‘مزرعة حيوانات’ أورويل… و’خديعة’ ما بعد ‘الثورة’

حجم الخط
0

د. وليد أحمد السيد قد يظن المتأمل المتعجل، أن ‘الثورة’، بمرحلتها الآنية لإسقاط نظام قائم والإطاحة برموزه، هي نهاية المطاف، هذه خديعة لا يفوقها إلا ‘خديعة’ سلطة ما بعد ‘الثورة’. فما الثورة إلا بداية مرحلة، وعتبة مرور لمجاز طويل، ومخاض عسير من المعاناة والتضحية، لتصحيح ما اعوج من تعفن وفساد النظام، وهذه لا تحصل بومضة خاطفة، أو هبّة شعبية انفعالية، فمعظم الأنظمة الفاسدة، أو التي فسدت بمرور الوقت، وللمفارقة، جاءت على ظهر ثورات! فالثورة مختبر تجارب، ومطيّة يركبها الصالح والفاسد. والمبادئ التي تقوم عليها الثورات، تخضع لتجاذبات ونزاعات، والأخطر، خدع ووسائل تضليل وتحوير، وقلب للحقائق وتأويل الأمور على غير وجهها كي يستتب الأمر لمن تحلو له غنائم الثورات. لتصبح الثورة، بهذا المعنى، ثورة على القائم، وتحتاج لثورة، لتصحح انحراف الثورة الأولى، وهكذا يصبح ‘تدوير’ الثورات في الأجيال عملية لا بد منها لإعادة الحقوق إلى أصحابها ممن اختطف الثورة الأولى الخديعة’ الأساسية التي تقع فيها الشعوب، في مرحلة ما بعد الثورة، هي ‘إحلال’ كيان، أو حزب، ‘وحيد’، مكان الذي أسقطته الثورة ـ وهذا أثبت التاريخ وتقلباته، أنه تبديل للوجوه لا أكثر. ولا يعدو أكثر من إعادة إنتاج للتسلط، وتغليب الفكر الحزبي ‘الإقصائي’ في زمانين متباعدين، قبل الثورة وبعدها. فالحاكم الجديد، كائنا ما كان منبعه وأصله ومعتقده، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، سيجد بعد هدوء عاصفة الثورة واستتباب الأمر له، أن تحت يده مقدرات وموارد هائلة، تمكّنه من الحكم المطلق، في غياب الرقيب، أو الحزب المعارض ‘شبه الحاكم’ بتفويض الدستور (ولننس قصة البرلمان والدستور الجديد، فمع الوقت سيقوم الحزب الحاكم ورهطه بقصقصة وتفصيل الدستور على مقاسهم ووفقا لمعتقداتهم ونزعاتهم). فالمشكلة ليست في الثورة، بل في ما بعد الثورة، حين يتغول حزب ما على الحكم ‘من دون حزب ظل’ يحمي وجوده وصلاحياته الدستور يحصي عليه أنفاسه، كالمبادئ التي تقوم عليها الديمقراطيات الغربية، لا الديمقراطية العربية الشكلية في مرحلة ما بعد الثورة العربية الحالية. في إطار الانقلاب على شرعية ومبادئ الثورة، قدم جورج أورويل في روايته السياسية ‘مزرعة الحيوانات’ أو ( (Animal Farm، التي كتبها في انكلترا عام 1945، كنموذج لإنتاج الظلم السياسي بطرق التفافية تعيد الشعب لمرحلة أسوأ مما قبل الثورة. يعكس أورويل في روايته إشكالية ما بعد الثورة، حيث يعاد إنتاج الفساد والخداع والكذب، وتنقلب المبادئ وتتحول بمرور الوقت، باحتيال من خلال ‘الأبواق’ الإعلامية للسلطة الحاكمة، وتنفرد فئة من الثوار بالحكم والقرار، وتمارس الانتهازية والنفاق، والبراغماتية السياسية، وخديعة الشعوب بأسوأ تجلياتها ومظاهرها. ورغم أن أورويل كتب روايته كردة فعل للثورة الروسية، وتحديدا ضد ما شاهده من نظام ستالين والستالينية، والحزب الشيوعي وممارساته (اعتقالات مستمرة، ولجم الصحافة، واعتداء قطعان الأمن على الشعب)، إلا أنها تعالج أسس فساد الثورة التي تراوح بين نزعات الشر لدى الطغمة الحاكمة والطمع، مقابل لامبالاة وجهل الشعب، وقصر نظره السياسي والفكري، فرغم أن الرواية تصف حال الحكام الفاسدين القادمين على ظهر الثورة، إلا أنها لا تغفل الدور السلبي لجهل الشعوب ولامبالاتهم تجاه مشاكلهم بعد الثورة وأثره في تغول الحاكم الفاسد الجديد، خاصة حين لا يتم انتقال شعبي مدني شرعي للحكومة الجديدة. تبدأ الرواية، وثورة الحيوانات، حين يدعو الخنزير العجوز ‘ميجور’، الذي كان يحظى باحترام خاص في مزرعة السيد جونز في إنكلترا، حيوانات المزرعة ليبث لها حلما رآه في الثورة توقا للحرية والخلاص من العبودية، الذي يشبهه ‘ميجور’ بالطفيليات، ويعلّم الحيوانات أنشودة الثورة (يا حيوانات انكلترا). بعد أيام يموت ‘ميجور’ العجوز في منامه، ويستلم خنزيران زمام القيادة، سنوبول ونابليون، ويحولان حلم ‘ميجور’ ووصاياه إلى ‘فلسفة’ للثورة. في يوم من أيام الصيف، تنفجر الثورة، بإهمال ‘جونز’ لمزرعته ونسيانه إطعام حيواناته. تنتفض الحيوانات في ثورة عارمة تطيح بصاحب المزرعة ورجاله المهملين المتسلطين على رقاب الحيوانات وصغارها وبيضها وحليبها ولحومها. بدون سابق موعد، تتجسد رؤيا الخنزير العجوز ‘ميجور’ وتتحقق الثورة، وتنال الحيوانات حريتها بعد عبودية ومشقة العمل والسخرة مقابل القليل من الطعام، ويتحول اسم المزرعة من ‘مانور فارم’ ليصبح ‘مزرعة الحيوانات’.مبادئ الثورة التي قامت عليها كانت لتنظيم علاقة الحيوانات ببعضها ومنعها من ممارسة عادات ‘الإنسان’ الشريرة، وتلخصت في سبع وصايا تسمى ‘الحيوانية’: كل ما يمشي على قدمين اثنتين هو عدو. كل ما يمشي على أربع، أو له أجنحة، هو صديق. لا يجب على أي حيوان أن يرتدي ثيابا. لا يجب على أي حيوان أن ينام على سرير. لا يجب على أي حيوان أن يتعاطى الكحول. لا يجب على أي حيوان أن يقتل أي حيوان آخر. وآخرها وأهمها وصية ‘كل الحيوانات متساوية’. هذه المبادئ السبعة كتبت على جدار الحظيرة بكلمات كبيرة. ونظرا لأن الحيوانات كانت متفاوتة الذكاء، فلم يكن بمقدور الحيوانات الغبية حفظ كل هذه المبادئ، ولذا اختزلت في جملة (كل ما يمشي على رجلين اثنتين هو سيئ، وكل ما يمشي على أربع هو جيد). وبعد اعتراض الطيور، بررت الخنازير لها أن أجنحتها تعتبر كالأرجل، فهي ليست كيد الإنسان التي تجترح كل الشرور والآثام.بمرور الوقت انهمكت الخنازير، بقيادة سنوبول ونابليون، في ترتيب أمور الحيوانات، واخترع سنوبول ‘جمعيات’ انضمت لها الحيوانات، منها مثلا ‘جمعية إنتاج البيض’ للدجاج، و’منظمة الذيول النظيفة’ للبقر، و’جمعية إعادة تعليم الرفاق المتوحشين’ (لتدجين الفئران والجرذان والأرانب)، و’حركة الصوف الأكثر بياضا’ للخراف، وغيرها، وكل هذه الجمعيات قام على ترتيبها وإدارتها الخنزير ‘سنوبول’ من دون كلل أو ملل، لكنها كلها كانت فاشلة باستثناء جمعية واحدة لتعليم القراءة والكتابة. وبمرور الوقت كانت أمور المزرعة تجري بيسر وسهولة، فالعمل أسهل من أيام العبودية للإنسان، والطعام وفير، وهناك أيام راحة بلا عمل، وساعات استرخاء وفيرة. ولكن تدريجيا رفعت الخنازير منزلتها عن بقية الحيوانات، ولم تكن الخنازير تعمل فعليا، بل كانت توجه العمل وتديره. وخصت نفسها بأفضل الطعام بحجة إدارتها للمزرعة، و’ضرورة’ الطعام ‘الخاص’ لتغذية قدراتها العقلية والإدارية لمنع عودة الإنسان واستعباده للحيوانات مجددا (!) وكانت هذه الحجة مقنعة دائما لبقية الحيوانات، كلما خرقت الخنازير أحد مبادئ الثورة.بمرور الوقت بات واضحا أن (سنوبول ونابليون) هما قطبان متناقضان، وكان يلاحظ الخلاف الشديد بينهما، وبينما كان ‘سنوبول’ خطيبا مفوّها يستجلب أصوات الحيوانات له، كان ‘نابليون’ بارعا في تجييش الحيوانات الأقل ذكاء، خاصة الخراف والماعز، التي كانت، وبالمصادفة (!) تنطلق في اللحظات الحاسمة من خطبة ‘سنوبول’ الذي يكون على وشك أن يستميل معظم الحيوانات لصفه، في ثغاء واحد بصوت عال مرددة (كل ما يمشي على رجلين اثنين سيئ، وكل ما يمشي على أربع جيد). الخلاف المستفحل بين ‘سنوبول’ و ‘نابليون’ اشتد على أوجه في مسألة ‘الطاحونة’، وهي مشروع عكف سنوبول على دراسته وتقديمه للحيوانات كحلم يوفر الكهرباء للمزرعة، ويقلل أيام العمل إلى ثلاثة أيام في الأسبوع فقط! وبالمقابل اعترض نابليون على المشروع وقال إنه مشروع عديم الجدوى وتافه. وفي يوم التصويت على مشروع الطاحونة وفي اللحظة الحاسمة، تفاجأ الحيوانات بتسعة كلاب ضخمة تقتحم المكان وتطارد ‘سنوبول’ خارج المزرعة، حيث يهرب ناجيا بحياته من أنيابها إلى غير رجعة. وتكتشف الحيوانات أن الكلاب أخذها نابليون من أمها بعد ولادتها بحجة تعليمها وقام بتربيتها في عليّة الحظيرة، حيث نسي أمرها جميع الحيوانات. وبعد هرب ‘سنوبول’ كأبرز قطب للثورة يتفرد ‘نابليون’ بالحكم تحيط به الكلاب كحراسة، وينتقل للسكن في بيت المزرعة، في أول مخالفة صريحة ‘لدستور’ الثورة. تتوالى خروقات مبادئ الثورة واحدة بعد الأخرى، تستأثر الخنازير بأفضل الطعام، والحليب، وتصحو ساعة بعد بقية الحيوانات في الصباح، وتبدأ بعقد تحالفات مع المزارع المجاورة، وتتعامل الخنازير مع محام من عدوها ‘الإنسان’، وسيطها مع البشر من العالم الخارجي، وكل ذلك يتم تبريره من خلال خنزير اسمه ‘الزعاق’ يتميز بقدرة فائقة على قلب الحقائق بمنطق مقنع للحيوانات البسيطة (الإعلام الرسمي).في مرحلة ما بعد الثورة، وفي عهد ‘القائد’ نابليون، تتحول المبادئ تدريجيا. يتسلط نابليون على بقية الحيوانات، ويرسل الخنازير ‘الزعاق’ لتغيير الوصايا المكتوبة على الحائط سرا، حيث يضيف كلمات خلف كل وصية تقلب معناها، مثلا الوصية الرابعة تضاف لها كلمتان في نهايتها (لا يجب على أي حيوان أن ينام على سرير ‘باستعمال الأغطية’). وتتوالى ‘التحريفات’ لمبادئ الثورة السبعة، وفي كل مرة كانت الخنازير ترسل ‘الزعاق’ لإقناع الحيوانات بأن المبادئ كانت كذلك ولم تتغير، وأن المبادئ هي ثورة على وجود الإنسان، وأن الرفيق نابليون هو قائد الحيوانات لبر الأمان، والذي يمنع عودة مستر جونز صاحب المزرعة، وهو الذي كشف ‘مؤامرة’ سنوبول ‘الخائن’. كل الشرور والآثام المتوقعة تتم نسبتها ‘للخائن’ سنوبول، بينما يقف ‘نابوليون’ القائد الرفيق وراء كل خير، لدرجة أن بقرتين تشربان من ماء الجدول بالمزرعة تتحدث واحدة للأخرى عن الطعم الرائع للماء بفضل ‘نابليون’! بمرور الوقت تتحول مبادئ الثورة واحدا تلو الآخر، وتصبح وصية (كل الحيوانات متساوية) محرفة كالتالي (كل الحيوانات متساوية لكن ‘بعض الحيوانات أفضل من الأخرى’)، وتصبح وصية (كل ما يمشي على أربع جيد وما يمشي على اثنتين سيئ) محرفة كالتالي (كل ما يمشي على أربع جيد، وما يمشي على اثنتين ‘أفضل’)، وفي نهاية الأمر يتم محو الوصايا عن حائط الحظيرة!تتدهور أحوال المزرعة لأسوأ من أيام المستر جونز، لكن الآلة الإعلامية للخنازير (طبقة الحكم) من خلال ‘الزعاق’ لا تني تنقل للحيوانات صورة مضللة، يتم تبريرها بمنطق الحكم المتسلط يساعد على ذلك غباء ولامبالاة الحيوانات. تعمل الحيوانات ساعات أطول وتحصل على طعام أقل، ومع ذلك تظل وفية للثورة وخلاصها من ‘الإنسان’ الظالم. فيما تبدأ صورة جديدة تتبلور، حيث يحل الخنازير تدريجيا محل مستر جونز في التحكم بالحيوانات. ويقل محصول المزرعة من الحبوب، فيقرر ‘نابليون’ بيع 400 بيضة أسبوعيا من منتوجات الدجاج للحصول على الطعام اللازم لرفاهية الخنازير. تثور بعض الدجاجات وتقرر إلقاء البيض من على السطح لتكسيره بدلا من بيعه، ويكون رد ‘نابليون’ سريعا وحاسما، يقرر وقف طعام هذه الدجاجات بأثر فوري ويعلن أن من يقدم لها طعاما يعتبر شريكا في الجرم. تذعن الدجاجات وتقدم البيض الذي تبيعه الخنازير للخارج للحصول على مستلزمات المزرعة التي تذهب فعليا لرفاهية جيش من الخنازير ـ غالبها من نسل ‘نابليون’ القائد!يخرج ‘نابليون’ من بيت المزرعة ولم يكن يظهر سوى في المناسبات، محاطا بتسعة كلاب ضخمة، يتقدمه ديك أسود يصيح، فيما يمشي نابليون مشية رسمية عسكرية. وتبدأ محاكمة فورية للمتمردين، تنقض الكلاب على أربعة خنازير صغيرة كانت قد احتجت سابقا على قرار ‘نابليون’ بإلغاء اجتماع يوم الأحد، الذي أقرته الحيوانات بعد الثورة لمناقشة أمورها والتصويت عليها. تجر الكلاب الخنازير الأربعة تحت أقدام ‘نابليون’ وتجبر على الاعتراف ‘بجرائمها’ في ‘التواطؤ’ والاتصال سرا مع ‘الخائن’ سنوبول بعد طرده من المزرعة، وأنها ‘دمرت’ الطاحونة، وكانت تسعى لتسليم مزرعة الحيوانات لمالك المزرعة المجاورة! وتعترف أيضا بأن سنوبول ‘اعترف’ للخنازير الصغيرة بأنه كان ‘العميل السري’ لمستر جونز لسنوات طويلة! تذبح الخنازير فورا. وتحضر الكلاب الدجاج الذي تمرد على بيع البيض، تسوقها أمام الحيوانات المذهولة والخائفة، تعترف الدجاجات بأنها رأت في منامها الخائن ‘سنوبول’، وأنه ‘أمرها’ بأن تعصي أوامر ‘نابليون’ ـ تذبح الدجاجات على الفور! وبعدها يأمر ‘نابليون’ الحيوانات بالتقدم والاعتراف لمن كانت عنده جريمة، تتقدم وزة وتعترف بأنها أخفت ستة كيزان من الذرة العام الماضي وأكلتها سرا في الليل تذبح فورا! ويتقدم خروف ويعترف بأنه بال في بحيرة الشرب، بمؤامرة مع ‘سنوبول’، ويتقدم خروفان آخران ويعترفان بأنهما قتلا ‘عنزة’ هرمة كانت معروفة بولائها المطلق ‘لنابليون’، وذلك بملاحقتها حول المزروعة حين كانت تعاني من ‘سعال’ مزمن. تذبح جميعها أمام الحيوانات المذعورة! تنقض ثلاثة كلاب على ‘بوكسر’ الحصان النشيط لأنه ‘تجرأ’ على التساؤل عن ‘جريمة’ سنوبول، وكيف أنه تذكر بطولة ‘سنوبول’ في معركة ‘حظيرة البقر’ حين هجم عليه مستر جونز ببندقيته وأطلق النار على ظهره، تلك المعركة التي كان ‘سنوبول’ مهندسها وقائدها. لا تقدر الكلاب على ‘بوكسر’، الذي كان في أوج قوته، رغم أنه كان يجسد ‘الطبقة العاملة’ الوفية للقيادة، حيث كان عنده شعاران: (نابليون دائما على حق) وشعار يحل به كل المشاكل هو (سوف أبذل جهدا إضافيا). لكن ‘جريمة’ بوكسر لا ينساها نابليون له، وينتظر سنوات حتى يضعف ‘بوكسر’ ويطلب له عربة ‘طبية’ لمعالجة رجله المكسورة، لتتبين ‘كلوفر’ الفرس بمساعدة ‘العنزة’ أن العربة التي وضع ‘بوكسر’ فيها مكتوب عليها اسم ‘مسلخ’ يخص القرية، وبعد فوات الأوان تدرك الحيوانات أن بوكسر كان ذاهبا لحتفه بعد عدم قدرته على العمل، ولا ترى الحيوانات ‘بوكسر’ الحصان العجوز بعد ذلك. ويبرر ‘الزعاق’ بعد ذلك أن ‘بوكسر’ توفي متأثرا بجراحه وأن ‘الرفيق’ نابليون كان يتابع ‘بقلق’ وفاته وأنه ينقل أحر تعازيه للحيوانات بفقد الرفيق المناضل ‘بوكسر’، أما اسم ‘المسلخ’ المكتوبة على العربة فتخص ‘المالك القديم’ للعربة، وأن المستشفى الذي اشترى العربة حديثا ‘نسي’ إعادة طلاء جانبها وكتابة اسم المستشفى (!).ينتقل حال الحيوانات بمرور السنين من سيئ إلى أسوأ، وتترحم على أيام مستر جونز. يستغل الخنازير جهل الحيوانات أيما استغلال، ويعيدون كتابة تاريخ الثورة، وتزييف الحقائق على نقيضها تماما، فالطاحونة ‘اصلا’ كانت فكرة نابليون’ وليس ‘سنوبول’، رغم أن الحيوانات تذكر أن نابليون كان ضدها تماما. ومعركة ‘حظيرة البقر’ ضد مستر جونز كان قائدها وبطلها هو نابليون، بينما كان سنوبول، الذي جرح برصاصة من جونز أثناء قيادة الحيوانات، هو ‘في الحقيقة’ كما اتضح من وثائق سرية وجدها القائد نابليون، هو ‘عميل’ وخائن لمستر جونز طوال الوقت. وبتغول الخنازير على الحكم، تنتشر كلاب الحراسة الشرسة حولها مزمجرة في وجه بقية الحيوانات، وتفرض الخنازير قوانين تحظر على صغارها اللعب مع صغار الحيوانات الاخرى، وتقضي بتنحي أي حيوان عن الطريق في حال مرور خنزير من نفس الطريق. تنتهي الرواية حين تسمع الحيوانات أصواتا عالية تصدر من بيت المزرعة، حيث تقيم الخنازير، وتزحف تحت جنح الظلام لتنظر من النوافذ، وهناك كانت حفلة صاخبة تدور فيها الكؤوس، بين المدعوين كان هناك ‘بشر’ من المزارع المجاورة، لتهنئة الخنازير على تحويلها ‘لمزرعة الحيوانات’ إلى ‘أكثر المزارع المجاورة إنتاجا بأقل كلفة ممكنة من طعام الحيوانات العاملة’. تنقل الحيوانات عبر النوافذ أبصارها لتميز البشر من الخنازير، ولم تعد تقدر على ذلك، فالخنازير باتت تمشي على رجلين اثنتين، وتلبس ثيابا، وتشرب الخمر، وتتعاطى النقود، وتسكن بيوت الإنسان، وتنام على السرير، وتقتل رفاقها من الحيوانات، وتتحالف مع البشر في المزارع المجاورة وتدخل في صفقات تجارية براغماتية ‘منافقة’ أو ‘تكتيكية’ بمزاعمها، في خرق صارخ وصريح لجميع المبادئ التي قامت عليها الثورة!هذه الرواية صنفتها مجلة ‘تايم’ الأمريكية كأفضل مئة كتاب منذ العام 1923 إلى 2005، وحصلت على تصنيف رقم 31 في روايات القرن العشرين، وتستحق إعادة القراءة، على واقع ‘ثورة العرب’ اليوم. فالوجوه قد تتبدل لكن الممارسات وبرامج استعباد الشعوب قد يعاد إنتاجها إن لم تتيقظ الشعوب التي نزلت الميادين وضحت بدمائها لخديعة السياسة والساسة الجدد. هي رواية تعكس طحن الشعوب المقهورة العاملة لخدمة مصالح السياسيين وطبقة الحكم الذين لا يؤمنون بقانون أو دستور سوى مصلحتهم الخاصة. رواية تعكس نظرة استعلائية للحاكم على الشعب، يراهم دون الحشرة، يعتاش على عرق الأمة ليعيش هو ونسله، وطبقة حاكمة انتهازية، فوق مستوى من يحكمهم. هي رواية تعكس تحول المبادئ والقيم بمرور الوقت إن لم يكن عليها رقيب أو حسيب، حيث تفسد السلطة المطلقة الطغمة الحاكمة مقابل جهل ولامبالاة الشعب وتسليمهم ‘الأعمى’ لمقاليد أمورهم لساسة ما بعد الثورة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية