رام الله- «القدس العربي»: يكرّر قادة دولة الاحتلال الإسرائيلي مرارًا وتكرارًا رفضهم المطلق لإقامة دولة فلسطينية، ولا يعكس ذلك مسلّمة أو مقولة سياسية معلنة وفقط، بل يعزّزه ما يحدث على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وقد صدرت آخر هذه التصريحات قبل يومين، حيث أكد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في مستهلّ جلسة الحكومة الأسبوعية، رفضه إقامة دولة فلسطينية «على أي جزء من الأرض غرب نهر الأردن»، قائلًا إن موقفه «لم يتغيّر قيد أنملة».
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقد صرّح مؤخرًا بما يدعم هذا التصوّر، حيث قال: «لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني. هذا اختراع لا يستند إلى أي أساس تاريخي أو أثري أو واقعي».
وبالنسبة إليه فإن «مجموعة المهاجرين من الدول العربية إلى أرض إسرائيل ليست شعبًا، وبالتأكيد لا يستحقون جائزة على الإرهاب والقتل والفظائع التي زرعوها في كل مكان، وخاصة من غزة – المكان الذي حصلوا فيه على حكم ذاتي».
ويضيف الوزير المتطرف أن «الحل الحقيقي والوحيد في غزة هو تشجيع الهجرة الطوعية، وبالتأكيد ليس إقامة دولة تُمنح كجائزة للإرهاب، والتي ستكون قاعدة لاستمرار الإرهاب».
جرائم مركبة
يرى السفير د. عمر عوض الله، وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، أن «ما تقوم به إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال في الضفة والقدس وكذلك في غزة، هو جزء من السياسات والممارسات الإسرائيلية الممنهجة وواسعة النطاق، المخالِفة للقانون الدولي والمخالِفة لحقوق الشعب الفلسطيني، والمخالِفة لميثاق الأمم المتحدة، والمخالِفة لواجبات حكومة الاحتلال، وهي تعمل عمليًا منذ حرب الإبادة».
ويقول لـ «القدس العربي» إن هذه السياسات «مستمرة ضد الشعب الفلسطيني. فعلى مدار الأجيال الماضية تُرتكب الجرائم، وهي جرائم مركبة، ففي الضفة الغربية هناك الفصل العنصري، والتطهير العرقي، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهناك مخالفات جسيمة لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ولذلك فإن ممارسات إسرائيل ليست فقط غير قانونية كما جاء في رأي محكمة العدل الدولية، بل إن الاحتلال كله غير قانوني، فكل ممارساته غير قانونية، وخصوصًا ما يتعلق بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي وكذلك جريمة الفصل العنصري».
وحول اتهام «هيومن رايتس ووتش» إسرائيل بممارسة التطهير العرقي، يقول عوض الله إن «المختلف هذه المرة في النتائج الجديدة هو أن هذه المؤسسة من المؤسسات الدولية المحترمة، وتدعم ما كنا نقول عنه منذ زمن طويل. والمختلف في هذا الأمر أننا لسنا أمام مصطلحات سياسية، بل نحن أمام مصطلحات قانونية، مثل تطهير عرقي».
كيف يواجه الفلسطينيون مشاريع تصفيتهم؟
ويضيف: «نحن لا نتحدث في هذه القضية من باب البعد السياسي، بل من البعد والتوصيف القانوني، والمنظمة تعبّر عما تقوم به إسرائيل باعتباره جريمة حرب».
ويشرح عوض الله أن دولة فلسطين استخدمت «كل الوسائل القانونية كي يقتنع العالم بأن عليه واجبات بناء على هذه التعريفات القانونية، كالمقاطعة ومنع إرسال الأسلحة لهذه الدولة. فمن يرتكب جرائم حرب وجرائم إبادة وتطهير، كل ذلك يحمّل العالم مسؤوليات كبيرة. وهو أمر نقوم به من خلال استنفار السفراء في دول العالم، واقتراح منظومة كاملة من العقوبات على إسرائيل كي تلتزم بقواعد القانون الدولي وتنهي جذر المعاناة المتمثل في وجود احتلال استعماري طويل الأمد».
سياسات متراكمة وممنهجة
بدوره يرى ياسر مناع، الخبير والباحث في الشأن الإسرائيلي، أن إسرائيل تمارس في الضفة الغربية سياسات متراكمة تفضي إلى ما يمكن توصيفه بعملية تطهير عرقي بطيئة وممنهجة، تستهدف إعادة تشكيل البنية الديموغرافية لصالح المشروع الاستيطاني.
ويقول في حديث لـ«القدس العربي»: «تتجسد هذه السياسات في التهجير القسري المباشر وغير المباشر، من خلال منع البناء للفلسطينيين في المناطق المصنفة ج، وهدم المنازل والمنشآت الحيوية، وتحويل مساحات واسعة إلى مناطق تدريب عسكري أو مستوطنات تُمنع فيها الإقامة».
ويضيف: «عبر هذه الأدوات، يُدفَع السكان الفلسطينيون إلى مغادرة أراضيهم تحت ضغط يومي يرمي إلى إفراغ المكان من وجودهم. وفي الموازاة، يُكمل عنف المستوطنين – الذي يجري تحت حماية الجيش – الدور الوظيفي لهذه السياسات، عبر الهجمات المنظمة على القرى والتجمعات الريفية، من خلال إحراق المنازل والممتلكات، والاستيلاء على مصادر المياه، وتدمير الحقول، وإرهاب السكان لإجبارهم على الرحيل».
وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية لـ«القدس العربي»: نقترح منظومة كاملة من العقوبات على إسرائيل
وحسب تقرير صدر حديثًا عن منظمة أطباء بلا حدود، فإن إسرائيل تفرض على الفلسطينيين في الضفة الغربية حواجز مادية مرهِقة صُممت لجعل حياتهم غير قابلة للعيش ولإبعادهم عن أراضيهم. ويشمل ذلك القيود المفروضة على التنقل، مثل الحواجز التي ازداد عددها، بما في ذلك 36 حاجزًا جديدًا من كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى شباط/فبراير 2025 فقط. كما ازدادت نقاط التفتيش المؤقتة التي يمكن أن تظهر بشكل مباغت، إذ كانت 116 نقطة تفتيش بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر 2023، حتى وصلت إلى 370 نقطة تفتيش بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2025.
وترى المنظمة الدولية أن هذه القيود تؤثر بشكل مباشر على وصول الناس إلى مرافق الرعاية الصحية والمدارس والأشغال والخدمات الأساسية الأخرى.
قتل اقتصادي
ويُضاف إلى ذلك، والحديث للباحث مناع، شكلٌ آخر من أشكال الإقصاء الممنهج يتمثّل في القتل الاقتصادي، إذ تعمل إسرائيل على خنق الاقتصاد الفلسطيني عبر حجز أموال المقاصة، وفرض قيود مالية تُقوّض قدرة السلطة والمؤسسات على دفع الرواتب وتقديم الخدمات، فضلًا عن الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال الحركة والتجارة، وتُعطّل دورة الإنتاج اليومية، وتحوّل الحياة الاقتصادية الفلسطينية إلى ما يشبه الحصار المستمر.
ويواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية، حسب «أطباء بلا حدود»، قيودًا شديدة على الخدمات الأساسية، بما فيها المياه التي تتحكم السلطات الإسرائيلية في الوصول إليها. فمنذ أيار/مايو 2025، حدث انخفاض كبير في إمدادات المياه من شركة مياه إسرائيلية إلى محافظة الخليل عبر نقطتين رئيسيتين إسرائيليتين لربط خطوط الأنابيب، ما أدى إلى انخفاض تجاوز نسبة 50 في المئة في إمدادات المياه العامة في الخليل، وأثر على نحو 800,000 شخص.
ونتيجة لذلك تتحول الضفة الغربية إلى بيئة طاردة للفلسطينيين، تتضاءل فيها إمكانيات البقاء الكريم، ويغدو الاستمرار في الإنتاج أو الحركة أو الاستقرار أمرًا بالغ الصعوبة.
ويرى مناع أن التحوّل الحاصل في الضفة ليس عَرَضيًا، بل جزء من سياسة طويلة المدى تهدف إلى جعل الوجود الفلسطيني هشًا ومتقطعًا وقابلًا للزوال، عبر دمج العنف المادي مع الخنق الاقتصادي، في مشهد تطهير عرقي متدرّج يستبدل السكان الأصليين ببنية استيطانية موسعة.
3 محددات
أما سليمان بشارات، المحاضر والأكاديمي ومدير مؤسسة «يبوس» للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، فيرى أنّه من أجل فهم سلوك الاستيطان في الضفة الغربية وتحديدًا سلوك المستوطنين في الميدان، «فإنه علينا الانطلاق من مجموعة من المحددات؛ أولها مفاده الوعي الكامل بأن السلوك الاستيطاني وما يُترجم من هجمات أصبحت أكثر كثافة وعنفا، وفرض سيطرة وتحكم طويلين وعلى المدى البعيد، كان في السابق ضمن مشروع استيطاني تهويدي محدود وغير مباشر، أما اليوم فقد تحول إلى مفهوم واضح ومعلن من الكيانية المؤسساتية التي تجعل من أفعال التهجير والتطهير العرقي أمرا واقعًا».
ويقول لـ»القدس العربي»: «كلنا نشهد وقائع تحوّل المشروع الاستيطاني إلى مشروع استراتيجي تأسيسًا لما يسمى كيان الدولة اليهودية الذي أُعلن ودُشّن على كامل الأراضي الفلسطينية وتحديدًا في الضفة الغربية، وهذا يعني من ضمن ما يعنيه تهجير الفلسطينيين».
ويرى أن بعض المراقبين الإسرائيليين أصبحوا يعلنون بقوة أن السلوك الإسرائيلي العدواني في الضفة والقدس يزعزع الاستقرار في المنطقة كلها، ويحضر لانفجار الضفة، والسبب لا يرتبط بتحقيق ترتيبات أمنية، بل بفعل عمق الإجراءات التي ينفذها الاحتلال وأذرعه الاستيطانية.
ثم يتناول بشارات المحدد الثاني الذي يرى أن الاستهداف لم يعد مرتبطًا بالسكان الفلسطينيين فقط، فـ»هناك متوازية يعمل عليها المستوطنون بحق الفلسطينيين، تتكون من استهداف ديمغرافي للسكان، وجغرافي يتعلق بالأرض واحتلال مساحات شاسعة، حيث البيئة والأرض الفلسطينية بكاملها مستهدفة، وهو أمر يتكامل مع استهداف الفلسطينيين نفسيًا، عبر عمليات التخويف والإرهاب والممارسات المتصاعدة، ورفع شعار مفاده لا مستقبل في فلسطين».
ويضرب بشارات مثالًا: «يظهر مفهوم التطهير العرقي في الضفة من خلال إزالة ومسح هوية الفلسطيني، عبر استهداف التجمعات السكانية وسحقها وترحيلها، يقابل ذلك إحلال هويات وممارسات جديدة في الأماكن ذاتها التي يتواجد فيها الفلسطينيون. ويعني ذلك أن الأمر يأتي على حساب الوجود الأصلي الفلسطيني».
أما المحدد الثالث فيتمثل في أن هناك جهتين رسميتين «تعلنان ممارسات لحظية وفوقية على حياة الفلسطيني في الضفة. لدينا احتلال في مخيمات شمال الضفة، حيث التهجير مُعلن وحاصل، وهو أمر استهدف عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ويمنع الاحتلال عودة هؤلاء إلى أماكن سكنهم أو حتى التفكير في ذلك. والجانب الثاني في ممارسات التطهير العرقي هو ذراع المستوطنين الطويل جدًا، الذي أصبح يعلن عن نفسه في كل أماكن وجود الفلسطينيين، وهو إعلان دموي ومنظم، يستخدم كل المكونات من أسلحة وتكنولوجيا وبنية تحتية، ويعلن عن نفسه بتنظيمات شبيبة التلال المدربة جيدًا والتي تدرك ما تريد تحقيقه من هجماتها التي لم تعد عشوائية أبدًا».
فقدان للفعالية الفلسطينية
ويرى بشارات أن الموقف السياسي الفلسطيني الرسمي يفتقد الفعالية، فـ»هناك غياب واضح لفهم فلسطيني للسلوك الإسرائيلي. لو قلنا إن الميدان يحمل مؤشرات التطهير العرقي، فإن ذلك يجب أن ينعكس على ممارسات سياسية داخلية وخارجية تواجه هذا الموقف».
ويضيف: «لا نرى تعاملًا مع حجم الخطورة، وهناك إذعان رسمي أو خشية من المواجهة نراها حتى في توصيف الحالة، وهو أمر مردّه ترهل الواقع السياسي الفلسطيني، وغياب المؤسسات الفاعلة، وتراجع الثقة بين الشارع والجهات الرسمية. هناك حلقات مفقودة ويجب إيجادها لأي مشروع مواجهة».
أما الباحث مناع فيرى أن ما يجري «يستدعي أن يكون الموقف الفلسطيني إزاء سياسات التطهير العرقي في الضفة الغربية حالة نضالية عامة، بهدف بلورة رؤية وطنية موحدة تُعيد الاعتبار للوحدة الداخلية باعتبارها الشرط الأساسي لبناء استراتيجية مقاومة فعالة».
ويختم: «يقتضي ذلك تبنّي برامج عملية لتعزيز صمود الفلسطينيين في أرضهم، عبر دعم الاقتصاد المحلي، وتمكين التجمعات المهددة، وتوفير شبكات حماية اجتماعية تُحصّن الحياة اليومية من آثار الحصار والهدم والعنف الاستيطاني. كما يتطلب الموقف الفلسطيني رصدًا منهجيًا للانتهاكات، يجمع الأدلة والتوثيقات والشهادات بطريقة مهنية تُحول الوقائع على الأرض إلى ملفات قانونية قابلة للترافع، وتُقدّم إلى المجتمع الدولي والهيئات الرسمية بما يسهم في فضح السياسات الإسرائيلية».