ل. وهو السعر الذي كان يقترب وقتها من خمسة دولارات في المتوسط، ويكاد الرجال الذين تقاعدوا أو يوشكون على التقاعد من العمل، يتذكرون شيئاً من تاريخ الليرة اللبنانية، وهو غير التاريخ الذي يعرفه الجيل الذي ولد في السبعينيات، وكثيراً ما كان يتندر بأنه يعتبر من المليونيرات، إذا كان الأمر يتعلق بالليرة اللبنانية، عموماً الوضع ليس مناسباً لأي نكات، لأنها ستكون على قدر كبير من السماجة وقلة الذوق، ولم يتورع العديد من المنصات الصحافية بممارسة السخرية التي تثير المرارة لا الضحك، حين وصفت الجيش اللبناني بأنه أول جيش «نباتي» بعد أن حذفت قيادته اللحوم من وجبات مجنديه العاملين.
يبحث الصحافي في النهاية عن عنوان مثير، والعنوان سيدفع القارئ إلى النقر على المادة، ليتابع هذه التراجيديا الوطنية، التي يشهدها لبنان بعد انفلات أسعار المواد الغذائية، على وقع انهيار متسارع للعملة اللبنانية، ولكن فقدان القدرة على الاستجابة في لبنان، يرسم ملامح الكارثة المقبلة، خاصة أن الحكومة التي أظهرت منذ لحظتها الأولى انفصالها عن الواقع اللبناني، ما زالت تمارس التجوال العبثي داخل الحلقة المفرغة، بدون أن تقدم أي حلول، أو ترسل أي تطمينات، أو تتخذ أي خطوات للخروج من المأزق.
يقف الرئيس ميشيل عون بكامل سلبيته وغيابه في وسط الصورة، وتتسرب من بين يديه اللحظة التاريخية، التي يمكن أن يمارس من خلالها دوره المرجعي في الدولة اللبنانية، وما أبداه من صلابة في الدفاع عن صهره الوزير جبران باسيل، لا يتناسب مع استسلامه للوقائع الجارية، وكان على الرئيس أن يستشعر مدى خطورة الخبر الذي ارتبط بالجيش في هذه المرحلة، وأن يسعى للحيلولة دون تطبيقه لأي سبب كان، فالرئيس كان قائداً للجيش من قبل، ويفترض على الأقل إلمامه بالأثر المعنوي السلبي على الجنود، الذين تحولوا من صورة المقاتلين الذين يسعون للحفاظ على لبنان إلى مجرد أفواه مفتوحة في نظر الدولة اللبنانية.

الحكومة اللبنانية ما زالت تدور داخل الحلقة المفرغة، بدون تقديم أي حلول، أو اتخاذ خطوات للخروج من المأزق

أين أمراء الحرب وزعماء الطوائف في ما يتعلق بالأزمة الاقتصادية؟ الجميع يعيش في غيابه الخاص، ويحاول التواري تجنباً للأسئلة الصعبة، وحتى عندما يتحدث أحدهم، مثل سليمان فرنجية، فإنه يبدأ من التحالفات السياسية ومن العصي التي يصر على بقائها في دواليب توازنات القوى، ومن ثم يشير إلى الوضع الاقتصادي بكلام غائم، والخلاصة أنه يتمسك بالحكومة وحلفائه، مع إشارة خجولة إلى الوضع الاقتصادي. يتخوف لبنان في هذه المرحلة من المساس بالحكومة التي أتت بدون وجود أثقال حقيقية داخلها، فحكومة حسان دياب وأصدقائه، أفرطت منذ لحظة تشكيلها في قاعدة (سكّن تسلم)، ومع خطاب وفعل سياسي يخلو من الرفع والنصب والجر، لا يتوقع أن يقول رئيس الوزراء وفريقه شيئاً مفيداً، أو مطمئناً، أو واعداً، وكل ما يمكن فعله هو التسكع جيئة وذهاباً بين مكتبه ومقر الرئاسة، وهو يعلم جيداً أن الرئيس نفسه لا يملك أي حلول، وأنه ومنذ إطلاقه لجبران باسيل في وسط التشابك الطائفي لم يعد مرجعاً يمكنه أن يمثل صوت العقل أو الضمير، ولكن مجرد طرف في لعبة التجاذبات السياسية في لبنان.
أين حلفاء لبنان؟ ومع أن العبارة ليست دقيقة، فالحلفاء لديهم ممثلون في لبنان، ولن يقدموا الدعم، إلا إذا كان ذلك يترجم مصلحة ممثليهم ومصالحهم بالتالي، بمعنى وجود حكومة ذات هوية واضحة وميول معلنة، إلا أنه يجب الانتباه في المقابل إلى أن الحلفاء أصلاً منشغلون بملفات أخرى كثيرة، وأن أوضاعهم الاقتصادية حالياً، ليست بالمستوى الذي يمكنهم من إطلاق حزمة إنقاذ كبيرة للاقتصاد اللبناني، وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فحتى اليوم لم يصل لبنان إلى الحافة اليونانية، ولكنه لن يجد اتحاداً أوروبياً يقدم له الدعم، لأن ذلك يجب أن يقوم على أساس سياسي في البداية، وسيرتبط بأثمان سياسية، من شأنها أن تفجر الأوضاع بالكامل، وأن تجعل كل طائفة تتدبر أمرها بنفسها، وذلك ربما لن يتحقق سوى بحرب أهلية تطلق موسماً للحلول الفردية وتذهب بلبنان إلى الانهيار الكامل.
المساس بالجيش بهذه الصورة فيه شيء من الإهانة لمؤسسة يحاول اللبنانيون النظر إليها بكثير من الأمل الواهن، ويغدو مقلقاً في السياق العام، ومع أن الخطاب العاطفي بأن الجيش هو جزء من الوطن، وأن عليه أن يتحمل، يقوم على شيء من الوجاهة المنطقية، فجيوش كثيرة أكلت الشجر وخشاش الأرض، إلا أنه التعاطي مع الخبر وقراءة ما بين السطور في تفاصيله، يدفع إلى القلق، وكأنه إعلان نهائي عن أن زمناً من الجوع يطل برأسه على لبنان، والمشكلة لم تعد تتوقف أصلاً على رفاهية اللحوم، إذ تغولت الحكومة على مادة الخبز الحيوية بزيادة سعرية فادحة، مع تراجع الإمداد الاستراتيجي لكثير من المواد الغذائية. هل يمكن أن تتحرك الدول العربية من أجل انقاذ لبنان؟ ألا تكفي الساحات الكثيرة المفتوحة للصراع في المنطقة؟ أم هل على لبنان أن يساعد نفسه أولاً، وكيف يمكن أن يتحقق ذلك؟
كاتب أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول قيصر حجازين:

    لقد زرت لبنان أول مرة عام 1970 كان الدينار الأردني يعادل 3 دولارات والدولار يعادل 3 ليرات لبنانية ,

اشترك في قائمتنا البريدية