يعرف متابعو حياة الراحل الكبير إدوارد سعيد (1935 ـ 2003)، والمهتمون بتفاصيل كتاباته المختلفة، المنشور منها وما بقي حبيس مخطوطة هنا أو مسوّدة هناك؛ أنه أزمع خلال السنة الأكاديمية 1967 ــ 1968، تأليف كتاب كامل عن الكاتب الإرلندي جوناثان سويفت (1667 ـ 1745)، بل تعاقد عليه مع منشورات جامعة هارفارد. لكن حرب الـ 67، وظروف عمل أكاديمية وعائلية أرجأت المشروع لصالح الانخراط في إنجاز كتاب سعيد الثاني «بدايات: القصد والمنهج»، 1975؛ وإنْ كانت لم تمنعه من كتابة مقالتين لامعتين كانتا في صلب مخطط المشروع: «فوضوية سويفت المحافظة»، و»سويفت المثقف».
وعلى امتداد الصفحات الأخيرة من الفصل الرابع في كتابه «أماكن العقل: حياة إدوارد سعيد»، 2021، يستعرض تيموثي برينان سلسلة تفاصيل مثيرة حول هذا المشروع الذي لم يرَ النور في نهاية المطاف، وكيف أنّ سعيد كان قد استقرّ على عنوان ابتدائي هو «سويفت في التاريخ»، وشاء للدراسة أن تتناول سؤالاً مركزياً حول كيفية تمكّن الروائي والشاعر والكاتب الساخر من تقديم رؤى غير متوقعة، من شخصية على طرازه، حول «سوسيولوجيا المعرفة»؛ وكيف أنّ العنوان تبدّل لاحقاً إلى اقتراحين: «تجانس سويفت» و»سويفت المثقف»، ثمّ انساق أكثر فأكثر نحو منهجية كتاب سعيد الأوّل «جوزيف كونراد وقَصَص السيرة الذاتية»، 1966.
ولم يغفل برينان عن معطى مركزي يكتنف حكاية مشروع الكتاب الغائب: كيف أمكن أن يُعجب سعيد، إلى درجة عالية، بكاتب إيرلندي ملكي مثل سويفت؛ على حساب شاعر مثل وليام بليك كان مناهضاً للاستعمار. ذلك لأنّ سويفت أنجز، حسب رأي سعيد، مستويات عالية في تسخير إمكانيات اتحاد الذهن مع اللغة و»الانتقال من الحاضر إلى الماضي ثم العكس، من موقف مركّب إلى آخر بسيط ثم العكس، أو من نقطة إلى أخرى كما في دائرة»؛ فامتهن الدعاوة السياسية وفنون كتابة المنشور السياسي. وفي الجزء الثالث من «رحلات غليفر»، يعيش المهندسون فانتازيا بناء البيت بدءاً من السقف، وتبدو انتقالات غليفر في الزمان والمكان أشبه بسلسلة من عمايات قلب أبعاد الإنسان: من الحجم الطبيعي إلى المتناهي في الصغر، ومن هذا إلى الحجم العملاق، أو من الإنسان إلى الحيوان، وهكذا.
والسطور الأولى من مقالة سعيد «فوضوية سويفت المحافظة» تسير هكذا: «عملُ سويفت معجزة دؤوبة على المقدار الوفير من التعليق الذي يمكن لكتابة مؤلف ما أن تستدعيه، ولكنها مع ذلك تبقى إشكالية»؛ وأيضاً: «سوف يُستعاد سويفت من جانب المحرّرين إلى نصّ نهائي، ومن جانب كتّاب السيرة إلى تسلسل أحداث من الولادة إلى الوفاة، ومن النقّاد السيكولوجيين إلى سلسلة سمات الشخصية، ومن المؤرخين إلى عصر، ومن نقاد الأدب إلى نوع وتقنيات وبلاغة وتراث، ومن دعاة الأخلاق إلى أعراف قيل إنه دافع عنها». وهنا الخلاصة الأبرز للسطور الأولى من المقالة: «ومع ذلك، بصرف النظر عن الفوارق بينها، فإنّ هذه الاستعادات، واعية أو غير واعية، تقود سويفت إلى موقع المقاومة للنظام ذاته الذي سوف يوضع فيه».
مناسبة العودة إلى لقاء لم يكتمل بين سعيد وسويفت، وكان عدم اكتماله خسارة فادحة، هي كتاب جديد تحت عنوان «الهاوي الأخير: جوناثان سويفت، إدوارد سعيد، ومهنة الأدب»، وقّعته هيلين دوتش الأستاذة في جامعة كاليفورنيا، وصدر مؤخراً ضمن منشورات جامعة شيكاغو. ولعلّ فضيلة الكتاب الأولى، في يقين هذه السطور، هي أنّ دويتش لا تبحث في تفاصيل انجذاب سعيد إلى سويفت من زوايا تحليلية وأكاديمية، فحسب؛ بل تنطلق منها إلى أبعاد ذاتية، تخصّ انجذابها هي إلى الاثنين معاً، على نحو ينتهي إلى ما يشبه الشهادة الشخصية على ما تمتّعا به من مكانة، وعلى عصرَيْهما بما عكساه، أو يواصلان عكسه، بصدد قضايا مثل التوجّه الفوضوي لأديب إرلندي ملكي ومحافظ، والقضية الفلسطينية ومساءلة الاستشراق والإمبريالية عند مفكر وناقد ثقافي فلسطين ـ أمريكي. وفي خلفيات هذا التلاقي، الذي تحقق على مستوى بضع مقالات من سعيد ولم يكتمل في كتاب، تتلمس دويتش معنى مهنة الأدب، أو مظانّ دراساته على وجه التحديد.
وبين أفضل أجزاء الكتاب تأويل دويتش لمقاربة سعيد، في مقالته الثانية «سويفت المثقف»، من منظور غرامشي ومفهوم المثقف العضوي، خاصة حين يكون في عداد النخبة، ويعكف على تحويل السلطة السياسية إلى قوّة أدبية، ويستخدم أدوات مثل السخرية والمفارقة والمحاكاة الساخرة. وبهذا المعنى فإنّ سعيد لم يختزل سويفت إلى «رحلات غليفر»، بكلّ ما تحمله من حشود الرموز والدلالات والمجازات؛ بل نظر أيضاً، وجوهرياً، إلى سويفت كاتب النصّ المذهل «اقتراح متواضع لمنع أطفال الفقراء في إرلندا من تشكيل عبء على أهلهم أو على البلد، وكي يصبحوا ذوي فائدة للعموم»، الذي يساجل البعض بأنه قد يكون ألمع النصوص المناهضة للعنصرية في اللغة الإنكليزية.
يبقى معنى «الهاوي» في عنوان الكتاب، إذْ تساجل دوتش بأنّ سعيد لم يتقصد بلوغ الإتقان التامّ في دراسة سويفت، أو الانتساب إلى نادي دراسات القرن الثامن عشر، بل تعمد البقاء في صفّ هواة يتملكهم سؤال مفعم بالحماسة: لماذا يظل سويفت طاقة كمون تغري بالمجابهة، جديرة بالخصم والحليف معاً، نائية تاريخياً ومعاصرة في آن؟
في تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، صاغ الاستشراق الغربي الشرق كعالم جمود وتخلّف وانهزام، كما حلله بعمق إدوارد سعيد في كتابه الرائد “الاستشراق”، إذ بيّن أن الخطاب الاستشراقي لم يكن مجرد حقبة معرفية بل مؤسسة سياسية وثقافية أنتجت “الشرق” ككيان متخيل يخدم مشاريع التوسع الاستعماري. غير أن هذا الخطاب ولّد ردًا شرقيًا صاغ الغرب كعالم مادي وانهيار قيمي، وكأن الشرق يبحث عن خلاصه الروحي في مواجهة المادية الغربية الفارغة أو كما يصفه فرانتس فانون حين يقول إن المستعمَر لا يرى المستعمِر إلا من خلال عينَي المستعمِر نفسه.
هذا الرد قد يبدو وكأنه مقاومة خطابية لا يشكل نقيضًا بل “استنساخ معكوس” يحافظ على البنية الثنائية عينها لكنه يبدّل مواقع القيم. فالشرق هنا يضع نفسه في موقع المركز الروحي، والغرب في موقع الهامش المادي، لكن الإطار الثنائي نفسه يبقى قائمًا بل يزداد رسوخًا. وهذا ما يعرف في الأدبيات النقدية بـالاستشراق المضاد ، حيث يُعاد إنتاج ذات البنية المعرفية الاستشراقية معكوسة، وكأن المعركة تدور حول من يمتلك الفضيلة لا تفكيك آلية الاستشراق. ما يدفع إلى القول إن الاستشراق المضاد يظل أسيرًا لمنظومته التمثيلية، مما يجعله يصبح دون قصد جزءًا من آليات إعادة إنتاج المركزية الغربية ذاتها.
يضاف لهذا المفهوم بعد بصري آخر هو الاستشراق البصري، إذ يتحول الخطاب إلى منظومة رؤيوية، فيصبح الهامش مركزا بصريا يعيد صياغة المركز في إطار العلاقة بين المعرفة والسلطة. وهنا يتحول الهامش من موضوع للنظر إلى ذات ناظرة، مما يخلق لعبة معقدة من الرؤى والتمثيلات المتقاطعة. هذا التحول يستند إلى تحولات تاريخية كبرى؛ فمع ازدهار الرحلات الاستكشافية والتصوير الفوتوغرافي في القرن 19، لم يعد الغرب طرفا ينتج نصوصا بصرية تعكس النظرة إلى المجتمعات الغربية. ففي مصر، كانت رحلة الطهطاوي إلى باريس عامي 1826 و1831، قد أثمرت في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” تحولا بارزا في بنية النظرة، فلم يعد الشرق مجرد مرمى لنظرات الغرب بل أصبح هو الناظر المسجل لواقع المركز. وهذه النصوص كانت ممارسات استشراقية معكوسة، إذ نظرت إلى الغرب بعين ناقدة وأعادت تشكيله وفق مرجعيات ثقافية محلية. فالطهطاوي، في وصفه لباريس، لم يكتفِ بتسجيل المشاهدات الخارجية بل تعمق في تحليل الحياة الاجتماعية والسياسية الفرنسية، مقارنًا إياها بالواقع المصري، ومستخلصًا دروسًا في التحديث والإصلاح. (2)
غير أنه ظل أسيرا للثنائية التي يفرضها الخطاب الاستشراقي، إذ جعل التقدّم الغربي نموذجا يُحتذى، والتخلّف الشرقي حالةً يجب تجاوزها. وهذا ما جعل كتابته استنساخا معكوسا للخطاب الاستشراقي وإن بنوايا مختلفة. وكذلك نجد علي باشا مبارك في كتابه “علم الدين”، الذي جسّد فيه رحلة بطل شرقي إلى أوروبا، يقدم رؤية نقدية للغرب لكنه يحافظ في العمق على ذات الإطار الثنائي، وكأن الشرق يحتاج دائمًا إلى أن يُعرّف نفسه عبر الغرب، سواء بالإيجاب أو السلب. غير أن هذه الممارسات رغم جرأتها وحداثتها النسبية، ظلت محكومة بثنائية التخلّف/التقدّم، مما جعلها في بعض جوانبها نسخة مقلوبة من خطاب المستعمر، وهو ما يفسر لماذا لم تفلح في تفكيك البنية الاستشراقية بل أعادت إنتاجها في قالب مضاد. وهذا ما أكّده الباحث محمد أركون في نقده للمناهج العربية التقليدية، حيث أشار إلى أن كثيرًا من المحاولات الإصلاحية العربية ظلت أسيرة للأطر المعرفية الغربية حتى في نقدها لها، مما جعلها تكرر ذات الأخطاء المعرفية التي كانت تنوي تجاوزها. فالخطاب الإصلاحي العربي، بامتياز، لم يفلح في الخروج من دائرة المركزية الغربية، بل اكتفى بقلب الإشارات، محولاً الغرب إلى موضوع للنقد والتجريم، لكن دون أن يقدّم بديلاً معرفيًا حقيقيًا يفكك الثنائيات نفسها.
ثمة إشكالية منهجية تتمثل في السؤال: هل ممكن حقًا الخروج من البنية الاستشراقية الثنائية؟ هذا السؤال يضعنا أمام مفارقة معرفية، حيث يبدو التمثيل بأشكاله كافة لعبة لانهائية من انعكاسات تصون ذات البنية، وكأن المركز والهامش وجهان لعملة واحدة. إن ظاهرة المركز المتخيل في وعي الهامش ليست خطابية، بل لها جذور نفسية واجتماعية. نفسيا، نجد أن المهمّش يعيش حالة من “الاغتراب الهوياتي”، حيث يصبح تعريفه لذاته مرتبطا بصورته في عين الآخر. وقد بيّن جورج هربرت ميد، أن تشكّل الذات يتم عبر “الآخر المعمّم”، أي عبر استيعاب نظرات الآخرين وتصوراتهم عن الذات. ومن ثم، عندما يكون “الآخر” هو المركز المهيمن يتحول وعي الهامش إلى مرآة تعكس تصورات ذلك المركز، مما يجعله أسيرا لرؤية الآخر له بدل أن يبني رؤيته الذاتية المستقلة. أما اجتماعيا، فإن الظاهرة تتجلى بوضوح في سياسات التهميش، إذ يعيد المهمشون إنتاج خطاب المركز عنهم. فالمثقف العربي كثيرا ما يجد نفسه في موقع الدفاع عن “الذات العربية” ضد الصور النمطية التي يرسمها الغرب، لكنه في دفاعه هذا يتبنى إطارا خطابيا يحافظ على ذات الثنائية، وكأن الهوية العربية لا تُعرّف إلا عبر نفي الصورة الغربية عنها، مما يضعها في موقع رد الفعل الدائم لا موقع الفعل الخلاق.
فالانقلاب التمثيلي لا يقتصر على المستوى الثقافي أو المعرفي، بل يمتد إلى المستوى السياسي والاقتصادي. فكثير من سياسات دول الجنوب تجاه الشمال تتشكل في إطار رد الفعل على سياسات الشمال، مما يجعلها تتبنى خطابات مقاومة تحافظ على بنية الصراع الثنائي. وفي هذا ما يفسر استمرار الجمود في قضايا العلاقات الدولية، حيث يظل الطرف أسير لنفس البنية التمثيلية التي تكرس الانقسام والتنمُّط. ما يُحتاج إليه إذن هو تجاوز منطق الاستنساخ المعكوس نحو تفكيك البنية الثنائية. وهذا يتطلب وعيا نقديا بأن التحرر الحقيقي من خطاب المركز لا يكون بقلب الإشارات، بل بإعادة النظر في الإطار الذي ينتج هذه الإشارات. فالتحرر التمثيلي والقدرة على بناء تمثيلات الذات والآخر خارج منطق الثنائيات، وفي إطار من التنوع والاعتراف المتبادل بالاختلافات. وهذا يتطلب أيضا تجاوز الإيديولوجيا الدفاعية نحو تأسيس خطاب نقدي ذاتي يبدأ من نقد الذات قبل نقد الآخر. فالخطاب النقدي الذاتي هو وحده الكفيل بتفكيك الاستشراق من الداخل، لأنه لا يكتفي برفض صورة الآخر عنا، بل يسأل عن سبب قبولنا لهذه الصورة وإعادة إنتاجنا لها، وعن السبل التي يمكن من خلالها بناء معرفة ذاتية لا تستمد شرعيتها من نفي الآخر أو تقليده بل من عمق التجربة التاريخية والثقافية الخاصة.
«سويفت في التاريخ» ترجمة حرفية بجلاء عن العنوان الإنكليزي Swift in History
والفرق هائل بين الاثنين –
وبالمناسبة كان سويفت تقدميا إلى حد ما على الصعيد السياسي،
ولكنه، بالمقابل، كان رجعيا إلى أبعد الحدود على الصعيد الديني!
مما قد يلقي شيئا من الضوء على الفارق المعني!.
تحية للإخوة صبحي ولبيب وسلطانة
أحسنت أخت لميس، من أقوال جوناثان سويفت التي تعبني –
كلٌّ منا يتمنى أن يعيش طويلا، ولكن لا أحد منا يتمنى أن يغدو عجوزا !
على المرء ألّا يكون مرتقِبََا لأيّ شيءٍ كان، لأنه بهذا لن يُصاب بخيبةِ أملٍ !!.
تحيتي ومودّتي
التي تعبني : التي تعجبني