الفيلم الفرنسي «ثلاثتنا فلنمضِ» لـ جيروم بونيل… مقاربة حديثة للعلاقة العاطفيّـة الثلاثيّـة

حجم الخط
2

باريس ـ «القدس العربي»: مالت السينما الفرنسيّة في عدّة أفلام مؤخراً إلى طرح مسألة الهويّة الجنسية، في انعكاس متوقّع لواحد من هموم المجتمع الفرنسي في السنوات الأخيرة، معكوساً، كما هو في صالات السينما، على صفحات الجرائد والمجلات وفي قاعات المحاكم كما في الساحات العامة. الطرح الأخير هنا كان في فيلم «ثلاثتنا فلنمضِ» للمخرج الفرنسي جيروم بونيل المعني من خلال أفلام سابقة له بالعلاقات بين الجنسيْن عبر مقاربات مختلفة، آخرها كان قبل عاميْن في فيلم «زمن العلاقات» الذي طرح فيه فكرة العلاقة السريعة الطارئة بين رجل وامرأة كهليْن، علاقة تأتي مجانبةً لعلاقة كل منهما بشريك حياة غائب تماماً عن الفيلم.
هنا، في «ثلاثتنا فلنمضِ»، نقف أمام علاقة متعدّدة، علاقة واحدة بثلاثة أطراف، وبالجمع بين الدراما والكوميديا يطرح الفيلم مسألة الهويّة الجنسيّة، من دون أن يعطي المسألة الجنسيّة مكانة أساسية ضمن العلاقة الثلاثية، نحن هنا أساساً أمام علاقة عاطفيّة بين فتاتيْن، هما ميلودي وشارلوت، وشاب هو ميشا، في العشرينيات من أعمارهم. وهذا طرح حديث ليس غريبا عن المجتمع الفرنسي في 2015، مقدّماً العلاقة الثلاثيّة ضمن سياق الأومو/الإيتيرو، لتكون العلاقة المثليّة بين الفتاتيْن حاضرة في الفيلم، بل هي أساسه كونها أشدّ من ميول كل منهما لميشا.
الطرح الحديث هذا ليس جديداً على السينما الفرنسيّة من ناحية العلاقة المتعدّدة، الجديد هو إدخال «المثلية» إليها. ويعيدنا الفيلم إلى أفلام سابقة شكّلت علامات في السينما الفرنسية كفيلم «المرأة هي امرأة» (1961) لجان لوك غودار ويحكي فيه عن علاقة امرأة بزوجها من جهة وبصديقه من جهة ثانية، بشكل تظهر فيه العلاقتان كعلاقة واحدة ثلاثيّة، أكثر مما تبدو كخيانة زوجيّة. في فيلم آخر هو «جول وجيم» (1962) لفرانسوا تروفو ظهرت العلاقة الواحدة ثلاثية الأطراف بشكل أكثر وضوحاً، كونها أساس ما يريد الفيلم طرحه، إنّما في الحالتيْن لسنا أمام علاقة مثليّة بين اثنيْن من الأطراف الثلاثة، ففي فيلم تروفو نحن كذلك أمام علاقة امرأة واحدة بكل من جيم وجول.
في «ثلاثتنا، فلنمضِ» لكل من الفتاتيْن علاقة مع الأخرى ومع ميشا. فيبدأ الفيلم بوصول ميلودي إلى بيت شارلوت وميشا، وهما على علاقة، وقد اشتريا حديثاً البيت قرب مدينة ليل الفرنسية ليؤسسا فيه حياة مشتركة ومستقرة، لكن شارلوت كانت قد بدأت قبل أشهر علاقة مثليّة مع الزائرة ميلودي، فحبيبة الشاب تخونه مع صديقتها، وليست، كما نراها في معظم وقت الفيلم، على توافق تام مع ميشا ولا تبدو متحمّسة للاستمرار معه، لطغيان مشاعرها المثليّة تجاه ميلودي. الشاب ميشا بدوره سيُعجب بميلودي وسيقيم علاقة معها، سيخون هو كذلك حبيبته شارلوت مع صديقتها/حبيبتها. في الوسط وضمن سياق لا يخلو من مفارقات كوميديّة خفيفة، تجد ميلودي نفسها عالقة بين الاثنين، في علاقة منفصلة مع كل منهما، وإن كان واضحاً ميولها للعلاقة المثليّة مع شارلوت، لكنّها هنا ستخون كلاً منهما مع الآخر.
لن يشكّ أحد بشيء، ميشا وحبيبته الأولى شارلوت يملآن حديثَهما مع بعضهما بالكذب ليحصل كل منهما على فرصة لقاء شارلوت، وشارلوت بدورها تحب الاثنين وتحتار بما تفعل ومع من تمضي الوقت. الحل الذي اقترحه المُخرج هنا، وقد شارك في كتابة السيناريو، يتمثّل في علاقة ثلاثية بينهم، وفي لقطة يصل فيها الفيلم إلى حلّ عقدته، تُقبّل ميلودي شارلوت أمام ميشا، فلا يجد أمامه غير مشاركتهما، هنا تحديداً تنفرد العلاقة بين ميشا وحبيبته الأولى شارلوت.
الفيلم لا يقدّم محاكمات، كما لا يقدّم تبريراً للكذب أو الخيانة بين طرفيْ علاقة حب، إنّما يحكي عن الحب كقيمة مطلقة يمكن أن تتخلّل ثلاثة أطراف ولا تنحصر بطرفيْن، هذا تحديداً غريب عن المجتمع الفرنسي كما غيره، إنّما الهويّة المثليّة لكل من الفتاتيْن هي الطرح الذي كثر مؤخراً في السينما الفرنسيّة، كما أشرت سابقاً.
ليس«ثلاثتنا، فلنمضِ» فيلم جوائز، وليس فيلماً تجارياً يتوسّل موضوعاً صار صرعة فرنسيّة لينال ربحاً مقبولاً عبر شبّاك التذاكر. الفيلم من تلك الأفلام الخفيفة التي تختلط فيها الدراما بالكوميديا والتي تطرح بأسلوب أقرب للتلقائيّة ومن دون ادّعاء مقاربة لحلول ما، لمسائلَ أكثر تعقيداً واشتباكاً.

سليم البيك

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول S.S.Abdullah:

    لقد لاحظت اهتمام سليم البيك فيما يختاره للكتابة عنه هو العلاقة ما بين الـ أنا والـ آخر، فيما قرأته له في أكثر من مقالة على موقع جريدة القدس العربي، وأظن هذا الفيلم مثال عملي على ذلك، ومن وجهة نظري يُخطئ من يظن أنَّ هناك تعدّدية في دولة “الحداثة” بشكل قانوني، بداية من تعدّد الأزواج، لكن بعيدا عن القانون فهي تدعمه بداية من تعدّد العشيقات، حيث لا تعتبر الخيانة الزوجية لها أي علاقة بالجرائم ولذلك تجدّها تغلّظ العقوبة قانونيا على أي جريمة لها علاقة بالشرف أو تحطيم مفهوم الأسرة بالخيانة والنفاق والكذب كأسلوب حياة يومية طبيعي ولا بأس به، كما توضحها تفاصيل الفيلم التي شرحها لنا سليم البيك.

    خالِف تُعرف، هي حكمة عربيّة تُلخِّص مفهوم ثقافة الـ أنا، يظهر ذلك واضحا في لغة أي عمل، فاللّغة أي لغة كانت، بغض النظر إن كان اساسها التأويل كما هو حال لغات الفلسفة مثل الأوربية والأورو أسيوية أو كان اساسها الاستقراء والاستنباط كما هو حال لغات الحكمة مثل العربية والصينية التقليدية، لا يمكن أن تكون لغة للحوار، إن لم يتفق الطرفان على معنى المعاني فيها، فلذلك لا يمكن اعتبار أي لغة بدون وجود قواميس وهيكل للغة مكتوب في كتب معتمدة من أهل كل لغة من اللغات، ولا يمكن أن تكون هناك أي ترجمة صحيحة بين اللغات بدون اعتماد معنى المعاني لكل لغة بلغتها من خلال كتب قواميس تلك اللغة، فلا يمكن استخدام معنى لغة ما في ترجمة لغة أخرى، فهذا هو التدليس اللغوي الذي هو اساس أي سوء فهم.

    ثقافة الـ أنا التي يحاول توضيحها هذا الفيلم من قبل من شارك في كتابته وتمثيله وإخراجه وتسويقه، والتي تعمل على تغيير مفهوم الأسرة أو ثقافة الـ نحن في المجتمع (والتي تشمل ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر ولغة مشتركة متفق على معنى المعاني فيها بين جميع الأطراف من أجل إنجاز اتفاق للتوقيع عليه وتسجيله في الدولة، من أجل حفظ حقوق جميع الأطراف ومن ضمنهم الجيل الجديد الذي سيتكون، نتيجة هذا التكامل ما بين الـ أنا والـ آخر).

    لا أظن من مصلحة أي دولة تهديم مفهوم الأسرة أوثقافة الـ نحن، من أجل نشر ثقافة الـ أنا كما هو حاصل من قبل المثقف والسياسي في دولة “الحداثة”، لأنَّ من هذه الزاوية بالذات نجد الفكر الفاشي أو الصهيوني يجد أرضية خصبة لكي ينمو ويترعرع في دولة “الحداثة”، بحجة أنَّ الأسرة لدى الأجانب أقوى وهي الوحيدة التي يزيد تعدادها في المجتمع في دولة “الحداثة”، كنوع من الدفاع عن ثقافة الـ أنا بشكل منطقي وموضوعي.

    فالعلاقة التي يتكلم عنها هذا الفيلم ليس فيها أي جيل قادم، ناهيك ليس فيها أي شيء عن مفهوم الأسرة في الأساس، وبمناسبة ذكر اللغة أنا لاحظت الكثير لا يعلم أنَّ الإسلام لغة وليس فكر، ولغة القرآن معجزة الإسلام، ولذلك من وجهة نظري لغة القرآن شيء، واللسان العربي شيء آخر، والإسلام يمثله القرآن والسنّة النبويّة، وأنت حر في طريقة فهمه، فأنت من سيحاسب على طريقة فهمه، ولكن تريد جنّة الله، فيجب اتباع دين الله، فحكمة العرب قالت ”القانون لا يحمي المغفلين”، الإسلام لمن لن ينتبه حتى الآن لا يعترف بالقولبة والإيقونات أو الرهبنة والرهبان، والإسلام، لماذا حرّم الربا وحلّل التجارة، مع أنَّ كل منهما يحقق الربح والخسارة؟، هذا يعني ويجب الانتباه إلى أنَّ لله حدوده، فلا تقربوها، خصوصا في موضوع العلاقة ما بين الرجل والمرأة لتكوين اللبنة الأساسية لأي مجتمع، حيث علاقة الحب إن كان للرجل أو المرأة تمثل ثقافة الـ أنا أو الفكر، بينما الزواج يمثل اللغة أو ثقافة الـ نحن (ثقافة الـ أنا وثقافة الـ آخر ولغة مشتركة متفق على معنى المعاني فيها، تصل إلى توقيع عقد مشترك للتكامل بينهما).

    ما رأيكم دام فضلكم؟

  2. يقول balli_mohamed casa maroc:

    بعض الحروف ادا سمح المنبر شكرا وكأني اعود الى الوراء شيئا قليلا لكي اضع كلمات جد رقيقة عن السينما الفرنسية فترة الستينات ايام الوجوه الثي كانت السينما تجري في عروقهم مثل الدم اعطوها ماتريد فأعطتهم مايريدون شهرة واوسمة كاصور الكوميديا دات جودة لابأس بها بل اجمل قلت في البداية شيئا قليلا شاهدت من قبل و الأن افلام لويس دوفنيس louis de funes الرائعة منها والمتوسطة والمتوسطة جد ا فهو مضحك متقن للغته واضرب مثلا بفيلم الرجل صاحب القناع اونقول الرجل صاحب مائة وجه tem 1tem2 tem 3 Fantômas se déchaîne (1965)
    وهكدا تقنية في التصوير بغض النظر عن صور اخرى سيارة تنقلب وماهي كدالك حريق في الشاحنة وماهي كدالك وهكد ا السينما الفرنسية اليوم تعيش قضايا اجتماعية لم تكن في الماضي فالزمان الدي نحن نعيش فيه يتغير وجهه والسينما كدالك لكن تظل كما هي اليست من الفن بلى لكنها تتعامل بحنكة وحدر مع هده وتلك.

اشترك في قائمتنا البريدية