مدارس على خطوط النار… حرية التعليم في السودان بين الحرب والانهيار ومحاولات المقاومة من أجل البقاء

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقتٍ تتصاعد فيه المعارك في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/ابريل 2023، تتبدل ملامح الحياة اليومية في البلاد على نحوٍ لا يترك مجالاً للحياد أو الاستقرار. وبينما تتساقط القذائف على المدن وتتحول الطرق إلى خطوط تماس مفتوحة، يجد قطاع التعليم نفسه في قلب العاصفة، لا بوصفه مؤسسة خدمية فحسب، بل باعتباره أحد أكثر ميادين الصراع هشاشة وتعقيداً.
في هذا المشهد، تتزايد الانتقادات الموجهة إلى الحكومة السودانية من جهة، وقوات الدعم السريع من جهة أخرى، بسبب التدهور الحاد في أوضاع الطلاب والمعلمين، وحرمان مئات الآلاف من حقهم في التعليم، في بلد كان يعاني أصلاً من تحديات هيكلية عميقة في بنيته التعليمية حتى قبل الحرب.
فالمدارس التي كانت يوماً ما فضاءً آمناً للمعرفة، تحولت في كثير من المناطق إلى مبانٍ مهجورة أو مراكز إيواء للنازحين أو حتى مواقع عسكرية، فيما أصبح الوصول إليها في مناطق أخرى رحلة محفوفة بالخطر، قد تنتهي بالاعتقال أو الاختطاف أو الموت على الطرقات.

تعليم بين الانقطاع والنجاة

بينما استأنفت بعض المدارس عملها في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية، فإن المشهد في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع أو مناطق العمليات العسكرية يبدو أكثر قتامة وتعقيداً.
هنا، لا يتعلق الأمر فقط بانقطاع الدراسة، بل بانهيار كامل لمنظومة التعليم. فالأطفال في هذه المناطق لا يواجهون فقط غياب المدارس، بل أيضاً غياب الأمان، وغياب القدرة على التنقل، وغياب الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح بعملية تعليمية منتظمة.
تتقاطع شهادات المعلمين مع تقارير حقوقية لتؤكد أن آلاف الطلاب في دارفور وكردفان ضمن مناطق أخرى وجدوا أنفسهم فجأة خارج النظام التعليمي، من دون بدائل حقيقية، في ظل فشل كل محاولات الوساطة لتوحيد أو تنظيم امتحانات الشهادة السودانية بصورة تشمل جميع المناطق.
وبينما يحاول بعض الطلاب قطع مسافات طويلة للوصول إلى مراكز الامتحانات في مدن أكثر أماناً نسبياً، فإن هذه الرحلات غالباً ما تمر عبر طرق غير آمنة، حيث تنتشر نقاط التفتيش المسلحة، وتكثر حوادث الاختطاف والابتزاز من أجل فدية مالية من مقاتلي الدعم السريع، ما يجعل «الحق في التعليم» مرتبطاً عملياً بقدرة الطالب على المرور عبر تلك الطرق الخطيرة فضلا عن الكلفة الباهظة نفسيا وجسديا واقتصاديا والتي تكون بالتأكيد حال نجاته من الموت أو الاختطاف خضما على قدرته على أداء الامتحانات.

استهداف المدارس بالطائرات المسيرة

في خضم هذا الواقع، برزت موجة جديدة من الهجمات باستخدام الطائرات المسيرة، طالت مناطق مدنية ومرافق تعليمية وسكنية، وأدت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم طلاب ومعلمون، ما أثار إدانات واسعة وتحذيرات من تفاقم الكارثة الإنسانية.
ومن أبرز الحوادث التي هزت الرأي العام السوداني، الهجوم الذي استهدف مدرسة «شكيري» في محلية أم رمتة بولاية النيل الأبيض في آذار/مارس الماضي. فقد أكدت لجنة المعلمين السودانيين في الولاية أن الهجوم بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل المعلم مكي السندي بحر، أحد مؤسسي اللجنة، والمعلم ناصر محمد زين، بالإضافة إلى عشرة طلاب على الأقل، إلى جانب إصابات بين المدنيين، بينهم طبيب كان موجوداً في المنطقة.
وقع الهجوم داخل مدرسة كانت تعمل كمؤسسة تعليمية مدنية، بلا أي وجود عسكري، وفق شهادات محلية، ما دفع اللجنة لوصفه بأنه «جريمة جديدة تستهدف المدنيين والمؤسسات التعليمية، في انتهاك واضح للقانون الدولي الإنساني الذي يضمن حماية المدارس أثناء النزاعات».

استهداف داخليات الطلاب

في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، لم يكن الطلاب بمنأى عن هذا التصعيد. فقد أعلنت شبكة أطباء السودان في آذار/مارس الماضي عن إصابة سبعة طلاب بجروح متفاوتة إثر استهداف سكن طلابي في منطقة القوز بطائرات مسيرة، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من المبنى وإثارة حالة من الذعر بين الطلاب المقيمين فيه.
هذه الحادثة، بحسب الشبكة، تمثل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف الأعيان المدنية، خاصة تلك التي تضم مدنيين عزلاً مثل الطلاب في داخلياتهم.
ومع تكرار هذه الوقائع، لم يعد الطلاب فقط ضحايا انقطاع التعليم، بل أصبحوا أيضاً ضحايا محتملين في أماكن يفترض أن تكون آمنة نسبيا لابتعادها عن مواقع العمليات العسكرية والمعارك إلا أن الطائرات المسيرة حولت نطاق واسع من المناطق خارج نطاق القتال إلى أهداف محتملة.

اختطاف طلاب في طريقهم للأمتحان

في أيار/مايو الحالي، أعادت حادثة اختطاف 23 طالباً من منطقة جبل مرة في دارفور تسليط الضوء على أحد أكثر أوجه الأزمة قسوة. فقد أفادت لجان مقاومة الفاشر بأن الطلاب، وهم جميعاً من القصر، جرى اعتراضهم أثناء توجههم لأداء امتحانات الشهادة السودانية، قبل اقتيادهم من قبل قوات الدعم السريع إلى جهة مجهولة.
ووفقاً للجان، فإن الخاطفين طالبوا بفدية مالية تصل إلى سبعة ملايين جنيه سوداني عن كل طالب، في واقعة وصفت بأنها «جريمة ضد الإنسانية»، نظراً لكون الضحايا طلاباً مدنيين لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة.
الحادثة لم تكن معزولة، بل هي جزء من نمط متكرر جعل من الطريق إلى الامتحان مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث بات الطلاب يواجهون الاختطاف أو الابتزاز أو القتل في بعض الحالات، فقط لمحاولة الوصول إلى حقهم في التعليم.
كما أعادت حادثة طلاب جبل مرة التذكير بحوادث مشابهة شهدتها ولايات أخرى، خصوصاً ولاية الجزيرة التي خضعت لفترات طويلة لسيطرة قوات الدعم السريع، حيث تعرض طلاب ومعلمين لمخاطر أمنية أثناء محاولتهم مغادرة مناطق القتال للوصول إلى مراكز الامتحانات في مدن أكثر أمناً، كما تحدثت تقارير عن مقتل أساتذة وطلاب أثناء عمليات النزوح والخروج من بعض مناطق الجزيرة للحاق بامتحانات الشهادة العام قبل الماضي.
ويرى مراقبون أن اضطرار الطلاب إلى مغادرة مناطقهم والسفر عبر طرق خطرة من أجل الجلوس لامتحانات الشهادة يعكس كيف تحولت الحرب إلى تهديد مباشر لمستقبل التعليم في البلاد.

امتحانات غير متكافئة

في ظل هذه الظروف، أصبح تنظيم امتحانات الشهادة السودانية أحد أكثر الملفات إثارة للجدل. فبينما تمكن طلاب في مناطق مستقرة نسبياً من أداء الامتحانات، حرم أكثر من 200 ألف طالب من الجلوس لها بسبب الحرب، وفق تقديرات لجنة المعلمين السودانيين.
هذا الواقع خلق حالة من عدم المساواة التعليمية غير المسبوقة، حيث لم يعد الامتحان معياراً موحداً، بل تجربة متفاوتة ترتبط بموقع الطالب الجغرافي وقدرته على التنقل.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى نشوء «جيل مفقود تعليمياً»، في بلد يعيش واحدة من أسوأ الأزمات في العالم.

دارفور وكردفان… تعليم خارج الخدمة

في إقليم دارفور، تبدو الصورة أكثر قتامة. فإغلاق الطرق الرئيسية، وتوسع نطاق القتال، وانهيار البنية التحتية، كلها عوامل جعلت انتقال الطلاب شبه مستحيل. كثير من المدارس خرجت عن الخدمة، بينما تحولت أخرى إلى ملاجئ للنازحين أو ثكنات عسكرية.
ومنذ نيسان/ابريل 2023، توقف التعليم النظامي في أجزاء واسعة من دارفور، خاصة في شمال وغرب الإقليم، حيث أصبح نحو 3.3 مليون طفل من أصل 3.9 مليون في سن الدراسة خارج النظام التعليمي حسب اليونسيف.
وفي عدد من ولايات كردفان، تتكرر المأساة نفسها، حيث يعاني السكان من انقطاع شبه كامل للخدمات التعليمية، وسط غياب أي قدرة مؤسسية على إعادة تشغيل المدارس بشكل منتظم.

التعليم كجبهة سياسية

لم تعد الأزمة التعليمية في السودان مجرد أزمة خدمات، بل تحولت إلى ملف سياسي بامتياز. فقد أثارت محاولات إنشاء هياكل بديلة لإدارة الامتحانات في مناطق سيطرة الدعم السريع مخاوف من تقسيم النظام التعليمي، وربما البلاد نفسها على المدى الطويل.
وكانت لجنة المعلمين السودانيين قد أبدت قلقها العميق إزاء إعلان ما يعرف بـ«الحكومة الموازية» الموالية لقوات الدعم السريع عن تشكيل لجنة للإشراف على امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة هذه القوات، معتبرة الخطوة مؤشراً على احتمال تقسيم السودان أكاديميا وسياسيا.
وفي الوقت الذي تدعو فيه لجنة المعلمين السودانيين إلى تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة لإدارة العملية التعليمية، تتهم أطراف أخرى بمحاولة إنتاج الانقسام داخل النظام التعليمي بما يعكس واقع السيطرة العسكرية على الأرض.
ودعت لجنة المعلمين إلى ضرورة الوصول إلى توافق وطني يقود إلى تشكيل «لجنة قومية مستقلة ومحايدة» تضم خبراء تربويين مشهود لهم بالكفاءة لتنسيق إجراء الامتحانات على مستوى البلاد.

المعلمون بين الانهيار والاحتجاج

في قلب هذه الأزمة، يقف المعلمون كأحد أكثر الفئات تضرراً. فقد أدى تدهور الأجور، وتأخر الرواتب، وتراجع قيمة العملة، إلى دفع آلاف المعلمين إلى الهجرة أو ترك المهنة، فيما يعيش من تبقى منهم أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة.
كما دخلت النقابات التعليمية في سجال متصاعد مع الحكومة حول سياسات إعادة هيكلة الخدمة العامة، وسط مخاوف من تقليص الوظائف أو إضعاف الأجسام النقابية المستقلة.

تعليم يقاوم على حافة الانهيار

بين القصف والنزوح والاختطاف والانقطاع، يبدو التعليم في السودان اليوم أقرب إلى فكرة محاصرة منه إلى نظام قائم. ومع استمرار الحرب من دون أفق واضح للحل، تتآكل قدرة الدولة والمجتمع معاً على حماية أحد أهم حقوق الإنسان الأساسية: الحق في التعلم.
وفي بلد يمتلك تاريخاً طويلاً من الحراك النقابي والسياسي المرتبط بالتعليم، تبدو المفارقة صارخة؛ فالمدارس التي كانت تصنع الوعي الوطني، أصبحت اليوم شاهداً على انهيار النظام التعليمي تحت وطأة الحرب.
ومع ذلك، لا تزال محاولات البقاء مستمرة، من معلمين يتمسكون بمدارس شبه مدمرة، إلى طلاب يسافرون عبر «طرق الموت» ليجلسوا لامتحانات الشهادة، في بلد لم يعد فيه التعليم مجرد حق، بل اختباراً يومياً للبقاء.
وتتواصل التحذيرات من أن استمرار الأزمة التعليمية في السودان ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، خاصة مع ارتفاع أعداد الأطفال خارج المدارس نتيجة الحرب والنزوح والفقر. وتشير تقديرات منظمات أممية إلى أن ملايين الأطفال السودانيين باتوا بحاجة إلى دعم تعليمي وإنساني عاجل، وسط مخاوف من ضياع جيل كامل بسبب استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية