البطولة في القدس… إلى جدل آخر

اللجوء إلى الجدل غالبا ما يكون هروبا من مواجهة الحقيقة، فالاستغراق في التفاصيل ينسينا القضية الأصلية، ما زلت عند موقفي، الذي أدعي فيه أن قدسية الإنسان مقدمة على قدسية الأمكنة، وحرمة الإنسان لا تضاهيها حرمة مكان مهما علا شأنه وذكره، وهذا ما يتوافق مع الدين والعقل والإنسانية، وذلك لا يعني كفرنا بقدسية المكان، أو أن ندير ظهرنا له، بل نناضل ونقاتل لأجله فنحن أهله ومعمريه.
البطولة والشجاعة التي أظهرتها الحركة الشعبية في القدس، وما تبعها في المناطق الأخرى في فلسطين في وجه المحتل الغاصب، تستحق التقدير والدعم والمناصرة في كل مكان، وبجميع الوسائل السلمية المتاحة، وهذا واجب كل حر في العالم.
لكن ماذا يمكن أن نسمّي إطلاق الصواريخ من قِبَل القسام وسرايا القدس ابتداءً؟

بطولة… شجاعة… أم تهور؟

مع الأخذ بعين الاعتبار أن بعضهم يسمون التهور بطولة، وأن آخرين يسمون البطولة تهوراً، وهذا ليس عكساً للكلمات أبداً .
فحركة النضال الشعبي الفلسطيني تدرك أن معركتها المحقة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي هي معركة نضال طويلة، تعرف حجمها، وتفهم الظروف الدولية والعربية والإقليمية التي تحيط بها، وهي الأقدر على تقييم قدراتها ومساحات الحركة لديها.
والحقيقة لا أريد الخوض في الوضع العربي والدولي، فهو لا يخفى على كبير أو صغير، لكن يبدو أن أحداث فلسطين الأخيرة كشفت فيما يبدو عن أمرين اثنين:
إما أنني أخطأت التقدير بوعي الشعوب العربية والإسلامية لطبيعة النضال الفلسطيني، وميزان القوى .
أو أن الدعاية تنتصر، وتستطيع حجب الرؤية عن حقيقة المتاجرين والمستثمرين في قضية فلسطين.
وأميل إلى خيار الفلسطينيين المدركين لطبيعة الصراع، وأن لا حل في الأفق إلا بالحراك الشعبي، وتدويل القضية سياسياً وإعلامياً، والعمليات الردعية المناسبة.
نعم لست مع إطلاق الصواريخ وفرد العضلات؛ لأسباب لوجستية تتعلق بموازين القوى العسكرية والإمداد والدعم، ولأسباب استراتيجية تتعلق بقدرة التوظيف السياسي والإعلامي الذي تتحكم بمعظمه إسرائيل، والقادرة على توجيهه بما يخدم وجودها.
لست مع حرب مفتوحة، وكذبة جيش مقابل جيش آخر.
وهذا رأي شخصي ربما أصيب فيه في أماكن وأخطئ فيه في مكان آخر، ولا يتعدى الأمر وجهة نظر، في حرب أجدها كارثية النتائج، ولا ثقة لي بطرفي نزاعها.
لا يشكك كلا الطرفين الفلسطيني والسوري كشعوب بقضية أحدهما، فالقضية الفلسطينية في وجدان السوريين وضميرهم، وهي تمثل قضية عربية وإسلامية وإنسانية، لا يمكن التخلي عنها أو المساومة عليها.
وفي المقابل فإن الفلسطينيين كانوا بصف واحد مع السوريين، كفلسطينيين داخل فلسطين، أو الفلسطينيين السوريين الذين لاقوا مصير السوريين الذين وقفوا في وجه نظام الأسد من قتل واعتقال وتهجير.
القصة في مكان آخر تماما، تلك المتعلقة بالولاءات والتحالفات، التي تتبعها جهة بما لا يتوافق مع طرف نضالي موازٍ يجد بتلك الولاءات والأحلاف مخالفة للقيم والأخلاق الثورية.
– أصحاب التبريرات غالبا يحاولون دفعنا لكفة الممنونين لموقف حماس، وأنها من أولى المبادرين بإعلان موقفها الحاسم والمشرف، وأنهم دفعوا ثمن انضمامهم لصف الشعب السوري بصدور قرار إبعادهم وإغلاق نشاطهم، وكأن التزام الجانب الأخلاقي فيه منُّ وغلبة وإلزام بالولاء، والتبرير لهم.

السياسة والأخلاق

وإن كان علينا أن نتفق حول أن السياسة أمر والأخلاق أمر آخر، فلا ريب أن هذا التحالف والثناء فيه من الغصة، فشكر القتلة يسيء لأصحاب الدم والمهجرين وأصحاب الحق، لكن بالنهاية هناك مصالح وتحالفات تخدم القضية بمعنى:
نحن أمام قضيتين محقتين وحركتي تحرر ونضال، في مواجهة احتلالات مختلفة، ومن حق كل طرف أن يختار من يحقق مصالحه، ويضمن استمرارية نضاله..

فهل هذا يرضي أصحابنا؟

المشكلة ليس بمن برّر أو انتقد شكر إسماعيل هنية لإيران، باعتباره إهانة لتضحيات الشعب السوري، ولا بتصريحات حمدان الودودة لنظام الأسد، ولا بالدرع المُهدى للحوثي، أبداً.
ولا بصدد جدلية أن إيران استطاعت أن تخترق الفصائل الإسلامية في غزة عقائديا، ولا بوارد نسف كل القضية من أجل كلام فقط، أو من أجل شكر.
ولا إن كان تعدى كونه خطاباً فيه شكر، ويستدعي كل هذا التخوين والسباب والاتهامات أو لا، وهذه الجدليات التي لا تنتهي.
القصة حول علاقة الفصائل الفلسطينية حماس والجهاد الإسلامي في غزة مع إيران، هل هي علاقة تحددها المصالح الوطنية، أم أنها تجاوزتها إلى التحالفات الإيديولوجية، والحروب الطائفية إحدى أدواتها.
بعيد جدا ما يذهب إليه بعضهم أن حماس انتقلت للتشيّع، أو أنها تميل إليه أبدا، فذلك ليس مقبولا ولا مطروحا عند حماس بشكل حاسم، وربما يحتاج الأمر إلى شيء من التوضيح لبيان بعض المسائل:
حماس منظومة فصائلية تتبنى المقاومة والتحرير، غالبية البيادق فيها يؤمنون بذلك، ومنظومة فكرية أهدافها أبعد من الاستيلاء على السلطة في غزة، أو حتى فلسطين بكاملها.
بل إن هذه الأهداف ليست خافية ومن السهل استقراؤها.
الحقيقة تتجاوز ذلك بكثير عند كبار المسؤولين الطامحين في قيادة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، فهم على قناعة كاملة أنهم الأكثر التزاما بالفكر العقائدي والجهادي للمؤسسين الأوائل للجماعة، والأوفر حظا في السيادة واتخاذ القرارات.
فالتحالف مع إيران هو تحالف مصالح نعم، لكن أكبر من المصلحة المنثورة في الإعلام وفي التصريحات، هو تحالف يتوافق مع القيادة الإيرانية في تصدير الثورة.
سأجيب على تساؤل متوقع حول كيف هذا، والمنهجان متضادان وسيصلان للتصادم الحتمي؟
نعم هو كذلك، لا بد من التصادم، لكن قيادة حماس تؤمن أن حاضنتها أكبر وأوسع، وفرصة نجاحها وتصدرها للمشهد أوفر حظا، وتقهقر إيران أمامها مضمون تماما.
ختاما… عندما تتساوى الوسيلة المشبوهة والمشوهة، مع الهدف، فالنتيجة الحتمية هي حافظ الأسد بلحية وسبحة.

صحافي سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Haitham Edriss:

    كلام في صميم الواقع و قراءة ناجحة وموفّقة جدا استاذ محمد .

اشترك في قائمتنا البريدية