سياسة ترك الشعب رهينة للحصار الاقتصادي، كانت ولاتزال حربا قذرة وهي ليست جديدة على واشنطن، فقد مارستها ضد كوبا ونيكاراغوا وفيتنام، وأضرت بالشعب العراقي لسنوات طوال، قبل غزو البلد وتدميره. وهي متواصلة ضد الشعب السوري. ومن الطبيعي أن لا يأبه المجتمع الدولي الذي تقوده أمريكا لحصار غزة المستمر منذ 2007، فالعنصرية والنفاق من أبرز مظاهر النظام العالمي الجديد.
وفي سبيل بقائهم في الحكم، أوصل بعض الحكام دولهم إلى نتيجة اجتماعية وثقافية مخزية، يسيطرون على شعوبهم بالجبر الأمني، ويَقنَعون فيها بدور الخادم المطيع لإرادة الهيمنة الغربية. ولم نجد وقفة حاسمة تجاه نظام الفصل العنصري والاستعمار الإسرائيلي لفلسطين، تماثل الحزم الذي تجاوز ممارسة حق الفيتو، وإبطال قرارات الأمم المتحدة، تجاه إدانة عدوان دولة على أخرى، كما حدث أيام غزو الكويت.
والولايات المتحدة والمملكة المتحدة تتجاهلان ذلك، وكأنه غير ذي صلة بالموضوع، وكأن الديمقراطية لا تعني أكثر من التصويت الانتخابي، الذي تمنعه تل أبيب أيضا، بينما لا يلتفتون إلى حالة التردي والمعاناة التي يعيشها سكان غزة والقدس والضفة، ومقايضة السلطة الفلسطينية وابتزازها في كل مرة ودفعها للتنازل أو منع رواتب الموظفين وخنقها ماديا. وبالتوازي يُنظر إلى محكمة العدل الدولية باستنكار ولامبالاة، وهو سلوك متوقع من إسرائيل، فهي تقتدي بواشنطن التي ضربت بتقارير هذه المحكمة عرض الحائط، من أيام الحرب الهمجية التي شنتها إدارة ريغان على نيكاراغوا أو غزو بوش لبنما. ومنذ ذلك الحين وهم يستخدمون حق الفيتو، وتعضدهم بريطانيا في ذلك، ويقفون صفا واحدا تجاه قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وغيرها من الهيئات الدولية، التي تتحدث عن الانتهاك الفاضح للقانون الدولي والاستقلالية وسيادة ووحدة أراضي الدول. ولم يكن تهليلهم لنظام عالمي جديد يكرس السلام والأمن والحرية وسيادة القانون سوى كذبة كبرى. هكذا صار العرض المبتهج للمبادئ الفاشية واضحا وجليا، مع التأكيد على صحة مبادئهم الأخلاقية، كسلوك تقليدي للثقافة الفكرية في هذه البلدان. ومسارات القضية الفلسطينية التي وصلت إلى محاولات التصفية النهائية بإرادة أمريكية وغربية مشتركة، تفسر إلى حد بعيد كيف تكاتفت جهود القوى الاستعمارية لتبرير طموحات إسرائيل التوسعية، وتوطيد أركانها الهشة على أنقاض الشعب الفلسطيني، الذي يعيش أسوأ الظروف في الداخل كما في الشتات. والذي يحاولون طمس إرادته الحرة في اختيار قيادات سياسية تحظى بالشرعية الانتخابية، للمضي في طريق انتزاع الحقوق المسلوبة، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. ومنع الفلسطينيين من رص صفوفهم، وضرب الوجود المقاوم غايته تصفية الحق الفلسطيني. والترتيبات الإسرائيلية المهينة، وأزمة السلطة الفلسطينية وتنسيقها الأمني مع الكيان المحتل، وتهميش دور منظمة التحرير، لصالح سلطة لا قرار لها على الأرض، أوصلت الأمور إلى ما هي عليه.
موقف الولايات المتحدة، الذي اعتبرت فيه الانتخابات الفلسطينية شأنا داخليا، تصرف مكشوف يثمن ما تقوم به إسرائيل في القدس
وما لم يتم توحيد الصف الوطني الفلسطيني، وإنهاء مسار الانقسام، الذي استفادت منه إسرائيل كثيرا، وفرض الانتخابات كعنصر من عناصر المقاومة والتحشيد السياسي، واستغلال حالة الارتباك الإسرائيلي، فإن الشرخ سيتعمق وأمل الأجيال التي تمشي على أرض مقدسة ستخيبه مرة أخرى الخلافات الشخصية والأيديولوجية، ومنطق المزاودات على حساب القضية الجامعة، التي تستمر معاناة شعبها منذ عقود. ويجب أن لا ننسى أن إقامة إسرائيل عام 1948 كان أولى الخطوات الاستعمارية لفرض مشروع الشرق الأوسط، كمشروع للهيمنة الغربية. وكل المراحل التي تلت تلك اللحظة ذهبت في اتجاه فرض سياسة الأمر الواقع من جانب بريطانيا وأمريكا أساسا، بهدف تفكيك المشروع العربي لصالح المشروع الصهيوني، اللبنة الأساسية التي أرادوها وسيلة للسيطرة والهيمنة، متخذين من تهويد فلسطين وتحويلها إلى قاعدة متقدمة حجر الزاوية في المشروع الغربي الاستعماري الذي يعادي النضال التحرري الوحدوي العربي.
كانت الممارسات الأكثر إثارة في العقيدة السياسية الأمريكية للسيطرة بالغة في مغزاها، وإسرائيل تقتدي بها. وعلى الأطراف الفلسطينية كافة أن لا تقع في فخ الانقسام مرة أخرى، لأنه يخدم إسرائيل، ويزيد في إدامة المعاناة الفلسطينية وتصفية القضية. وخيار مواجهة تعنت الاحتلال، وتحويل الانتخابات إلى معركة مقاومة وفرض إرادة، هو ما يجب المضي فيه دون تأجيل. فالشعب الفلسطيني سئم الوضع القائم على الانقسام والتشتت، ويرغب في قيادة موحدة يتطلع من خلالها إلى التغيير. ومشاكل نتنياهو الداخلية تجعله أعجز من أن يقوم بعمليات عسكرية واسعة. والمؤسسة الأمنية الاسرائيلية مرتبكة هذه الأيام، بسبب العمليات المتكررة والأعمال البطولية في باب العمود والخليل والشيخ جراح، وصمود أهل القدس وتل الزعترة وغيرها، وجميعها توحي بمخاض هبة شعبية شاملة ضد الاحتلال. وبالنسبة ،للفلسطينيين لم يكن لدى صناع القرار الأمريكي أي مراجعة نقدية لما تُقدم عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ 1948، سواء ما تعلق بالاستيطان والمقدسات، أو تقرير المصير وحق العودة للاجئين والمهجرين قسرا من أراضيهم. فالولايات المتحدة تدين لإسرائيل بأنها وقفت خلال عقد الستينيات كحاجز فعال أمام ضغوط الناصرية، ومعارضتها المد القومي العربي، وتأثيره المتنامي في شبه الجزيرة العربية، التي تعني أمريكا وبريطانيا بشكل مباشر. ومن خدم المصالح الأمريكية، وساهم في تقويض القوى القومية الاستقلالية في المنطقة، ليس مستغربا أن ينال ما ناله من أعطيات سخية لن تقف عند حزمة التوقيعات التي قدمها دونالد ترامب.
في زمن الديمقراطية الليبرالية، تطغى مصالح الدول على كل الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، وموقف الولايات المتحدة، الذي اعتبرت فيه الانتخابات الفلسطينية شأنا داخليا، تصرف مكشوف يثمن ما تقوم به إسرائيل في القدس. وهي تزكية واضحة لقرارات الإدارة الأمريكية السابقة، وخطواتها التمهيدية لما سمي صفقة القرن. والحكام الدكتاتوريون في المنطقة، والمختبئون في عباءة واشنطن، يلوذون بالصمت كخيار مناسب، بدلا من اتخاذ موقف أو فعل ما بمقدوره إعانة الفلسطينيين، وتحسيسهم بأن القدس هي معركة الجميع، وقضية أمة لا تقبل تعدد وجهات النظر. وليس من الصعب تخيل كيف يبدو العالم حين يتبنى الاتحاد الأوروبي ومعظم دول المنطقة العربية منهج واشنطن وسلوكها السياسي. فقد تعودنا منذ عقود، أن يسود قانون الغاب الذي يحسن الأقوياء استخدامه لتحقيق مآربهم. ولن نتمكن من رؤية التهديد المحدق بنا، ولن تُسمع كلمتنا ما دمنا مشتتين وأفكارنا الأيديولوجية والمذهبية تُعمي أبصارنا، وتشحذ مسارات الانقسام وواقع التخاذل تجاه قضايا التحرر الوطني العادلة.
كاتب تونسي