إسطنبول ـ «القدس العربي»: منذ إعلان قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعادة فتح آيا صوفيا للصلاة كمسجد، بعدما قضى قرار قضائي بعدم قانونية تحويله إلى متحف، تتزايد التحليلات والتفسيرات لمبررات القرار ومدى قانونية هذه الخطوة، التي كان أبرزها مقولة أن السلطان محمد الفاتح اشترى آيا صوفيا من ماله الخاص عقب فتح إسطنبول، واعتبار ذلك مبرراً لإعادة الكنيسة التاريخية إلى مسجد.
لكنّ مختصين بالتاريخ التقتهم «القدس العربي» شككوا في هذه الرواية، مؤكدين عدم وجود أي وثائق أو معلومات تاريخية موثقة تدعم هذه الرواية، ولفتوا إلى أنها أيضاً تتعارض مع الواقع السائد في تلك السنوات، وتتعارض أيضاً مع عدم وجود جهة محددة مالكة لآيا صوفيا كان يمكن له شراؤها منها. ويقول الباحث المختص بالتاريخ العثماني نضال صيام: «آيا صوفيا ودوناً عن الكنائس الأخرى في ذلك الزمان لم تخصص لأحد، ورواية أن محمد الفاتح اشتراها من ماله الخاص رواية تصنف أنها «يتيمة»، كونها رواية لمؤرخ تركي واحد فقط، وباقي المؤرخين الكبار يشككون فيها».
ويضيف صيام: «التقدير أنه لم يكن هناك داع ولا مبرر لشراء الكنيسة، ممن سيشتريها؟ وهو فاتح لإسطنبول بالقوة؛ فكل من كان يدخل مكاناً، فاتحاً أو غازياً، كان يحوله في عرف ذلك الزمان»، وتابع: «أرض آيا صوفيا هي جزء من أرض الدولة، وكان السلطان يحق له تخصيص أي جزء من الدولة كوقف، وبالتالي قام محمد الفاتح بتحويل آيا صوفيا إلى وقف محمد الفاتح، ولكن دون شراء من أحد».
إلى ذلك، يقول المختص بالتاريخ العثماني عامر سليمان: «لم يحدث أن اشترى السلطان محمد الفاتح كنيسة آيا صوفيا، والوثيقة المتداولة حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي هي وثيقة «الطابو« (حجة الملكية) الصادرة في عهد الجمهورية التركية ولا تعني أن السلطان الفاتح اشتراها؛ لأنه ببساطة أصبح صاحب حق التصرف بها بما يرى فيه مصلحة الأمة بعد فتح المدينة بقوة السيف ولا يحتاج إلى شرائها».
تعيين إمام للمسجد وتأكيد فتحه أمام الزوار من الأديان كافة
في سياق آخر، تتواصل التحضيرات على قدم وساق داخل أسوار آيا صوفيا من أجل فتحه للصلاة وإقامة أول صلاة جمعة في التاريخ الذي أعلنه أردوغان في الرابع والعشرين من الشهر الحالي، وجرى تعيين أول إمام ومؤذن للمسجد الذي سيفتتح قريباً من بين عدد من الأئمة والخطباء الذين سيجري تعيينهم تباعاً.
وحسب صحيفة يني شفق التركية، فإن رئاسة الشؤون الدينية في البلاد عينت أول إمام وهو Ferruh Muştuer حاصل على جائزة أفضل صوت في مسابقة تلاوة القرآن الكريم العالمية التي أقيمت في الكويت عام 2015، وهو من تلا سورة الفتح في آيا صوفيا خلال إحياء ذكرى فتح إسطنبول هذا العام.
من جهة أخرى، قالت رئاسة شؤون الدينية التركية إن وجود رسومات في مسجد آيا صوفيا، ليست عائقاً أمام صحة الصلوات فيه. وأوضح بيان صادر عن المجلس الأعلى للشؤون الدينية أن المجلس اجتمع، الإثنين، لمناقشة عدد من الأمور المستجدة بعد أن عاد آيا صوفيا مسجداً ونُقلت إدارته للشؤون الدينية. وقال البيان: «الرسومات في آيا صوفيا ليست عائقاً أمام صحة الصلوات التي ستؤدى فيه، وبرفقة ذلك يجب تغطية هذه الرسومات أو تعتيمها أثناء أوقات الصلاة باستخدام وسائل مناسبة للتأكد من إمكانية أداء المسلمين صلواتهم بخشوع»، وأكد أنه «لا يوجد أي مانع من الناحية الدينية لافتتاح آيا صوفيا الذي يعتبر قيمة كبيرة للتراث الثقافي الإنساني والتاريخي، أمام الزوار خارج أوقات الصلاة»، مشيراً إلى «أهمية اتخاذ التدابير اللازمة بخصوص امتثال الزوار لآداب المسجد».
والثلاثاء، كشف عمر جليك، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أن جامع آيا صوفيا سيكون مفتوحاً أمام جميع الزوار، بغض النظر عن ديانتهم، وأن الصور والرموز المسيحية ستغطى بإضاءة خاصة في أوقات الصلاة فقط، وسيتم الكشف عنها بعد ذلك.
وشدد جليك على أن «جامع آيا صوفيا بإسطنبول سيظل صرحاً يعكس عظمة التراث الإنساني العالمي، ومسجداً في نفس الوقت بعد فتحه للعبادة مجدداً»، ودعا مسؤولي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، لأن يكونوا على ثقة بأن تركيا منفتحة على مختلف أشكال التعاون للحفاظ على الميراث العالمي لـ«آيا صوفيا»، مستبعداً إخراجه من قائمة التراث العالمي.
والجمعة الماضية، ألغت المحكمة الإدارية العليا التركية، قرار مجلس الوزراء الصادر في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1934، القاضي بتحويل «آيا صوفيا» من مسجد إلى متحف. والأحد، أعلن رئيس الشؤون الدينية التركي، علي أرباش، خلال زيارته «آيا صوفيا»، أن الصلوات الخمس ستقام يومياً في المسجد بشكل منتظم، اعتباراً من الجمعة 24 يوليو/تموز الحالي.
بداية؛ الرواية تردها رواية أو دراية.
– أما الرواية، فالمشهور بل المقطوع به غياب روايات أهل القسطنطينية من البيزنطيين حول الاستيلاء على الكنيسة عنوة، لا بحكم الفتح عنوة، ولا بحكم تحول ملكية القسطنطين إلى ملكية السلطان محمد الفاتح الشخصية، ولو وجدت مثل هذه الرواية لطبل بها الغرب وزمر.
– وأما الدراية، فالمعلوم أن المذهب الذي يلتزم به العثمانيون والسلطان محمد الفاتح هو المذهب الحنفي، ولم يكن في عصورهم البحث التلفيقي في المذاهب المختلفة بحثا عن رأي شرعي يبيح لهم توجههم. والكنائس والمعابد لها حكمها الخاص حتى في الفتوح عنوة، (يتبع)
ففي بدائع الصنائع على سبيل المثال: “وأما الكنائس والبيع القديمة فلا يتعرض لها ولا يهدم شيء منها”، ج 7، ص 114. ومعلوم كذلك أن الوقف صدقة جارية يخصص فيها المسلم شيئاً من ملكيته الخاصة في باب من أبواب الخير، على سبيل الصدقة الجارية. وليس للدولة أن تقوم بالوقف لأن وظيفتها رعاية شؤون المسلمين، وتأمين مرافقها بالإنفاق عليها من بيت مال المسلمين. والوقف صدقة جارية يقوم بها شخص مسلم. والسلطان ليس له أن يشتري من أملاك الدولة لأن الشراء عقد إيجاب وقبول، ولا يوجد بائع هنا حتى يصح شراء الشاري. ولا محل للحديث عن الإقطاع الذي هو تمليك منفعة أرض من أملاك الدولة (الأراضي الميرية أو السلطانية .. على اختلاف الأسماء) لمن يريد أن يعمل فيها، لأن الكنيسة ليست أرضا شاغرة من أصحابها، ولا يحق للسلطان أن يُقْطِعَ من الأرض شيئا لنفسه، لأن عمله حاكم، وليس مزارعاً يستصلح أرضا.
وليس صحيحا في الأصل أن ملكية كنيسة أياصوفيا تعود لقسطنطين، بل الصحيح اختلاف المذاهب المسيحية ووجود ممثليات في الكنيسة، وأن السلطة الكنسية زمن الفتح كانت في جلها معارضة لقسطنطين (وهذا الأمر يحتاج إلى بحث وتوثيق من المصادر التاريخية). (يتبع)
لكل ما سبق جميع الشكوك الواردة حول رواية ملكية السلطان محمد الفاتح وشرائه الكنيسة وماحولها من ماله الخاص لا ترقى للطعن بها لا رواية ولا دراية. بل الدراية؛ أعني التكييف الفقهي لأياصوفيا باعتبارها وقفا، يعزز من رواية شراء السلطان محمد الفاتح.وسند الملكية في عهد الجمهورية بصيغته العثمانية واللاتينية [رغم حرص عقليات حكام ذلك الزمن وحرصهم على إزالة كل وصف إسلامي عن أياصوفيا، حتى مآذنها التي اعترض على هدمها المهندسون الأربيون لأنهم أدركوا أن بقاء أياصوفيا مربوط بمآذنها كما يروى]، يدل على صحة رواية الشراء. (يتبع)
ورأي صيام يدل على عدم اطلاعه الفقهي في موضوع الوقف، وعلى عدم اطلاعه على أبواب السير والجهاد في الفقه الحنفي، والتي تنص على عدم المساس بالكنائس والبيع في البلاد المفتوحة.
وكلام عامر سليمان أيضاً فيه شقان: الأول الاعتراف بسند الطابو، وهو يدل على تملك شخصي. والثاني: قوله: “ولا تعني أن السلطان الفاتح اشتراها؛ لأنه ببساطة أصبح صاحب حق التصرف بها بما يرى فيه مصلحة الأمة بعد فتح المدينة بقوة السيف ولا يحتاج إلى شرائها”. مردود عليه، لأن الكنائس لها حكم خاص، ثم إن في إسطنبول كنائس كثيرة في ذلك الوقت ولم تُمَسَّ. ثم إن القضية لا تتناول الكنيسة وحدها بل كذلك الأراضي المحيطة بها وهي أملاك خاصة لأهل القسطنطينية، وقد صدر لهم فرمان الأمان في اليوم الثالث من الفتح. وفي كل الأحوال يحتاج هذا الزعم من عامر سليمان إلى رواية تاريخية، ولا يكفي فيه نقد الرواية التاريخية المثبتة للشراء. انتهى