كتاب «رسائل إلى ناقد شاب» للأكاديمي والروائي والشاعر المغربي محمود عبد الغني، والذي صدر مؤخراً عن «الآن ناشرون» في عمّان، يبدو أقرب إلى تأمل فلسفي في مصير النقد منه إلى مجرد دليل إجرائي لممارسته. فهو يكشف، بلغة هادئة وعميقة، عن شجون الفعل النقدي وأعبائه الجديدة في زمن يتسارع فيه العالم نحو فضاءات المعلوميات الجماهيرية، حيث تتسع هيمنة الخوارزميات وتضيق فسحة التأمل البطيء. في هذا الأفق المضطرب، يغدو النقد نفسه مطالباً بإعادة التفكير في شروطه وأخلاقياته ومعناه.
ولا تتوجه هذه الرسائل إلى المبتدئين وحدهم، بل تمتد أيضاً إلى النقاد المتمرسين، لأنها تقترح نوعاً من الاستعادة الهادئة لجوهر الحس النقدي؛ حسٍّ يتغذى من الروح الفلسفية، ومن ذائقة مسؤولة تستند إلى الانضباط المعرفي والدقة المنهجية. إنها دعوة إلى إعادة إشعال تلك الشرارة التي تجعل القراءة فعلاً إبداعياً، وتجعل الكتابة النقدية مساحة للتفكير لا مجرد ممارسة تقويمية عابرة.
وفي هذا السياق، يستعيد الكتاب جملة من الالتزامات التي طالما شكلت أفق أدب النقد في تقاليد الكتابة الأدبية والفكرية: النزاهة في الحكم، والإنصات للنص قبل إصدار الأحكام، والابتعاد عن الانفعال الذي يطمس خصوصية العمل الإبداعي، أو عن النزوع إلى تثبيت يقينيات لا تستند إلى برهان. هكذا تتحول الرسائل إلى تمرين في أخلاق القراءة قبل أن تكون درساً في تقنيات النقد، حيث يصبح النقد نفسه شكلاً من أشكال المسؤولية الفكرية تجاه النص والعالم معاً.
أزمة الهوية النقدية والفراغ التأويلي
يدعونا عبد الغني إلى التجول في فضاء النقد الأدبي بوصفه تجربة وجودية وفكرية في آن واحد، حيث لا يكتفي النقد بمهمة تقييم النصوص، بل يصبح مسعى لاستقصاء القيمة والجمال، وفهم السياق الثقافي والتاريخي الذي ولدت فيه تلك النصوص. في هذا الإطار، نستحضر نظرية ألبير تيبودي الذي قسم مسؤولية الناقد بين التلقائية ـ أي تلك الانفعالية الفطرية تجاه النص ـ وبين المهنية أو الأستاذية، التي تجعل من النقد ممارسة ثقافية خالصة، تنسجم مع ما يراه تيبودي «حديثاً عن الكتب» لا مجرد قراءة سطحية.
لكن عبد الغني يتجاوز هذا التحديد، ليكشف عن تعقيدات المشهد النقدي العربي المعاصر، حيث تتشابك ضغوط السوق وامتداد صناعة النشر مع هاجس «حكام الذوق»، أولئك الذين يبتغون الجمال كمعيار وحيد للنصوص، متجاهلين أحياناً العمق التأويلي والفلسفي للأعمال الأدبية. وفي هذا السياق، يشير إلى أزمة الهوية النقدية، تلك التي أطلق عليها بعض المفكرين مثل تيري إاغلتون مصطلح «الفراغ النقدي»، أي الانزياح بين الوظيفة الأكاديمية للنقد وانشغاله بالسوق أو بالظاهرة الإعلامية.
يشدد عبد الغني على أن الناقد لا يكون أكثر من «مجموعة من الكتاب المتخصصين» كما قال، لكن مع إمكانات التحليل التاريخي والمقارن، واستخدام العقل والجسد في الحكم على النصوص. إنه نقد يمزج بين الذوق الشخصي والمعرفة المكتسبة، بين الحس الجمالي والفهم التأويلي، ويعكس ما أكده سانت بوف حين اعتبر أن النقد يتراوح بين ما يغضب وما يؤكد، بين موقف معارض وموقف مؤيد، ليصبح بالتالي ممارسة متسمة بالمسؤولية الفكرية والأخلاقية.
وعليه، يمكن القول إن الكتاب يستعيد من جديد روح النقد المتأمل والتأويلي، بعيداً عن تبسيط العملية إلى مجرد حكم على النصوص. إنه يطرح النقد بوصفه ممارسة فلسفية، تتطلب الانتباه الدقيق للعلاقات بين النصوص والوعي الثقافي والتاريخي، وتستدعي صبغ كل حكم بالمعرفة والسياق والذوق الناضج. وفي هذا الإطار، يتحول الناقد إلى عامل توازن بين الإبداع والوعي، بين الجمال والجدوى، بين النص والتاريخ، ليصبح النقد فعلاً يوازِن بين الفكر والجمال والمسؤولية، بعيداً عن الارتجال أو الانزياح نحو الاستهلاك الثقافي.
يقترب عبد الغني من الناقد الشاب بعبارة تمثل تعليماً صوفياً للنقد: «كل ما قمت به، أنني علمتك السباحة في البر، والآن عليك ملامسة الماء». إنها دعوة للاستقلالية الفكرية، لتحويل المعرفة المكتسبة إلى ممارسة نقدية حرة وفعالة، مستسلمة لسحر النصوص وذكائها، كما يوجّه المعلم طريق النقد الخلاق.
وهذا التوجه يتماشى مع ما عبّر عنه الروائي ماريو فارغاس يوسا حين قال: «يمكن للنقد أن يكون مرشداً عظيم القيمة في النفاذ إلى عالم المؤلف وأساليبه، ويمكن للبحث النقدي بحد ذاته، أحياناً، أن يكون إبداعاً، مثل أي رواية عظيمة، أو فصيدة رائعة دون زيادة أو نقصان». فالنقد هنا لا يظل حكراً على الفصل بين الكاتب والقارئ، بل يصبح إبداعاً مضاداً، يتواشج مع النص ويعيد إنتاجه بوعي وإدراك.
ويضيف عبد الغني عن النقد أنه مسعى تأملي وعملي في الوقت نفسه: هو معرفة متراكمة وسياق ثقافي وتاريخي، وهو في الوقت نفسه ممارسة تستدعي الإحساس بالنص، واستخدام العقل والجسد معاً، وموازنة الذوق مع المعرفة والتأويل. فالرسائل الأربعة والعشرون ليست مجرد تعليمات نظرية، بل هي رحلة في فضاء النقد كفن حي، يتحرك بين الثابت والمتغير، بين السلطة الرمزية للنقاد وبين الحرية الإبداعية للنصوص.
هكذا، يتحول النقد في ضوء رؤية عبد الغني إلى رحلة توازن دقيقة بين التقدير والحذر، بين المتعة والجدّ، بين الذوق والوعي التأويلي، ليصبح ممارسة لا تستهلك النص فقط، بل تُعيد خلقه، وتعيد إنتاج القيمة التي يحويها، وفق ما جسده فكر سانت بوفووالتر بنجامين، حين رأوا النقد بوصفه حراسة على القيمة، وعملية اكتشاف للفكر والجمال الكامن في النصوص، لا مجرد وسيلة للتمييز أو الحكم.
الرسالة: النص الخفي للأدب
منذ أن اكتشف الأدب شكل الرسالة بوصفها وسيطاً بين ذاتين مفكرتين، تحولت المراسلات بين الكتّاب إلى فضاء تأملي خاص، يقع في المنطقة الوسطى بين الاعتراف الشخصي والتفكير النظري. فالرسالة الأدبية ليست مجرد خطاب حميمي عابر، بل هي مختبر للفكر والإبداع، حيث تتشكل الأفكار الأولى للنصوص، وتنكشف القلقات الوجودية التي تغذي الكتابة. لذلك تبدو هذه الرسائل، في كثير من الأحيان، كأنها النص الخفي للأدب؛ ذلك النص الذي يسبق العمل الإبداعي أو يوازيه، ويكشف عن بنيته الداخلية قبل أن تتصلب في هيئة كتاب أو رواية أو قصيدة.
في هذا الأفق، تظل رسائل راينر ماريا ريلكه التي جُمعت في كتاب «رسائل إلى شاعر شاب» نموذجاً فريدا لهذا الجنس الأدبي التأملي. فريلكه لا يكتب نصائح تقنية حول الشعر بقدر ما يكتب ميتافيزيقا للكتابة، إذ يحث مخاطبه على أن يبحث عن ضرورة الكتابة في أعماقه، لا في اعتراف الآخرين. فالشعر، عنده، ليس مهارة بل قدر وجودي، ولذلك كتب عبارته الشهيرة بأن على الشاعر أن يسأل نفسه في أعماق الليل إن كان يستطيع أن يعيش من دون كتابة. فإذا كان الجواب بالنفي، فعليه أن يبني حياته كلها وفق هذا النداء الداخلي. وهكذا تتحول الرسالة إلى تمرين روحي على الإنصات للذات، أكثر مما هي درس في تقنيات الأدب.
غير أن الرسائل الأدبية لا تتخذ دائماً طابع الاعتراف الفردي، بل قد تتحول إلى حوار فكري حول ماهية الأدب نفسه. ويتجلى ذلك في المراسلات الشهيرة بين غوستاف فلوبير وجورج صاند، حيث يتحول تبادل الرسائل إلى نقاش طويل حول علاقة الأدب بالأخلاق والمجتمع. كان فلوبير يؤمن بأن الفن ينبغي أن يظل مستقلا عن الوعظ الأخلاقي، وأن الكاتب يجب أن يكون في عمله «مثل الله في الكون: حاضرا في كل مكان وغير مرئي». أما صاند فكانت ترى في الأدب التزاما إنسانيا يتصل بقضايا المجتمع. وبين هذين الموقفين تكشف الرسائل عن توتر دائم بين استقلال الفن ووظيفته الاجتماعية، وهو توتر ظل ملازما للفكر الأدبي الحديث.
وفي منحى أكثر وجودية وقلقا، تكشف رسائل فرانز كافكا إلى فليس باور ـ المنشورة في كتاب «رسائل إلى فليس» ـ عن وجه آخر للرسالة الأدبية، وجه الاعتراف بالهشاشة الداخلية للكاتب. ففي هذه الرسائل لا نجد كافكا الروائي فحسب، بل الإنسان الذي يعيش صراعا دائما بين رغبته في الحياة ورغبته في الكتابة. إن الكتابة بالنسبة إليه ليست مهنة بل حالة من الاغتراب، نوع من الانفصال عن العالم. ولذلك تبدو رسائله كأنها محاولة مستمرة لفهم هذا المصير الغريب الذي يجعل الكاتب أكثر قربا من العزلة منه من صخب الحياة اليومية.
أما في القرن العشرين، فقد تحولت الرسائل بين الكتّاب إلى مختبر للحداثة الأدبية، كما يظهر في المراسلات بين ت. س. إليوت وإزرا باوند. فقد كان باوند أحد العقول المحركة للحداثة الشعرية الإنجليزية، وكان حواره مع إليوت جزءاً من عملية صياغة قصيدة الأرض الخراب التي ستصبح لاحقا أحد أهم نصوص الشعر الحديث. وهنا تتحول الرسالة إلى مختبر جمالي تتشكل فيه القصيدة قبل أن تظهر في صورتها النهائية.
ومن هذا الأفق التأملي نفسه، يمضي عبد الغني في مشروعه النقدي، متوشحا بأجهزة مفاهيمية كثيفة وهموم إشكالية باذخة، تنظر إلى الأدب بوصفه فنا مفتونا بالصداقة الفكرية، ومسعى لتحويل المجد الرمزي للنصوص إلى نظام معرفي راسخ. فالنقد عنده ليس بحثا عن «ظل الناقد المنتظر»، بل هو فعل انخراط شغوف في القراءة، حيث تصبح القراءة ملاذا وجوديا وهوىً شاردا في الآفاق. ولذلك يطرح السؤال الذي يشبه اعترافا معرفيا: كيف يصبح المرء ناقدا؟ وكيف يمكن للناقد أن يفعل بالكتب ما يفعله نقار الخشب بخشب الأشجار؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بتقنية القراءة فحسب، بل بقدرة الذائقة على إيقاظ الحواس وإعادة ابتكار فن التعامل مع النصوص. فالنقد، كما يلمّح كاتبنا، ليس حكما سريعا بل تكوين بطيء للحساسية الجمالية. وهو ما يجعل التفكير في النقد يمر عبر أسئلة تأسيسية تعيد النظر في أصل الكتابة ذاتها: لماذا نكتب؟ ما الداعي إلى النقد؟ وكيف تتحدد مهمته؟ وفي كل ذلك استحضار لأسئلة الناقد ميشيل شارل الذي أعاد مساءلة كينونة الكتابة عبر هذه الأسئلة البسيطة والعميقة في آن واحد.
لكن الرحلة النقدية، في نظر عبد الغني، لا تُحسم بإجابات جاهزة، بل تتبلور عبر تأملات متدرجة تستعيد مفاهيم حاولت تأسيس أفق جديد للنقد. ومن ذلك ما ذهب إليه الناقد مارك سيريزويلو حين قال إن النقد ليس مجرد مجموعة من القواعد أو الأوامر، بل هو تفكير دائم في البدايات؛ فكل قراءة جديدة للنص ينبغي أن تكون بداية جديدة للنقد نفسه.
إن الكتابة النقدية تتبدى لدى صاحب هذه الرسائل كمسعى يعيد التفكير في شروط إنتاج المعرفة الأدبية، حيث لا تستقر المفاهيم في حدودها الأولى، بل تنفتح على ارتحالاتها الممكنة، ويغدو النقد فعلاً يقظاً، يراقب تحوّلاته وهو يعيد صياغة ذاته داخل شبكة من الأسئلة التي لا تنفد.
قراءة ماتعة تؤكد رحابة النقد واتساع فضائه لمختلف القيم الجمالية والمعرفية والثقافية ، وتجاوز الأحكام القيمية والانطباعات الذاتية .