الإسلاموفوبيا والزنجي الباذنجان

حجم الخط
5

 

ذات يوم، قبل عقد من الزمان، توصّل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن إلى هذا الاكتشاف العبقري: «إنّ الراديكالية الإسلامية، مثل الأيديولوجيا الشيوعية، تحتوي على تناقضات موروثة تحتّم فشلها. وفي كراهيتها للحرّية، عن طريق فقدان الثقة في الإبداع الإنساني، ومعاقبة التغيير، والتضييق على إسهامات نصف المجتمع، تنسف هذه الأيديولوجيا السمات ذاتها التي تجعل التقدّم الإنساني ممكناً، والمجتمعات الإنسانية ناجحة».
كان بوش يلقي، في «المعهد الوطني للديمقراطية»، خطبة فريدة، مشحونة ومحمومة، طافحة بالرطانة والمصطلحات الملقاة على عواهنها، حتى أنّ أسبوعية «نيوزويك» لم تتردد في وصفها بـ»القنبلة العقائدية». وكانت البرهة لا تقلّ فرادة، في الواقع، لأنها مثّلت واحدة من ذرى تجسّد الخطّ المتشدّد لرهط «المحافظين الجدد»، إزاء الإسلام تحديداً؛ في شخص، ومزاج، رئيس لم يتردد في اعتبار غزو العراق تكملة للحملات الصليبية.
وفي تلك الخطبة، استخدم بوش ـ للمرّة الأولى، بلسان رئيس القوّة الكونية الأعظم ـ تعيبر «الإسلام الفاشي»، ضمن تنويعات أُلقيت، بدورها، على عواهنها: «الأيديولوجيا الإجرامية للإسلاميين الفاشيين هي محكّ القرن الجديد الذي نعيشه. غير أنّ هذه المعركة تشبه، في أوجه كثيرة، الكفاح ضدّ الشيوعية خلال القرن المنصرم. فالراديكالية الإسلامية، تماماً كالأيديولوجيا الشيوعية، تتصف بأنها نخبوية، تقودها طليعة تعيّن ذاتها بذاتها، تنطق باسم الجماهير المسلمة. بن لادن يقول إنّ دوره تعليم المسلمين ما هو خير لهم وما هو ليس بخير. وما يعتبره هذا الرجل، الذي تربى في الرخاء والثراء، خيراً لفقراء المسلمين، ليس سوى أن يصبحوا قتلة وانتحاريين».
طريف، رغم أنه يثير الحزن والأسف أيضاً، أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، اكتشف بدوره مصطلح «الإسلام الفاشي»؛ مقتفياً خطى بوش، ولكن بفارق عقد من الزمان، وعشرات الآلاف من الضحايا، سقطوا على طرفَيْ معادلة جهنمية: الإرهاب الأعمى الذي تمارسه التنظيمات الجهادية المتطرفة، وإرهاب الدولة العشوائي التي تمارسه أنظمة وجيوش جرارة وقاذفات وصواريخ عابرة للقارّات… بذريعة «الحرب على الإرهاب». المفارقة أن مراكز بحث حكومية أمريكية كانت قد أوصت كبار مسؤوليها، وخاصة الرؤساء، بالامتناع عن استخدام مصطلح «الفاشية الإسلامية»؛ أمّا فالس، رئيس حكومة «اشتراكية» و»يسارية»، فإنه سارع بنفسه إلى السقوط في إغواء مصطلح ـ خاطىء وذميم ومضلِّل وقاصر وبالغ الأذى ـ وكأنه «وجدها» على نحو أرخميدي لا سابق له ولا نظير!
والحال أنّ أخطر خدعة في «حروب» الإسلاموفوبيا هي هذه، بالضبط: سيرورة انتزاع المصطلحات من سياقاتها، بل من كلّ سياق ملموس يقترن بها؛ ثمّ دمجها، قسراً وتعسفاً، في شبكة دلالية مسبقة، أو جاهزة نمطية (كما في المماثلة بين الإسلام والشيوعية)؛ وأخيراً ضخّ هذا المزيج المتنافر، هكذا، اعتباطاً، على عواهنه، في أذهان جاهزة لتلقّف الجاهز، والجاهز وحده تقريباً. وكما أنّ الونجي اسود، والباذنجان أسود، فالزنجي باذنجان، حسب المنطق الأحول والأهبل العتيق؛ كذلك فإنّ الإسلام إرهابي لأنّ الإرهابي مسلم، وحدهما، ولا إرهاب يُنسب إلى سواهما.
غنيّ عن القول أنّ أوّل «زنجي/ باذنجان» فَرِح بهذا الخلط، سعيد به أيما سعادة، مستفيد منه ومتنعم بحماقاته، هو الإرهابي الجهادي المتطرف المتشدد، نفسه، أياً كانت تسمية تنظيمه أو إمارته أو خلافته؛ ما دام يرفل في ثوب «ضحية» تتبارى عشرات الحكومات الغربية في قصفها، بالقاذفات الجبارة المدمرة، ولكن أيضاً بالمنطق المعوّج، وبالمصطلحات الطنانة الرنانة!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول إقبال التميمي- بريطانيا:

    رغم أهمية محتوى هذه المادة، إلا أنها نخبوية موجهه لفئة صغيرة من القراء ممن لديهم القدرة ورفاهية الوقت لتفكيك وترجمة مفرداتها المنتقاة

  2. يقول م . حسن .:

    فرنسا الإستعمارية دونا عن الدول الأخرى كانت من أسوء الدول توحشا وسحق عسكرى وثقافي ونهب مقدرات مستعمراتها , في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق أسيا . مازال بعض ساستها يعيشون في الأوهام ويستخدمون أساليب العهر السياسي بالقفز الي السرير لمن يدفع لهم أكثر . سلحت إسرائيل , وتساند عدوانها علي الشعب الفلسطيني والدول العربية , حتي بالسلاح النووى , شوفينيتها مكروهة حتي عند شركائها الأوربيين . القيم الإسلامية لا تختلف عن القيم الغربية في نزعتها الي العدالة والحرية والتقدم الإنساني , لكن بعض هؤلاء الساسة مازالوا يصبون نار الكراهية والإرهاب السياسي والثقافي والعسكرى في مقابل أقلية إرهابية , لم تكن موجودة , وتظن أنها تنتقم من المأسي التي يتسبب فيها هؤلاء الساسة الفرنسيين الدواعش , كلاهما السبب في قتل الأبرياء من الفرنسيين والعرب .

  3. يقول نجاة موسى:

    الاخت إقبال التميمي تعترف بأهمية محتوى المادة ولكن تراها نخبوية موجهة لفئة صغيرة وكأن المحتوى المهم يحتاج الى رفاهية التفكيك والترجمة او كأن الكاتب الذي ينتقي مفرداته بعناية يحتاج الى ترجمة .. الاسلوب هو الرجل وصبحي حديدي عنده اسلوبه الخاص سواء بالنقد الادبي او التحليل السياسي ولا يعيبه ان يتفنن بالكتابة وهذا لا يعني بالضرورة ان مجموعات صغيرة من القراء هي التي تحب ذلك بل قد يكون العكس صحيحا .. القارىء بعصرنا صار مطلوبا منه ان يفهم التعقيد وليس التبسيط ..

  4. يقول وحيد الجزائر:

    يشير الدكتور حديدي هنا الى ظاهرة التبسيط المحايثة للامبريالية الجديدة، على ان هذه التبسيطية مع خلط منظوميتن اسلامية/ماركسية ليس الغرض منها استغباء واستحمار العالم بقدر الغرض منها توجيه العالم الى بؤر صراع مختارة ومنتقاة بذكاء جيوستراتجي حاد.
    بعيد ساعة من بداية حدث “انا شارلي” راحت القنوات الفرنسية تدول القضية باستعمال كلمات غير برئية مثل حرب ارهاب عالمي المؤامرة الاسلاموية….. على الرغم من ان الكواشي فرنسيان “قتلا” فرنسيين في فرنسا. من خصائص الامبريالية الرديئة المعاصرة تحويل المحلي الى كوني بعدما كان الكوني يحول دائما الى محلي. اتعجب ممن يشك في السناريوهات المحبوكة-المفضوحة ولا يطرح الآن سؤال من يقتل من؟

  5. يقول حي يقظان:

    الأخت إقبال التميمي،

    إذا كنتِ تريدين مقالاً سياسيًا جيدًا وجادًّا، فعلاً، وإذا كنتِ لا تريدينه، في الآن ذاته، أن يكلِّفكِ عناءَ قراءته قراءةً جيدةً وجادَّةً كذلك، فلا أظن أنكِ ستجدين ضالَّتَكِ المنشودة من أي كاتب يحترم نفسه وقارئه معًا.

    ما قلتِهِ، بعد اعترافكِ بأهمية هذا المقال، يضع التوكيد على تلك القناعة التي توصلتُ إليها منذ زمن بعيد، والتي لا أظن أن الأخ صبحي يختلف معي فيها، بأن المشكلة الثقافية الأولى في وطننا العربي الحزين إنما هي مشكلة القراءة!

اشترك في قائمتنا البريدية