استقرّت الأمور في الداخل السوري منذ بضع سنوات على قاعدة هيمنة نظام آل الأسد، مدعوماً من القوات الإيرانية وتوابعها ومن القوات الروسية، على نحو سبعين في المئة من أراضي البلاد، وذلك بشبه تعايش سلمي مع سائر مناطقها: الجولان الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967؛ ومناطق الشمال الشرقي التي تسيّرها القوى الكُردية منذ أن بدأت الحرب الأهلية، وقد باتت مدعومة من قوات أمريكية منذ عام 2014؛ والمناطق الشمالية التي احتلها الجيش التركي بدءًا من عام 2016؛ ومنطقة إدلب الواقعة تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام» حصراً منذ عام 2017.
ولا شك في أن استقرار الأمور هذا، وإن كان دوامه مستحيلاً، إنما كان ويبقى أفضل بكثير من إعادة اشتعال الحرب الفتّاكة والمدمّرة التي تسبّب فيها أولئك الذين فضّلوا «حرق البلد» على رحيل الأسد، وسعّرها أولئك الذين بأموالهم تعمّدوا حرف الثورة السورية عن مسارها الديمقراطي الأصلي وتحويلها إلى حرب طائفية تحت رايات دينية، بحيث انتقلت من صراع ضد همجية السلطة إلى صدام بين الهمجيات في حالة قصوى من «حرب الجميع على الجميع» التي وصفها فيلسوف القرن السابع عشر الإنكليزي توماس هوبس، في كتابه الشهير «اللفياثان». وقد جاءت عودة نظام بشار الأسد إلى حظيرة الأنظمة الاستبدادية العربية تكريساً لقبول سائر تلك الأنظمة بما آلت إليه الأمور وتوقفها عن تمويل شتى الجماعات التي تعيّشت، بل واغتنت، من حالة الحرب.
إن هذه التطورات، وقد أعادت النظام السوري إلى شيء من الحالة الطبيعية ولو بحدود جليّة، والمقصود هنا حالة تطغى فيها احتياجات الحياة الاقتصادية على مقتضيات تفادي الموت قتلاً، إنما أعادت البلاد في الوقت نفسه إلى دينامية الثورة الاجتماعية والديمقراطية التي قطعها انحطاط الثورة التدريجي منذ ما يناهز عشر سنوات. هذا وما كللنا نؤكد منذ بداية ما عُرف باسم «الربيع العربي» أن الانتفاضة الكبرى التي عمّت أرجاء المنطقة الناطقة بالعربية منذ عام 2011، إنما لم تكن سوى بداية سيرورة ثورية طويلة الأمد، لا بدّ من أن تتواصل عبر الزمن مهما عرفت من انتكاسات وانتصارات مضادة للثورة، ما دامت قائمةً الأسباب البنيوية العميقة التي تسببت في انفجار البركان العربي بتفاعلها مع السياسات النيوليبرالية التي فاقمت نتائجها.
أما العبرة مما يجري في سوريا اليوم فهي أنه مهما عرفت البلدان من انحطاط لأوضاعها ومهما أصابها من أنماط الردّة، فإن الشعوب، عند أول فرصة سانحة، تعاود الانتفاض
فها أن سوريا تقدّم لنا خير إثبات لديمومة السيرورة، وهو إثبات ينضاف إلى الموجة الثورية الثانية التي شهدتها المنطقة في عام 2019، بل يزيد عنها قوة من حيث إن سوريا هي البلد الذي بلغت فيه هزيمة الثورة حدّها الأقصى والأكثر مأسوية. فنرى سوريا اليوم بالرغم من كل مآسيها تعود إلى سلوك الدرب الكلاسيكي للانفجار الثوري كما شهدته معظم ساحات الانتفاضات بدءًا من «الربيع العربي». ويقوم السيناريو الثوري الذي بات معهوداً لدينا على مبادرة النظام القائم بإشعال نار الغضب الشعبي متجاوزاً قدرة الشعب على التحمّل، من خلال تطبيق إجراءات تقشفية تهدف إلى تقليص دور الدولة الاجتماعي طبقاً للوصفات التي يرشد إليها صندوق النقد الدولي منذ عقود عدة.
ففي منتصف الشهر الجاري، أزال النظام السوري الدعم الحكومي عن أسعار الوقود بما أدّى إلى ارتفاعها إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف ما كانت عليه، وقد ترافق الأمر بمزيد من انهيار العملة السورية وبالتالي مزيد من التهاب أسعار شتى المواد الغذائية، فضلاً عن الأدوية وغيرها من مستلزمات الحياة. ولم يلطّف الأمر بتاتاً القرار الرئاسي برفع الحد الأدنى للأجور (الذي يبلغ أقل من 15 دولاراً بالشهر بسعر صرف السوق) ومضاعفة أجور موظفي الدولة (لاحظوا كيف أن القرارات البغيضة تصدر عن مجلس الوزراء والقرارات التي يعتقدون أنها ستملئ الناس غبطة وفرحاً تصدر عن الرئاسة). فقد فاق اشتعال الأسعار، وبكثير، الصدقة الرئاسية، التي جاء مفعولها عكسياً بالتالي إذ رأى فيها الرأي العام شتيمة واستجهالاً له.
فجاءت النتيجة على النحو المعهود: هبّة جماهيرية عمّت منطقة حوران، أي الجنوب السوري من تخوم الأردن إلى مشارف دمشق. فلم تنحصر الهبّة في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، كما حصل في مناسبات سابقة خلال الأعوام القليلة الماضية بما فسّره بعض الناس تفسيراً طائفياً بغية التقليل من شأنه، بل انتشرت إلى محافظة درعا بما فيها مدينة نوى التي وقفت إلى جانب مدينة درعا في طليعة الثورة في عام 2011، وقد دفعت المدينتان ثمناً باهظاً لتمرّدهما. لا بل امتد الحراك الجديد إلى جوار العاصمة وحتى إلى المنطقة الساحلية، بما فيها مدينتا اللاذقية وجبلة.
وإذا لم تشهد سوريا حتى الآن تظاهرات عملاقة كالتي عمت معظم المدن السورية في عام 2011 (بالمناسبة، قال بشار الأسد لمحطة «سكاي نيوز عربية» أن عدد المتظاهرين في عام 2011 «لم يتجاوز مئة ألف ونيف في أحسن الأحوال وفي كل المحافظات»!) فإن الحراك الجديد يتضمن عصياناً مدنياً وإضراباً عاماً، في حوران على الأقل. وقد عادت شعارات عام 2011 إلى الصدارة، لاسيما هتاف «الشعب يريد إسقاط النظام» والمطالبة برحيل رأس الدولة.
أما العبرة مما يجري في سوريا اليوم فهي أنه مهما عرفت البلدان من انحطاط لأوضاعها ومهما أصابها من أنماط الردّة، سواء أكانت على نحو استبدادي أم حربي، فإن الشعوب، عند أول فرصة سانحة، تعاود الانتفاض لا محال إزاء أوضاع اقتصادية ومعيشية لا تني تتدهور بينما تتوسع باستمرار الفجوة الهائلة القائمة بين الحكام العرب ومحاسيبهم من جهة، وسواد الشعب العامل في الجهة المقابلة.
كاتب وأكاديمي من لبنان
التحدي كبير ونتمنى أن لا تذهب التضحيات سدى….. فحتى أنجح ثورة في الربيع العربي وهي الثورة التونسية و التي توجت بانتخاب أستاذ القانون الرئيس قيس سعيد بطريقة شرعية لا تزويرا وكذبا، يتمنى قطاع كبير من الإخوة التونسيين الآن لو أن الزمن عاد بهم إلى عهد استبدادية بن علي أو الحبيب بورقيبة. أما في حالة سوريا فإن بشار (الأسد) يبدو أكثر إطمئنانا من أن إيران وأمريكا و(إسرائيل) لن يسمحو أبدا بحرية وتحرر بلاد الشام وأن مشروع الحرب والقتل من أجل التهجير هو هدف إستراتيجي مقدس، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون!
شكرًا أخي جلبير الأشقر. لاشك عندي مثلك بأن الربيع العربي ليس إلا مرحلة من مراحل سوف تستمر (لنتذكر ربيع براغ ومن ثورات أوربا الشرقية بعد سنوات) حتى تحقيق العيش الحر الكريم للشعوب المقهورة والمغلوبة على أمرها في هذه المنطقة اللامستقرة جبوسياسيًا في الوقت الحاضر. الشيء الملاحظ في هذه النظاهرات الأخيرة أنها جاءت بتأثير عوامل منها عاملين مهمين. الأول هو أن معارضي النظام ومسانديه حالهم سواء، “كلهم بالهوا سوا” كما يقول المثل الشعبي. أي لم يعد “الإرهابيين” من يقوم بالثورة. ثانيًا، يبدو أن عائدات ببع المخدارات الدولارات بدأت تنخفص إلى الحد المؤلم للنظام، فجعلته لايعرف ماذا يفعل! زيادة رواتب “خيالية” ورفع للدعم لامعقول. السؤال فقط وإلى أين؟ هل تمتد وتعود الثورة رويدًا إلى نارها المتوهجة كما في الشهور الأولى ن الثورة عام ٢٠١١. وهل تمتد إلى مصر والعراق ولبنان كما حدث في الموجة الثانية، نأمل أن تسير هذه الشعوب بخطى واثقة نحو أهدافها.
المشكلة ليست في الشعب السوري ولا المسالة مسالة نظام استبدادي هي ببساطة ان الانظمة العربية ( وبالطبع اسرائيل والغرب المنافق الخ٠٠٠٠) لن تسمح بسقوط نظام- اي نظام- في المنطقة ولا حتى في كتونس ناهيك عن دول اساسية كسوريا ومصر الخ. الانظمة العربية بدات تستشعر الخطر والكل يتحسس راسه وقد قالها القذافي بكل وضوح ” الكل جاييه الدور” ولكنه اول من سقط مما حذر منه. القذافي لم كن يتنبا بل ما قاله مبني على حقائق وخبرات في الحكم تمتد لاربعين سنة ولكن كما يقولون غلطة الشطر بالف..
يقول المثل الانكليزي هات العدة(المناسبة) لأنجز المهمة تاملت مثلا restore a 75 years old delta drill press أو old lathe restoration أو machine restoration ليس دعاية لمُعيَّن ولكن محاكاة: منهج علمي، خبرة، تشخيص، صبر، حسن تعامل، اتقان..الخ الثوار يحتاجون لعلم وخبرة وصبر ومثابرة..الخ
هب أن الآلة ذات براغي ومسننات وروافع ومحركات وعجلات وأجزاء وقواعد رصينة متكاملة ولكن يعتريها صدأ وتحتاج صيانة. أراد البعض(مندفعين بجهل وتغرير قابعي الزوايا المعزولين عن واقع وتاريخ وحدث) بسكين استئصال واختزال أجزائها لتعمل مهلهلة مختصرة، وآخرون استبدلوا مكونات بأخرى واستعانوا بمطارق وأسيد لليّ وحَنِي وكسر مكونات أخرى، وآخرين اكتفوا بصب قطرات زيت على صدأ المرافق، وآخرين عبثوا بجهود المحركات لمسارعتها رغم تماسك الصدأ!
الحل يتطلب تشخيص وفك وتنظيف وتزييت وإعادة تركيب(إعمار) ودهان وتحميل وربما تحديث (بعض المكونات المهترئة). الحلول الوسط دون الإقصاء والتهميش، التسامح والتوافق والتصالح والمشاركة والإيثار، والعزيمة والتصميم والثبات والاستقلال.
” ما زال الشعب (السوري) يريد إسقاط النظام ”
أما أنا فأقول : ما زال البعض يريد تقسيم سوريا
فشلوا وما زالوا يصرّون. لايهمّهم مصير الشعب السوري بأي حال من الأحوال هدفهم الوحيد تدمير سوريا وتقسيمها خدمة ل أسرائيل
يعني ماحدا مهتم بالشعب السوري غير بشارون أسدوف وشبيحته بالطبع!🥺
على أرض الواقع، تمّ تقسيم سوريا ولم يتمسك بشار إِلَا بسورية المفيدة. ولم نسمعه يوماً يطالب باستعادة المساحات الشاسعة التي تسيطر عليها قوات كردية. ونذكر بأن النظام هو الذي أدخل القوات الروسية والإيرانية، ووهبهم موارد البلاد. والنظام لم يفعل شيئاً لإعادة الللاجئين في دول الجوار، بل على العكس تماماً، استفاد من هجرة الغالبية السنيّة لتصبح سوريا “أكثر تجانساً” أي لتتحول الأقليات إلى أغلبية وتصبح الأغلبية أقليات مشرذمة. سوريا يحكمها نظام فاشل يرأسه رجل فاشل… وبدل أن يعترف بفشله الذريع ويرحل، فإنه يبقى جاثم اًعلى بُطُون الشعب الذي يتضور جوعاً. واليوم تعقدت الأمور، وتغلغل الإيرانيون وهاجر أصحاب المهن وحاملي الشهادات العليا.
كلامك صحيح يا أخ ادواردع،ولكن البعض لا تهمه البلد سواء خربت أو دمرت،المهم عندهم المضي في تحقيق الأجندة التي يريدها أعداء سوريا.
لان القوم لا يتعضون بغيرهم …! شعارات لا تسمن لا تغني من جوع …! يرددونها بجهل مطبق …! الحل في بلداننا الجنوبية هو ما يقترحه الرئيس الاستاذ قيس سعيد و يسعى لتطبيقه في تونس الحبيبة رغم الصعاب ……!