في رحلة على متن خطوط جوية عربية بين مدينتين عربيتين جاءتني مضيفة تتحدث معي بانكليزية بشعة. فأجبتها بالعربية وسألتها لماذا لا تحدثيني بالعربية. فضحكت وواصلت نصف كلامها بالانكليزية: عايزة شيكن ولا بيف؟ فاعتذرتُ منها وأكدت لها أنني لا أفهم أي كلمة انكليزية وأن عليها أن تحدثني بالعربية فقط كي أفهم. فارتبكت وبالكاد عثرت على الترجمة: دجاج أم لحم؟ عادت بعد قليل تحدثني مجدداً بانكليزيتها الفقيرة. عندها ثار غضبي وقررت أنني سأحدثها بالفصحى. أصيبت فعلاً بالدهشة، وصارت تنظر إليّ باستغراب وتسألني وهي تتكلم ببطء: من أين أنتِ؟ قلت: أنا عربية طبعاً. فقالت: فكرتك أجنبية لأن عربيتك تقريباً فصحى.
ذهلت طبعاً. في رأس تلك المضيفة التحدث بالانكليزية يعني أنني عربية، والتحدث بالعربية العامية مئة في المئة غير ممكن، والتحدث بالفصحى يعني أنني أجنبية.
أعترف بأنني – في الماضي – مع اهتمامي الشديد باللغات الأجنبية منذ الصبا، كنت قد انخرطت أنا أيضاً في عادة خلط اللغات الأجنبية بالعامية العربية، خاصة الانكليزية والفرنسية، مع الأصدقاء والأقارب. كان ذلك يشعرنا بأننا «مثقفون» و»نخبة» وأكثر اطلاعاً و»حضارة» من غيرنا من فئات المجتمع. عقدةُ نقصٍ بلا شك. لكن تلك العادة أصبحت تسبب لي أزمة حقيقية اليوم في التواصل مع الناس في الوطن العربي، بعد أن فاق الغزو اللغوي الصارخ للمحادثات اليومية العربية أي حد مقبول. وكم من صديقة وصديق قضيتُ معه أو معها الغداء أو العشاء بطوله أتحدث أنا بالعربية فحسب، ويأتيني الجواب إما بالانكليزية مئة في المئة أو بالانكليزية مخلوطة بكلمات أو أجزاء جمل بالعربية، وكأننا نتجاهل بعضنا بعضا لغوياً.
الفصحى والعامية
عندما كنت طفلة كان والدي الناقد الأدبي د. حسام الخطيب يجبرنا على التحدث باللغة العربية الفصحى حرصاً منه على تعلمنا اللغة العربية بشكل عفوي. والأمر نفسه ينطبق على من يزورنا أو يتصل بنا، إذ كان جميع أصدقائي يخشون أن يجيب والدي على الهاتف بالفصحى فيرتبكون ولا يعرفون كيف يجيبون، ويخشون القدوم إلى المنزل، حيث يمكن أن يحدثهم بالفصحى، فيصابون بالجمود. إن كان والدي قد صمد وقتها بالفصحى، فسأصمد اليوم بالعربية، فصحى كانت أم عامية. فللهجات استخداماتها وللفصحى استخداماتها، ولا ينبغي أن تطغى واحدة على الأخرى، ولا أن تلغي واحدة الأخرى. أحب كل اللهجات العربية وأسعى لدراستها وتعلمها قدر الإمكان فهي مثرية وممتعة، وأعشق الفصحى أيضاً، لذا قررت أنني لن أحدث العرب باللغة الانكليزية مهما كان الشخص غالياً على قلبي، ومهما طال الحديث ومهما كثر عدد الموجودين العرب المتحدثين بالانكليزية. ولن أرد كتابياً بالعربيزي، تلك اللغة العجيبة التي يستخدمها البعض للتواصل بالعامية لكن بأحرف لاتينية، التي كانت مبررة حين كانت الأجهزة الالكترونية ليس فيها خيار إدخال العربية. لكنها اليوم كلها تقبل الأحرف العربية.
شيئاً فشيئاً أجد نفسي أتحول إلى متعصبة، لا تقبل أي كلمة انكليزية دخيلة في الجملة العربية، وتصحح للآخرين وتحرجهم بشكل فظ أحياناً، لدرجة أن البعض أصبح يتوجس من لقائي أو الكتابة إليّ خشية أن أدقق عليه بخصوص التحدث بالعربية، وأقصد بها العامية وليس الفصحى.
لغة عربية موازية في الخليج
ولعل ما يزيد من تعصبي هو ظاهرة اللغة العربية الموازية المنتشرة في بلدان الخليج، التي اخترعها العمال الأجانب من آسيا. أحياناً أسمعهم يتحدثون فيما بينهم وأدرك بالكاد أنهم يتحدثون العربية، حين ألتقط بعض الكلمات العربية المبعثرة. أيظنون حقاً أن ما يتحدثون به هو العربية؟ لا بأس، هم أحرار فيما بينهم، فليتحدثوا كما يريدون، المهم أن يتفاهموا. لكن ما لا أفهمه هو كيف يتبنى العرب أنفسهم تلك اللغة الغريبة يتواصلون معهم بها؟! هل سمعتم في حياتكم أن شخصاً في بلده يتحدث مع الأجانب بلغته الأم على طريقة الأجنبي الركيكة؟ حتى لو حدثك الأجنبي بلغة ركيكة فما عليك سوى أن ترد عليه بلغتك كما تتحدثها بشكل طبيعي وسليم، وهو سيتأقلم ويتعلم، بدلاً من أن تقوم أنت بتلك المهمة، في بلدك وبلغتك. ولو تحدث الجميع مع الأجانب بلغة عربية عادية فسيتعلمون. لن يكون أمامهم خيار. عندما طبقت قاعدتي الجديدة على العمال الأجانب في الخليج وأجبت أحد سائقي التاكسي بلغة عربية سليمة بدلًاً من لغته العجيبة، لم يكن منه سوى أن زمجر في وجهي: إنْتَ نـَفـَرْ ما في مـَعْلومْ عربي! والترجمة هي: أنتِ شخصٌ لا يعرف العربية!
المفارقة هي أنه لا فرق بينه وبين تلك المضيفة العربية
لكن ليس ذنبهما وحدهما فالمشكلة ليست فردية بل جمعية، وتتطلب معالجتها جهوداً كبيرة على مستوى الدول والمؤسسات والمناهج التعليمية ووسائل الإعلام وغيرها، التي أتمنى منها أن تعي جسامة المشكلة قبل فوات الأوان. أما أنا فسأواجهها على مستوى فردي. من يرد عليّ بالانكليزية من العرب وأقول له صراحة إنني لا أفهم الانكليزية ويستمر بانكليزيته معي، لن أكلمه بعدها إلا بالفصحى… هذا عهد أقطعه على نفسي.. وليرتبك كما يشاء أو يكف عن محادثتي، كان من كان
فحذار أيها العرب، سأحدثكم بالعربية، وربما حتى بالفصحى
٭ إعلامية وكاتبة فلسطينية
ديمة الخطيب
شكرا جزيلا أيها الفلسطينية الحرة أدامك الله ذخرا لفلسطين الحبيبة ولأهلك الكرام و للغة العربية,
سيدتي الفاضلة ربما لا يخفى عليك أن لغتنا العربية ” الجميلة ” تعاني الكثير من الصعوبات واجحاف في حقها ولا سيما من بني جلدتها , اصبح الكثير من العرب يستعملون بعض المفردات والكلمات من لغتنا العربية الجميلة في جمل لاتينية وغيرها وهم يتخيلون أنهم بهذا الخلط الغير منسق والغير منضبط أنهم طوروها ولكن في الحقيقة هي جريمة شنعاء ترتكب في حق لغتنا العربية التي اصبحت مظلومة من اهلها كظلم بنو صهيون لفلسطين الحبيبة,
اعتقد ان المقال يعبر عن رأي الكثير من الناس وخاصة انه اصبح بعض الناس يخجل بين أبناء جلدته انه لا يجيد التحدث معهم باللغة الانجليزية،
كلام في محله ولكنه بحاجة الى جهد وإعادة الثقة بالنفس للناس.
وَيَا حبذا لو احدى الوسائل الإعلامية تبنت ذلك ببرنامج.
في صبح،،، نزل الخلق ثلاث،،، ام ،،،، وأب،،، وطفل يلهو بين رضاهما ،،، فلما أشرقت الشمس على الارض علم الاحياء شرقها وغربها ،، وعلمت انا ووالدايا ان لا شرق ولا غروب،،، نور بلا ليل ولا نهار،،، لا يشرق ولا يغرب،،، تدور فيه الام حاضنة الأب ،،،فلا الشمس الحارقة غربت !! بل الأحرى لفة الارض على نفسها سهلت علينا عناء المسير،، من قصص البدوي البالية
وبالعربية
شكرًا يا سيدة ديمة الخطيب،احمد الله اني وجدت شخصا عربيا يحمل افكاري،لقد واجهت هذه المشكلة في العالم العربي منتشرة،واعتقد انهم يتكلمونها من عدم الثقافة،أعيش في دول الغرب منذ43عاما أوأكثر وأتقن اكثر من ثلاثة لغات،وفي زياراتي للاهل في بلاد عربية مختلفة يخلطون كلمات انجليزية وعربية في جملة واحدة،كنت انزعج وأكشر لهم عن انيابي ولكن لا حول ولا قوة،والإنكا من ذالك انني في دول الغرب احصل على معظم الاقنية العربية ،ونسمع بين المحاورين وضيوفهم استعمال اللغات الأجنبية ممزوجة مع العربية وهذا ما يزعجني وحتى اقرف منهم،هل سمعتي في اي بلد غير عربي يستعملون لغتنا ولو كلمة واحدة في لغتهم،لا بل ينفرون منا ومن لغتنا ،فهل يتعلم العرب ما معنا الثقافة العربية،او كما نسميها لغة الام،وما اروع لغتنا في التعبير الصحيح،اخيراً أقول،رحم الله رجلا عرف قدر نفسه،وشكرا
ديمه الخطيب علم من أعلام أمتنا
وركن من أركان قناة الجزيرة منذ 1998
وقمة من قمم التفوق النسائي العربي اللواتي نفتخر بهن
يشهد الله اني أحب تقاريرك المتعددة حول العالم وخصوصا أمريكا الجنوبية
ولا حول ولا قوة الا بالله
مقال روعة ، كتقارير الكاتبة المبهرة على قناة الجزيرة كتغريداتها المبتكرة على التويتر ( عذرأ ، لا أعلم ترجمة التويتر بالعربية ) !
لو صادفت الأستاذة ديمة الخطيب يوما ، فسأتعمد الكلام معها باﻷنكليزية ، فقط ﻷستمع اليها و هي تتحدث بالفصحى !
أتذكر في السبعينيات ، كنت طفلا أعمل مع والدي في متجره ، و كانت بغداد في ذلك الزمان مقصدا لكل جنسيات العالم من خبراء و مهندسين و عمال و مستشارين يعملون في مشاريع عملاقة في نهضة غير مسبوقة خلال الفترة الذهبية بعد تأميم النفط ، و كان أحد زبائننا ، مهندس فرنسي من أصل مغربي ، كان يتحدث العربية الفصحى بطلاقة لا زلت احسده عليها ، و كان اﻷمر غريبا و مستغربا ، إذ كانت المرة اﻷولى لي و أنا اسمع شخص يتحدث العربية الفصحى في السوق ، كانت طريقة نطقه لها مدعاة ﻹثارة ابتسامات أو همسات مستغربة من زبائن آخرين و هم يستمعون الى مبارك المغربي الفرنسي ، كان ذلك إسمه بالمناسبة ، و هو يتحدث بها ، لكن لا أحد يعير اﻷمر اي اهتمام و هو يتحدث الفرنسية مع زملاءه ، و إن كنت انسى فلن انسى و أنا اسمع منه كلمة نادرة اﻹستخدام لم اسمعها من قبل و ربما من بعد و هو يطلب ” صنيدق” مصغر صندوق ليجمع بها حاجياته التي اشتراها !
كان علي يا أستاذة ديمة أن أربط سريعا بينك وبين أستاذي والدك المحترم الدكتور حسام و الذي لا تزال ملامحة الهادئة الرزينة منطبعة في مخيلتي ، عندما كان يطل علينا لما كنا طلابا في السنة الرابعة في قسم اللغة العربية في جامعة دمشق ، أوائل ثمانينات القرن الماضي.
و لعل أكثر ما أثار إعجابي به ليكون قدوة لي ، انه كان متواضعا ووقورا يدل مظهره على ذكاء و فطنة يخفيان وراءهما علما غزيرا و ثقافة ثرة و مميزة.
و لأن معرض الحديث هنا هو اللغة العربية الجميلة ، فإني أكثر ما أحببت فيه، هو
أن لغته العربية الجميلة كانت تنساب من شفتيه انسيابا عذبا هادئا ، تصل غايتها بسهولة على الرغم من مادتها العلمية و الأدبية. و الأمر الآخر- و الذي أنت كشفت عنه الآن-
هو أن هذا الرجل كان من عمالقة اللغة الانكيزية و أدابها .. و لم يبدِ أبدا أي محاولة
من استعلاء أو استعرا ض لعضلاته في اللغة الانكليزية -كما اعتاد بعض المثقفين -على حساب اللغة العربية!
اللغة العربية عروس فريدة و لا يحظى بسحرعبقها إلا كل فارس همام .
هي لا تسأل مهرا من اللالئ و الألماس .. هي فقط تبحث عن الحب النبيل في قلوب عاشقيها و مريدها.
أقول لك يا أستاذة ديمة استمري وكلنا معك .. . فهذا أجمل و أقدس ما نفعل !
لك و للوالد الجليل و لكل محبي اللغة العربية ، كل الاحترام و التقدير.
سليمان الجندي – أمريكا
مقال طريييف جدا …. تذهلني هذه الديمة ….تعرفت عليها منذ ايام في تويتر…تتحدث ثمان لغات و مع ذلك هذا الإعتزاز الشديد باللغة العربية الفصحى…..حقا أنت نموذج على الأقل بالنسبة لي …..فعلا سيدتي أنا في المغرب من يتحدث لغة عربية فصحى يصبح محل للسخرية ….. الفصحى تحارب في بلدنا حتى أن هناك دعوات للتدريس بالعامية المغربية بدل الفصحى …. لكي تعمل في بلدي يجب عليك أن تكون مفرنسا أو منكلزا ….شخصيا اعشق العربية و آدابها و لهجاتها حتى أنني أفهم تقريبا جميع لهجات العرب و في الجامعة درست الآداب العربية، لكن النتيجة كانت كارثية …. بلغت من العمر عثيا و لم أحصل على أي عمل يتناسب مع هوسي بالعربية فاضطررت إضطرارا للعودة للجامعة هذه المرة لدراسة اللغة الفرنسية حتى أحصل على عمل ….”إنْتَ نـَفـَرْ ما في مـَعْلومْ عربي” هههههه لذيذة جدا هذه الجملة ، لدينا في المغرب نفس هذا المزج العجيييب بين لغة المرء الاصلية و لغة المجتمع الذي يعيش فيه لكن ليس عمال آسيا الأجانب لدينا نحن الأفارقة جنوب الصحراء الذين يقيمون في المغرب مؤقتا في انتظار فرصة للعبور للضفة العجوز “اوروبا” …….هم ايضا اخترعو لغة تجمع بين العامية المغربية و لغاتهم الأم……. أنهيت مقالك ب ” سأحدثكم بالعربية، وربما حتى بالفصحى” أما أنا فسأنهيه ب “أتمنى أن أجد من يكلمني باللغة الفرنسية او الإنجليزية حتى ينطلق لساني فاللغة العربية في وطني لا تؤكلك الخبز”…..هههه كل يغني على ليلاه
شكرا أخت ” ديمة ” .،
أبدعت كما ابدع والدك العظيم من قبلك
الدكتور النفاخ في جامعة دمشق(استاذ اللغة العربية) كان يصر على المقابلة الشفهية لتلاميذه وكان أحدهم اسمه ” يوسف” وكان اول سؤال للتلميذ ما اسمك؟
فيجيب فوراَ “يوسيف” فيقول له أنت راسب !ولما تكرر الامر وفي كل مرة نفس السؤال و نفس الجواب استحلفه التلميذ ان يفسر له الامر فقال له اسمك
” يوسوف” الواو فقط للتشكيل وليس “يوسيف” وهذا طالب لغة عربية فما بالك بالهنود و غيرهم !
ودمت بخير سيدتي الفاضلة
شكراً جزيلا ديمة , وأنا من اللذين يتبنون هذه النظرية أيضاً علنا نخلق بعضا من التوازن في هذه القضية الشائكة.