حذار… سأحدثك بالعربية

حجم الخط
26

في رحلة على متن خطوط جوية عربية بين مدينتين عربيتين جاءتني مضيفة تتحدث معي بانكليزية بشعة. فأجبتها بالعربية وسألتها لماذا لا تحدثيني بالعربية. فضحكت وواصلت نصف كلامها بالانكليزية: عايزة شيكن ولا بيف؟ فاعتذرتُ منها وأكدت لها أنني لا أفهم أي كلمة انكليزية وأن عليها أن تحدثني بالعربية فقط كي أفهم. فارتبكت وبالكاد عثرت على الترجمة: دجاج أم لحم؟ عادت بعد قليل تحدثني مجدداً بانكليزيتها الفقيرة. عندها ثار غضبي وقررت أنني سأحدثها بالفصحى. أصيبت فعلاً بالدهشة، وصارت تنظر إليّ باستغراب وتسألني وهي تتكلم ببطء: من أين أنتِ؟ قلت: أنا عربية طبعاً. فقالت: فكرتك أجنبية لأن عربيتك تقريباً فصحى.
ذهلت طبعاً. في رأس تلك المضيفة التحدث بالانكليزية يعني أنني عربية، والتحدث بالعربية العامية مئة في المئة غير ممكن، والتحدث بالفصحى يعني أنني أجنبية.
أعترف بأنني – في الماضي – مع اهتمامي الشديد باللغات الأجنبية منذ الصبا، كنت قد انخرطت أنا أيضاً في عادة خلط اللغات الأجنبية بالعامية العربية، خاصة الانكليزية والفرنسية، مع الأصدقاء والأقارب. كان ذلك يشعرنا بأننا «مثقفون» و»نخبة» وأكثر اطلاعاً و»حضارة» من غيرنا من فئات المجتمع. عقدةُ نقصٍ بلا شك. لكن تلك العادة أصبحت تسبب لي أزمة حقيقية اليوم في التواصل مع الناس في الوطن العربي، بعد أن فاق الغزو اللغوي الصارخ للمحادثات اليومية العربية أي حد مقبول. وكم من صديقة وصديق قضيتُ معه أو معها الغداء أو العشاء بطوله أتحدث أنا بالعربية فحسب، ويأتيني الجواب إما بالانكليزية مئة في المئة أو بالانكليزية مخلوطة بكلمات أو أجزاء جمل بالعربية، وكأننا نتجاهل بعضنا بعضا لغوياً.

الفصحى والعامية

عندما كنت طفلة كان والدي الناقد الأدبي د. حسام الخطيب يجبرنا على التحدث باللغة العربية الفصحى حرصاً منه على تعلمنا اللغة العربية بشكل عفوي. والأمر نفسه ينطبق على من يزورنا أو يتصل بنا، إذ كان جميع أصدقائي يخشون أن يجيب والدي على الهاتف بالفصحى فيرتبكون ولا يعرفون كيف يجيبون، ويخشون القدوم إلى المنزل، حيث يمكن أن يحدثهم بالفصحى، فيصابون بالجمود. إن كان والدي قد صمد وقتها بالفصحى، فسأصمد اليوم بالعربية، فصحى كانت أم عامية. فللهجات استخداماتها وللفصحى استخداماتها، ولا ينبغي أن تطغى واحدة على الأخرى، ولا أن تلغي واحدة الأخرى. أحب كل اللهجات العربية وأسعى لدراستها وتعلمها قدر الإمكان فهي مثرية وممتعة، وأعشق الفصحى أيضاً، لذا قررت أنني لن أحدث العرب باللغة الانكليزية مهما كان الشخص غالياً على قلبي، ومهما طال الحديث ومهما كثر عدد الموجودين العرب المتحدثين بالانكليزية. ولن أرد كتابياً بالعربيزي، تلك اللغة العجيبة التي يستخدمها البعض للتواصل بالعامية لكن بأحرف لاتينية، التي كانت مبررة حين كانت الأجهزة الالكترونية ليس فيها خيار إدخال العربية. لكنها اليوم كلها تقبل الأحرف العربية.
شيئاً فشيئاً أجد نفسي أتحول إلى متعصبة، لا تقبل أي كلمة انكليزية دخيلة في الجملة العربية، وتصحح للآخرين وتحرجهم بشكل فظ أحياناً، لدرجة أن البعض أصبح يتوجس من لقائي أو الكتابة إليّ خشية أن أدقق عليه بخصوص التحدث بالعربية، وأقصد بها العامية وليس الفصحى.

لغة عربية موازية في الخليج

ولعل ما يزيد من تعصبي هو ظاهرة اللغة العربية الموازية المنتشرة في بلدان الخليج، التي اخترعها العمال الأجانب من آسيا. أحياناً أسمعهم يتحدثون فيما بينهم وأدرك بالكاد أنهم يتحدثون العربية، حين ألتقط بعض الكلمات العربية المبعثرة. أيظنون حقاً أن ما يتحدثون به هو العربية؟ لا بأس، هم أحرار فيما بينهم، فليتحدثوا كما يريدون، المهم أن يتفاهموا. لكن ما لا أفهمه هو كيف يتبنى العرب أنفسهم تلك اللغة الغريبة يتواصلون معهم بها؟! هل سمعتم في حياتكم أن شخصاً في بلده يتحدث مع الأجانب بلغته الأم على طريقة الأجنبي الركيكة؟ حتى لو حدثك الأجنبي بلغة ركيكة فما عليك سوى أن ترد عليه بلغتك كما تتحدثها بشكل طبيعي وسليم، وهو سيتأقلم ويتعلم، بدلاً من أن تقوم أنت بتلك المهمة، في بلدك وبلغتك. ولو تحدث الجميع مع الأجانب بلغة عربية عادية فسيتعلمون. لن يكون أمامهم خيار. عندما طبقت قاعدتي الجديدة على العمال الأجانب في الخليج وأجبت أحد سائقي التاكسي بلغة عربية سليمة بدلًاً من لغته العجيبة، لم يكن منه سوى أن زمجر في وجهي: إنْتَ نـَفـَرْ ما في مـَعْلومْ عربي! والترجمة هي: أنتِ شخصٌ لا يعرف العربية!

المفارقة هي أنه لا فرق بينه وبين تلك المضيفة العربية

‫لكن ليس ذنبهما وحدهما فالمشكلة ليست فردية بل جمعية، وتتطلب معالجتها جهوداً كبيرة على مستوى الدول والمؤسسات والمناهج التعليمية ووسائل الإعلام وغيرها، التي أتمنى منها أن تعي جسامة المشكلة قبل فوات الأوان. أما أنا فسأواجهها على مستوى فردي. من يرد عليّ بالانكليزية من العرب وأقول له صراحة إنني لا أفهم الانكليزية ويستمر بانكليزيته معي، لن أكلمه بعدها إلا بالفصحى… هذا عهد أقطعه على نفسي.. وليرتبك كما يشاء أو يكف عن محادثتي، كان من كان
فحذار أيها العرب، سأحدثكم بالعربية، وربما حتى بالفصحى

٭ إعلامية وكاتبة فلسطينية

ديمة الخطيب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ابي ولد القاسم -موريتانيا-:

    احييك اختي الفاضلة للاسف نحن تنطبق علينا قاعدة المغلوب مولع بتقليد الغالب علي الرغم من ان لغتنا جميلة ويكفيها شرفا انها لغة القران العظيم هذا مثال يجب ان يحتذى به ومبادرة كريمة يجب علينا تطبيقها جميعا شكرا جزيلا

  2. يقول Radwan Sammsk:

    حصل معي نفس ما ذكرتِ مع الشخص الآسيوي. لكن حصل معي امر آخر في ألمانيا حينما فوجئت بأستاذ جامعي ألماني يتقن العربية الفصحى والعامية الدمشقية كأهلهما.

  3. يقول ميس الريم القطراني:

    نعم للأسف .. الأن اذا تحدثّ شخص بالفصحى اذا هو أجنبي .. يال الغرابة انقلبت الاية وليتهم يتعلمون اللغات الأجنبية جيدا ولكنهم يفضلون دائما البقاء في المنتصف وعلى حافة اللغات جميعها.

  4. يقول محمد عزت الخالدي - الدوحة:

    في الدوحة مدرسة سورية، والآن سميت مدرسة إيبلا الدولية

    انتسبت إليها بنتً سورية (وليس في المدرسة إلا السورييون) فلم تفهم التلميذة الجديدة على أحد شيئاً، ذلك أنها في بيتها لم تسمع ولم تتكلم إلا الفصحى…
    واجتمعتُ مرة بطفل تونسي عمره بين الثماني والتسع، حدثني بالفصحى بالحركات والدلالات والمثنى والجمع، والتذكير والتأنيث، والتنكير والتعريف….، تنساب اللغة على لسانه كشحرور لا ينفك عن التغريد. سألتُ عن سره، فقيل لي ” أمّه “.
    فأتصورها مذ ولدته قالت له خذ يا ولدي، وألقمته ثديها، بالحنان الأمومي، والبهاء اللغوي، فلم يحتج لمن يعلمه الفتحة والضمة، وعلامات المثنى والجمع ,…. وأسرار وقواعد العربية….

  5. يقول عبد اللطيف الريسوني:

    ليس من تقليق الا ان افتخر بكل من يحمل هذا الاحساس وهذا الشعور السليم تجاه لغته واتمنى من الله ان يزيد من امثالها بيننا , بمثلها نشعر انه ما يزال بيننا من يغار على كرامته

  6. يقول محمد عزت الخالدي - سوري مقيم في قطر:

    لقد قال لي باتاني يوماً “أنت لا تعرف اللغة العربية” بلهجته المستنقرة. وقصصت قصته على بعض علماء اللغة في منتدى للغة العربية ، قصصتها للتندر، وقلت لهم ” لو كانت هذه الشهادة من أحدكم لقتلتُ نفسي” !!!!!

1 2 3

اشترك في قائمتنا البريدية