نوفمبر… حرب الجزائر

تَسْتمِد عظمة الثورات الكبرى من معقولية قيامها وقوة مسارها وقيمة وأهمية تداعياتها. ثورة نوفمبر 1954 في الجزائر، من تلك الثورات التي لها من الحضور وقوة التغيير أنها توحي بأكثر من قراءة متجددة لها. وفي هذه المقالة نحاول أن نقوم بزيارة جديدة لتاريخ هذه الثورة كحرب فرنسية في الجزائر، أي قراءة تاريخية للاستعمار الحديث والمعاصر، أو تاريخ فرنسا في آخر عهدها بالنظام الاستعماري. فقد كانت حرب الجزائر لحظة ليس لفك ارتباط فرنسا بمستعمرة الجزائر فحسب، بل بظاهرة الاستعمار كنظام عالمي، أكد على أهم خاصية من خصائص التاريخ الحديث، وهي خاصية تراكم الثروة في البلدان الاستعمارية التي قسَّمت العالم إلى مركز وأطراف، على ما كان يرى المفكر الاقتصادي المصري سمير أمين، في كتابه التراكم على الصعيد الدولي.
ثورة نوفمبر هي أيضا حرب الجزائر، كما يؤرخ لها الفرنسيون، ومن هنا أيضا قيمتها وقوة حضورها لما بعد استقلال الجزائر، الذي يقابل مرحلة تصفية الاستعمار في التاريخ الفرنسي، لأن فعل الحرب أدى إلى تداعيات ونتائج كبيرة على مسار ومصير فرنسا في صلتها مع مستعمراتها في ما وراء البحار وإلى اختلالات واهتزازات سياسية كبرى في الداخل، ليس بسبب تساقط الحكومات التي تعاقبت على الحكم طوال حرب الجزائر فحسب، بل أيضا بما وقعته وخَتَمَت عليه أن الجنرال ديغول بما له من قوة ومهابة ومن مصداقية هو آخر العسكريين الذين يجب أن يحكم فرنسا ما بعد الاستعمار. فقد انسحب من الحكم واستقال منه بعد ما تَيَقّن، عن وعي كبير، أن المرحلة التي آلت إليها فرنسا، نهاية الستينيات لم تعد تمت بصلة إلى أنظمة الحكم العسكرية، وأن ظاهرة تصفية الاستعمار ليست في تعبير الأخير والمكثف إلا بداية شرعية لحكم مدني يؤكد مبادئ النظام الجمهوري ودولة القانون والحق.
الحقيقة، أن حرب الجزائر، كما جاءت في الأدبيات الفرنسية لما بعد الاستعمار، أشّرت إلى بداية دبلوماسية دولية جديدة، هُزِمت فيها فرنسا في دواليب وأروقة ومنابر الأمم المتحدة ومؤسساتها. ففي الصراع السياسي والدبلوماسي، فالحرب لم تكن قاصرة فقط على ما هو عسكري، بل تداعياتها ومضاعفاتها الدولية كانت أقوى، لأنه مع نهاية حرب الجزائر وانتصار آخر شعب يعاني احتلالا استيطانيا، نشطت الحياة الدولية في اتجاه الاستقلال والسيادة والحرية، وضبط معايير الانتماء إلى المؤسسات الحكومية، وتحديد خصائص الشرعية الدولية التي تعد الميلاد الحقيقي للدولة الوطنية الحديثة والمعاصرة.
وفي مضمار توكيد الحياة الشرعية في الداخل وفي الخارج الفرنسي، عمدت السلطات، بفعل الحراك الجدلي في كنف المؤسسات السياسية والجدل في الفضاءات العامة، إلى الاعتراف عام 1999 بأن ما وقع في الجزائر ما بين 1954 و1962، لم يكن مجرد أحداث الجزائر، كما كان يطلق عليها في حينه، وما بعد نهاية الاحتلال، بل كانت حربا جزائرية، أخذت التسمية القانونية والشرعية والتاريخية بأنها «حرب الجزائر»، كأفضل سبيل إلى تمكين الذين شاركوا فيها من الفرنسيين من الاستفادة من علاوة قدماء المحاربين، مثلهم مثل الذين شاركوا في حروب فرنسا ضد ألمانيا وبلدان المحور في الحرب العالمية الثانية. ولعلّ هذا المسار لما بعد حرب الجزائر هو الذي دعا البعض إلى محاولة تمرير مشروع قانون، 23 فبراير 2005، في عهد الرئيس جاك شيراك، « تمجيد الفرنسيين الذين عملوا في مستعمرات فرنسا»، لكن قوة أخرى أبت ذلك، التي مازالت متمسكة بأن في تاريخ الإمبراطورية الفرنسية الحديثة والمعاصرة فيه جزء كبير من الاستعمار المنافي لروح المدنية والحضارة الإنسانية، التي تحلت بها ثورة 1789، وما حملت وبشّرت به في عصر الأنوار.

مسار فرنسا ومصيرها، تحدد إلى حد كبير من وحي حرب الجزائر، وساعد فرنسا على اعتبار السياسة هي نظرية الإمكانات والاحتمالات

كانت عاصمة الأنوار، أثناء حرب الجزائر، خلفية ثورية لجبهة التحرير الوطني، التي اعتمدتها كولاية سابعة لها، تؤازر وتعزز بها جبهتها الداخلية. فالأحداث التي شهدتها مدن فرنسا، بسبب ناشطي ومناضلي الجبهة، كانت لها محدداتها الداخلية، من حيث ضبط الأمور الأمنية، ورسم حدود الشرعي وغير الشرعي، بداية من المخالفات العادية إلى جريمة الدولة، التي وصفت بها أحداث أكتوبر 1961، وجريمة الدولة هي وصف لاحق ظهر في كتاب الباحث الفرنسي Jean-Luc Einaudi «معركة باريس». وأعماله وأبحاثه تندرج ضمن أعمال أخرى تمثل الاتجاه المعارض لفرنسا الاستعمارية، بل مع جبهة التحرير الوطني والشعب الجزائري. وهو التيار الذي زاد من سعّة المعارضة ووسّع من فضائها بالقدر الذي وفَّر لها إمكانية الوصول إلى الحكم، وتصبح الدولة لا تُعَرّف فقط بالسلطة القائمة، بل أيضا باحتمال وصول المعارضة إلى سدة الحكم، كما أكّدته التجربة السياسية لفرنسا ما بعد الجنرال ديغول.
وهكذا، يكون مسار فرنسا، ومن ثم مصيرها، قد تحدد إلى حد كبير من وحي حرب الجزائر، الذي ساعد فرنسا على اعتبار السياسة هي نظرية الإمكانات والاحتمالات، التي يمكن جدّا أن تأتي على غير ما توقعتها السلطة الحاكمة، لأن الدولة من طبيعة مدنية تحتضن في كنفها الاختلاف والمعارضة والتباين والتفاوت والتنوع والتعدد، كل ذلك لا يؤثر على ود قضية الديمقراطية. وعلى خلاف ذلك في حالة بقاء الحكم العسكري الذي أسس لنظامه، ثم لدولته، ومن ثم أعدم أي إمكانية لنظرية الاحتمالات السياسية، والاتساع المطّرد لفضاء المعارضة وأحزابها، لأن من طبيعة النظام العسكري الأمر، والتراتبية، والسحق في حالة التمرد أو الثورة، والتجريف في حالة محاولة الانقلاب وضرب الدولة، التي يحرص عليها النظام العسكري ويعدها من ممتلكاته الحيوية وتعرف بالدولة العميقة.
هذه قراءة، قلّما نولي عنايتنا لها في الجزائر لأنها تخص فرنسا مع تاريخها الاستعماري، لكن في زمن التواصل الفوري وعصر السبراني وإعادة بناء التاريخ الشامل أو العالمي، يجب علينا في البحث التاريخي أن ننظر إلى الطرف الآخر الذي صارعناه بالأمس في مرآته، لنعيد تفحص ملامح الوجه والوقوف على البثور التي تعلوه، قصد إزالتها كمسلك أفضل إلى مساوقة الدول التي خاضت حروبا من أجل حياة أفضل، ولإعادة امتلاك تاريخها والاستثمار في تراثها، كما فعلت دول هي اليوم عظيمة بثوراتها العظيمة، أمريكا، انكلترا، فرنسا، روسيا، الصين، فيتنام، التي استوفت خصائص الدولة التامة والكاملة، لا تقبل الاستئثار والاستحواذ والامتلاك، لأنها من طبيعة اعتبارية معنوية ومؤسساتها عامة، بالمعنى الذي يشير إلى العامة من الناس أي المواطنين، والعمومية بالمعنى الذي يشير إلى المؤسسات والهيئات التي لا تتبع الخواص والمجموعة أو العصابات. فالدولة الناجحة والمستوفية لشروطها ومقتضياتها هي التي استطاعت أن تدرج مسارها التنموي في إطار إرساء مؤسسات لا تزول بزوال الرجال والجماعات وأن تتحرر وتاريخها من حكم العسكر، كأفضل سبيل إلى تجاوز المفارقة التي قد تظهر في حياة الأمة، حيث العسكري يحكم في الزمن المدني، فضلا عن فرض الاستثنائي في الزمن العادي.
في التحليل الأخير، أن صرف أنظار الجزائريين إلى الثورة وحقبتها لا يقصد به التعلق بالذاكرة، بقدر ما أنه صرف النظر عن النجاح الكبير الذي حققته فرنسا في إرساء قواعد الجمهورية ودائمية مؤسساتها، بفضل هزيمتها في حرب الجزائر.
* كاتب وأكاديمي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    الثورة شيئ, ومن يستغلها لنفسه شيئ آخر! الثوار شيئ, ومن يسخرهم له شيئ آخر!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول أيوب:

    مايسمى الثورة التحريرية الكبرى الذي ذهب ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون شهيد…انتهت الى ثروة للعسكر وكل العملاء وبقايا فرنسا التاريخية..وعاد الشعب الى ما كان عليه سابقا الى الجوع والفقر والحرمان ومعاشرة كل الاوبئة التي حولته الى كائنات لاتفرق بينه وبين بقايا الحطام ..ثورة أستهلكت الملايين من ارواح الشعب الجزائري..تحولت الى ثروة رفعت بقايا فرنسا الى سدة الحكم ومواصلة النهج الديغولي بكل عنف وقوة…الجزائر رغم مرور أزيد من57 سنة من(الاستقلال) ما زال الطاعون والكوليرا يقتل أبناءها في القرى والمداشر….

  3. يقول المغربي-المغرب.:

    سميت بثورة الستة رجال. ..وهم الأبطال الذين أعلنوا بداية حرب التحرير ضد الإستعمار الذي جثم على الصدور لما يقارب قرنا ونصف. ..وهم محمد بوضياف.د العربي بن المهيدي..كريم بلقاسم..مصطفى بن بولعيد. .رابح بيطاط. .ديدوش مراد. …؛ وكان القائد الفعلي للمجموعة والثورة هو الشهيد محمد بوضياف…الذي اغتالته آلة الغدر لعسكر فرنسا الذين كان من أهدافهم الأساسية تصفية رموز الثورة بعد سرقتها. ..وبلغت بهم الخسة والجبن والحقد أن قاموا بشنق أيقونة الثورة كريم بلقاسم في غرفة أحد الفنادق بألمانيا. ..وذلك بعد اغتيالهم لمحمد خيضر وتنكيلهم بباقي الزعامات الثورية. …فلا نامت أعين الغادرين. .

اشترك في قائمتنا البريدية