الناصرة ـ «القدس العربي»: كشف مسؤول سابق في المخابرات الإسرائيلية العامة (الشاباك) أن اغتيال قياديين وناشطين فلسطينيين قبيل وخلال الانتفاضة الثانية قد تم بمصادقة شخصية من رؤساء حكومات الاحتلال.
ويقر بأن العمليات الاستشهادية في المدن الإسرائيلية تمت فقط بعد مذبحة الحرم الخليل عام 1994.
ويكشف نائب رئيس “الشاباك” سابقا اسحق ايلان الملقب بـ “الجورجي”، في حديث طويل جدا مع صحيفة “معاريف” عن تفاصيل اغتيال القيادي في كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح، رائد الكرمي، والقائد العام لكتائب القسام الجناح العسكري لحرة حماس، يحيى عياش، ويقدم تفاصيل جديدة عن جريمتي الاغتيال وغيرهما التي تعلمت المخابرات الروسية منها ” فنون القتل عن بعد”.
وردا على سؤال حول اغتيال القيادي رائد الكرمي الذي فجرت تصفيته الهدنة في الانتفاضة الثانية وأدت الى أقسى العمليات لاحقا، كما تؤكد “معاريف ” يقول ايلان: “كذب وتلفيق تام. انظر، المسؤولية مسؤوليتي. انا كنت قائد مخابرات الضفة الغربية، وأنا مسؤول عن هذه التصفية وأقول لك بما لا لبس فيه، بمسؤولية كاملة، كان هو ابن موت وكان واجبا تصفيته. فهو لم يلتزم بالهدنة، لم يوقف العمليات. كل هذا تلفيق. سأروي لك القصة من البداية: كان الكرمي هو الذي قتل بكلتي يديه الاسرائيليين اللذين ضلا الطريق في مدينة طولكرم شمال الضفة، موتي دايان واتجر زيتوني في يناير/ كانون الثاني 2001. في هذه الأثناء احتدمت الانتفاضة الثانية. رأينا في الاستخبارات انه يخطط لعمليات انتحارية قاسية. ونجحنا في اكتشاف الانتحاري مع العبوة. اقتدناه الى كمين مخطط له وطلبنا استسلامه. فضغط على الزر وتفجر. بالمناسبة، هذا الحدث لم ينشر. ولكن الكرمي ليس فقط لم يهدأ بل العكس، بدأ يخطط لعملية أخرى. استخلص الدروس وغّير الطريقة.
ويكشف ايلان ان قوات الاحتلال قررت اغتيال رائد الكرمي الذي تميز بنشاطه السلمي بعدما تلقت تعليمات صريحة من رئيس حكومة الاحتلال ارئيل شارون قبل وقت طويل من بناء السور الواقي. ويضيف “حاولنا تصفيته بصاروخ من مروحية. أصاب الصاروخ الغسفلت، تدحرج كرمي، نهض وهرب الى كراج وخرج من مدى الطائرة المسيرة. نجا في المرة الأولى. كانت عدة محاولات أخرى لم تنشر ولكنها فشلت هي أيضا. وفي هذه الأثناء كانت الأحاديث عن وقف نار في الانتفاضة. كان كرمي يعرف اننا نلاحقه فأذاع شائعات بأنه سيوقف تنفيذ العمليات ويعتزم الالتزام بالهدنة. غير أننا كنا نعرف، بثقة كاملة أنه لا يقصد ذلك بل العكس، كان يخطط لعملية انتحارية ثالثة وفق معلومات مؤكدة جدا “.
انتم واثقون؟
“بيقين تام. ولكن اسمع. يأتي الى المنطقة مبعوث أوروبي للإشراف على وقف النار. يقرر الفلسطينيون ان يعرضوا عليه أن الكرمي معتقل ليثبتوا أنهم يبذلون جهدا للالتزام بالهدنة. يقوم الكرمي بتمثيل المسرحية. هنا تقاس الاستخبارات. عندما تعرف ان خصمك يحاول أن يخدعك، فهذا دليل على ان معلوماتك الاستخبارية متفوقة. وهذا ما حصل. أنظر كيف حاول الفلسطينيون خداع المبعوث الأوروبي: طلبوا من كرمي ان يأتي الى المعتقل كي يمثل بأنه معتقل ويقتنع الأوروبي بادأن السلطة الفلسطينية تكافح “الارهاب “. الكرمي وافق. شريطة ألا يضطر الى أن يرتدي بزة السجين. سألهم: من أنتم لتلبسوني بزة السجين؟ ولكنهم ضغطوا عليه. فوافق. فجاء المبعوث الأوروبي والتقى الكرمي في المعتقل بل والتقطت له صورة معه كي يثبت لنا ذلك. أما نحن فقد عرضنا على الأوروبي المادة الاستخباراتية فكاد يغشى عليه”.
وعن حجم توّرط المستوى السياسي بالاغتيالات يكشف ايلان أن اغتيال الكرمي ” كان بأمر مباشر من شارون الذي كان يتصل كل صباح برئيس الشاباك آفي ديختر ويسأله لماذا كرمي لا يزال حيا ويطالب بتصفيته”.
العمليات الاستشهادية
وتأثير عملية برج التوأمين في نيويورك
وردا على سؤال حول مفاعيل العمليات الاستشهادية الفلسطينية عنده قال ايلان إن هذه العمليات تثقل عليه حتى هذه اللحظة. وكشف أن عملية برجي التوأم في نيويورك عام 2001 منحت إسرائيل شرعية لزيادة قسوة عملياتها بحق الفلسطينيين. لافتا الى أنه بعد عملية ” الدولفيناريوم ” في يافا أوصت المخابرات أمام شارون باحتلال الضفة الغربية مجددا كـ ” سبيل وحيد لوقف العمليات “.
ويضيف “حضرت تلك الجلسة. لن أنسى الدولفيناريوم. لن انسى ذاك السبت الرهيب. كنا نعرف السائق الذي نقل الانتحاري. كان بوسعنا أن نقتله، ولكننا لم نتلق إذنا سياسيا. أتعرف لماذا؟ لأنه بات في داخل المنطقة أ. وعندها لم يكن ممكنا ويجب احترام السيادة الفلسطينية. وأنا جننت. تفجرت. ولكن ما العمل؟ شارون قال انه يضبط نفسه وشارون هو الذي يقرر. يجب أن نتذكر أنه لم تكن في حينه شرعية، وفقط بعد عملية البرجين في نيويورك عام 2001 نضجت الشرعية لعملياتنا “.
كما يكشف أن المخابرات الإسرائيلية كانت تعرف مسبقا منفذ عملية فندق بارك في مدينة نتانيا الإسرائيلية عام 2003 فاتصلت بأبيه، ويضيف “قلنا له ابنك سينفذ عملية انتحارية. حافظ عليه. فقال له انه لن يسمح له. وقتها لم نعتقله لأن رئيس الوزراء والجيش كانا يعارضان عملنا المباشر في داخل المناطق أ. قلنا لهم يا جماعة لن يكون إحباط للعمليات الى أن نعمل هناك أيضا. وفي النهاية أخذ بتوصيتنا وخرجت اسرائيل الى السور الواقي”. ومع ذلك كان الاستشهادي قد نفذ العملية في بارك وكانت قد أوقعت أكثر من 30 قتيلا إسرائيليا، وعنها يقول ايلان ” جاءت الأنباء الأولية التي تقشعر لها الأبدان. 30 قتيلا وأكثر من 100 جريح. الانتحاري اراد أن يتفجر في فندق في هرتسيليا، سافر الى هناك ولكنه لم ينجح في الدخول حيث كانت الحراسة مشددة، فسافر الى نتانيا حيث كان يعمل سابقا في فندق بارك ويعرف المدخل الخلفي، وكان يرتدي زي امرأة، وكانت العبوة ثقيلة حوالى 15 كيلو غرام. جلس في وسط القاعة في ليل الفصح وضغط على الزر”.
ويتهم ايلان الدكتور عباس السيد المحاضر في الشريعة بتأسيس خلية سرية وإرسال الاستشهادي الى فندق بارك “اعتقلنا كل الخلية باستثناء السيد الذي نجح في الفرار ولاحقا تم اعتقاله”.
وعن اغتيال الشهيد يحيى عياش يقول ايلان انه في إبريل/ نيسان 1995 نزل الى غزة بعدما عين رئيسا لدائرة “إحباط الارهاب ” في الجنوب. ويضيف “فقال لي من سيحل محله إنه في هذه الليلة سنتلقى أدلة على ان عياش وصل الى القطاع. وكانت هذه هدية تلقيتها. كلانا وصلنا الى غزة معا. فهل هذه بشرى طيبة أم سيئة؟ من جهة الرغبة في أن أكون من يشطبه، ومن جهة أخرى كان هذا أحد أخطر من عملوا ضدنا. ساورتني مشاعر مختلطة. يحيى عياش هو رمز وشخصية. في جنازته خرج مليون شخص. في النهاية من شطبه لم يكن أنا فقط من وقف في رأس العملية، بل قدرة تنظيمية، تكنولوجية، إبداعية مذهلة من الجهاز. لم أتمن لنفسي ان يصل عياش الى غزة معي ولكن فهمت بن هذا شخص يجب وقفه”.
■ ما الذي كان يتميز به؟
■ كان فيه خليط نادر من القدرات للتمثيل بنا. كان ذا حضور غير عادي. زعيم من الولادة. حذر جدا. مصاب بجنون الاضطهاد حقا. لم يتكلم بهاتف. لم ينم ليلتين متواصلتين في ذات السرير. كان متدينا متزمتا بجنون، مقت كل من ليس إسلاميا. كان دافعه دينيا صرفا. الأمر الثالث هو قدرته في مجال الهندسة الكيميائية التي جعلته مهندسا مع قدرة على بناء عبوات فتاكة. بالمناسبة، في نهاية هذا الأمر مع لقب في الكيمياء من جامعة بيرزيت وحتى اليوم لم يقم واحد آخر مثله”. وعن كيفية العثور على موقع اختبائه في غزة التي انتقل لها من الضفة الغربية يقول ايلان إن المخابرات الاسرائيلية وجدت في منزل والديه صورة له مع عدة طلاب آخرين من جامعة بيرزيت في الثلج الذي نزل في حينه في جبال القدس. ويتابع” طلبت تحليلا دقيقا لكل ما كان في الصورة. بدت هذه عصبة متراصة. وعندها تبين أن احدهم من غزة. في تلك الفترة كان طلاب من غزة يتعلمون في بيرزيت. وعبر هذا الغزي وصلنا في النهاية الى عياش نفسه “.
■ بالمناسبة، كيف دخل الى غزة دون ان تعرفوا؟
■ صدق أم لا في تلك الفترة لسذاجتنا أو لغبائنا كانت الرقابة والتفتيش على الخروج من غزة فقط وليس على الدخول إليها. كان تقديرنا ان أحدا لن يرغب في الذهاب الى هناك. ولكن عياش نجح في الدخول. وعندها فهمنا حجم الخطأ وبدأنا نراقب الداخلين أيضا”. وحسب رواية ايلان أنتج عياش سبع عمليات انتحارية بعد المذبحة في الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994 التي قام بها إرهابي يهودي يدعى باروخ غولدشتاين. ويضيف ” بالمناسبة، فإن الضرر الأشد لغولدشتاين كان انه بعده بدأت العمليات الانتحارية. ويقر ايلان بأن العمليات الاستشهادية الفلسطينية بدأت في اسرائيل فقط بعد مذبحة الحرم الإبراهيمي على يد غولدشتاين، ويضيف بهذا المضمار ” عياش نفسه أصدر بيانا بعد المذبحة في الخليل بانه سيبدأ بتنفيذ عمليات انتحارية. وعد وأوفى”.
ويكشف ايلان ان رئيس الوزراء اسحق رابين هو من أصدر قبيل اغتياله على يد مستوطن يهودي احتجاجا على اوسلو، امرا باغتيال عياش، وعن ذلك يقول ” قال لنا رابين يا جماعة، لا يهمني، صفوه. في البداية وضع لنا قيودا، بشأن غير المشاركين الذين قد يصابون باذى، وبعد ذلك أزال القيود ولكنه طلب الا تكون التصفية مع تحمل للمسؤولية. بعد اغتيال رابين جئت الى ديختر الذي كان رئيس منطقة الجنوب وقلت له انه لا توجد لدى شمعون بيريز اي فكرة من هو عياش وعليه ان يصادق على العملية. ذهب ديختر الى بيريز وعاد الي مع الإذن فقد صادق على كل ما صادق عليه رابين. وعندها واصلنا”.
الهاتف النقال
وعن كيفية اغتيال يحيى عياش قال ايلان بشكل غير مباشر ان المخابرات كانت تتنصت على هواتف كل أقاربه ومعارفه: ” وصلنا الى فكرة الهاتف النقال مع المادة المتفجرة بالصدفة تماما. زوجة عياش أرادت ان تنجب طفلا آخر. كان لهما ابن واحد يدعى براء. قررنا ان نسمح لها بدخول القطاع كي يكون لنا مدخل نصل به إليه. ذات يوم اتصل عياش بصديقه في بيرزيت، فسأله صديقه من يتحدث فأجاب أبو براء. فاشتعلت انا. فقد كان لقبه السري ابو احمد. وعندما يستخدم ابو براء هذا يعني انه في موقف آخر، في أمور عائلية لا ترتبط بأعماله الأمنية. فهمت أنه يوجد هنا احتمال، فقد يكون في علاقاته مع صديقه أقل حذرا. وتبين أن هذا تقدير صحيح. جعلنا صديقه عميلا ودفعناه لان يشتري هذا الخليوي المعين الذي جعله فنيون قنبلة، فاتصل به عياش ليتأكد بأنه هو الذي اشترى الهاتف فأكد له صديقه هذا. في تلك اللحظة عرفنا أننا في الطريق الصحيح. بالمناسبة أنا أخذت المصدر الذي سلمه الهاتف في رحلة طيران خاصة معي فوق الحرم، كان هذا طلبه. وكل شيء كان مخططا بتفاصيل التفاصيل. حصل على طيران في سماء البلاد على حساب المخابرات، اما الهاتف، كما أقول لك، فهو من النوع الأكثر غباء، الفا، لا يمكن تغيير الشريحة فيه. وفي النهاية هذا لم ينجح. كان هناك خلل”.
طبيب النساء
وحسب مزاعم ايلان فقد جلس رئيس ” الشاباك ” كرمي غيلون هناك حزينا ويضيف ” قلت له أعطني الإذن لأخرج الهاتف من غزة مرة أخرى. هذا ليس بسيطا. فالحديث يدور عن قنبلة. صادق لي كرمي على إخراجه وعندها بدأنا نخطط كل شيء من البداية. وهذا كان الأكثر تعقيدا يمكن أن تتصوره. على العميل ألا يفهم ما يحصل. عليه أن يسلم النقال لعدة ساعات ليفتحه الفنيون فيرون ان الكابل تمزق ببساطة واللاصق لم يصمد لأن هذا كان هاتفا يفتح ويغلق كل الوقت، والآن يجب العناية بالمصدر كي لا يشتبه بالأمر. فكيف نفعل هذا؟ فتذكرت كتاب سون تسو “فنون الحرب” الذي تعلمت منه أمورا كثيرة، حيث يذكر خمسة أساليب للتجسس. في الخامس انت تستخدم عميلا وكأنه غبي. تدعه يسمع أمورأ وكأنه بالصدفة كي يكون واثقا بأن هذا حقيقي. تبعث به الى خلف خطوط العدو. تحرص على أن يسلم للعدو من عميل آخر وعندها يروي للعدو بالضبط ما تريد ان يرويه له. وهذا الأسلوب يسمى ” عميل غبي بريء “. وهذا ما فعلناه مع عياش. دفعناه لأن يشتبه بأن الهدف هو التنصت عليه وليس بقنبلة. وقد نجح هذا. كانت نقطة ضعف عياش هي العائلة، حتى لو كان يشتبه بأن يتم التنصت على هاتفه، استخدمه فقط كي يتصل بأبيه ويسأله عن حاله. ففي أقصى الأحوال في تلك الحالة سيعرف اليهود بأنه يطمئن على والده”.ويقول ان المخابرات الاسرائيلية اسمت الهاتف المفخخ ” طبيب النساء” وانه كان مرتبطا 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الاسبوع بمصير “طبيب النساء ” هذا، كل حركة له كان يبلغ بها. ويتابع ” أنا أتحدث عن خط آمن في البيت. في كل الساعات غير المعتادة وأسأل عن طبيب النساء هنا وطبيب النساء هناك وما هو حال طبيب النساء وما شابه، وكانت زوجتي تسمع عن هذا. وهي بالطبع لم تعرف شيئا عن العملية، ولكن فجأة تسمع زوجها يهمس بطبيب نساء. وفجأة تقول لي يا اسحق قل لي ما لك وطبيب النساء؟ والآن أذهب وأشرح لها بأنك توشك على تصفية يحيى عياش”.
تعليم الروس جرائم الاغتيال
وردا على سؤال ” معاريف ” يقول :” نعم اتصل عياش وسأل كيف حالك، ومنذئذ لم يعد أحد يسمعه. اسمع، هذا الرجل كان مضرجا بالدماء. كانت هذه إحدى العمليات، ان لم تكن أكثرها روعة. إذا كنت أحتاج لأن آخذ معي عملية واحدة، فهذه هي العملية. وبالمناسبة سمع الروس عن العملية وقلدوها. تعلموا طريقتنا وفعلوا شيئا مشابها جدا لزعيم الثورة في الشيشان. هناك كان هذا هاتف قمر صناعي أجبره على الخروج من البيت كي يلتقط القمر الصناعي، وعندها صعدت مروحية مي 6 ضخمة وشطبته بصاروخ”.