بدأ التساؤل عن الحقيقة المؤجلة… دروس المغرب بعد الاقصاء المونديالي!

خالد هلالي
حجم الخط
5

الرباط ـ «القدس العربي» :  هناك مباريات تنتهي مع صافرة الحكم، وهناك مباريات تبدأ بعدها مئات الأسئلة. خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي مونديال 2026 لم تكن مجرد إقصاء من بطولة، بل كانت لحظة أعادت فتح ملفات ظلت مؤجلة، وفرضت على الجميع التوقف لإعادة تقييم المشروع الكروي الوطني بعيدًا عن ردود الفعل العاطفية.

السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا خسر المغرب مباراة في كرة القدم؟ بل أصبح: لماذا يتراجع «أسود الأطلس» بدنيا وذهنيا كلما بلغوا محطة الحسم؟ ولماذا يتكرر سيناريو السقوط في اللحظات الفاصلة؟ وهل يتعلق الأمر بالمدرب، أم بضعف البدائل، أم بمنظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة شاملة؟ هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُطرح تحت تأثير الغضب، بل باعتبارها نقطة انطلاق لنقاش حقيقي إذا كان المغرب يريد الانتقال من مرحلة «المنتخب المحترم» إلى مرحلة «المنتخب البطل» القادر على حصد الألقاب التي غابت عن خزائنه منذ لقب كأس الأمم الإفريقية عام 1976.
لا يمكن لأحد أن ينكر الإنجاز التاريخي الذي تحقق في مونديال قطر 2022، حين فرض المنتخب المغربي احترامه على كبار منتخبات العالم بفضل الانضباط التكتيكي والروح القتالية والشخصية القوية. غير أن كرة القدم لا تعيش على الذكريات، وما تحقق قبل سنوات لا يضمن النجاح في الحاضر. فقد كشفت المرحلة التي أعقبت المونديال، وقبل تولي محمد وهبي قيادة المنتخب، عن حالة من الجمود الفني، حيث استمر الاعتماد على الأسماء نفسها من دون ضخ دماء جديدة بصورة تدريجية أو إعداد جيل رديف قادر على حمل المشعل، ما جعل المنتخب يدخل الاستحقاقات الكبرى وهو يعاني من مشكلات واضحة في الجاهزية والاستقرار الفني.
وجاءت مباراة فرنسا لتؤكد أن العمل ما زال بعيدا عن مرحلة النضج الكامل. فبمجرد غياب بعض العناصر الأساسية، ظهر بوضوح أن المنتخب لا يملك «الصف الثاني» القادر على الحفاظ على المستوى نفسه. وفرض المنتخب الفرنسي إيقاعه منذ الدقائق الأولى، ونجح في تضييق المساحات ومنع المغرب من بناء اللعب والخروج بالكرة تحت الضغط، بينما عانى وسط الميدان من فقدان السيطرة والترابط بين الخطوط. وكان أشرف حكيمي أبرز من جسّد هذا الخلل، بعدما وجد نفسه مطالبا بالدفاع والهجوم وبناء اللعب وصناعة الفرص في الوقت نفسه، وهو استنزاف بدني وذهني يعكس خللا واضحا في توزيع الأدوار داخل المنظومة، ويؤكد أن الاعتماد على تألق النجوم وحده لا يكفي أمام المنتخبات الكبرى.
كما أعادت المباراة إلى الواجهة معضلتين مزمنتين تعاني منهما الكرة المغربية منذ سنوات. الأولى تتمثل في غياب المهاجم الصريح القادر على ترجمة الفرص إلى أهداف في المباريات الكبرى، فالمغرب يصل إلى مناطق الخطورة ويصنع الفرص، لكنه يفتقد اللاعب الحاسم داخل منطقة الجزاء. أما الثانية فهي تراجع الفاعلية في الكرات الثابتة والضربات الركنية، التي كانت في السابق أحد أهم أسلحة المنتخب في حسم المباريات الصعبة. ورغم كل هذه الملاحظات، لا يمكن إنكار الأداء الكبير الذي قدمه ياسين بونو، الذي أنقذ المنتخب في أكثر من مناسبة وأكد مجددا مكانته بين أفضل حراس العالم. ولولا تدخلاته الحاسمة لكانت النتيجة أكثر قسوة، وهو ما يؤكد أن المشكلة لم تكن في حراسة المرمى، بل في المنظومة الجماعية ككل. وفي المقابل، فإن الحديث عن مؤامرات أو عوامل خارجية لا تستند إلى أدلة واضحة، بينما يبقى التفسير الفني والبدني والتكتيكي هو الأقرب لفهم ما حدث، إذ ظهرت فرنسا أكثر تنظيمًا، وأكثر جاهزية، وأفضل استغلالا لتفاصيل المباراة الصغيرة التي تصنع الفارق في المواجهات الكبرى.
وتضع هذه الهزيمة محمد وهبي أمام مسؤولية كبيرة تتجاوز مجرد تصحيح الأخطاء الظاهرة. فاستمرار المشروع يفرض مراجعة ذاتية شجاعة، وإعادة النظر في طريقة إدارة المباريات، وفي الاختيارات البشرية والتكتيكية. كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بالأسماء أو بتاريخ اللاعبين، بل تعترف بالجاهزية والمرونة والقدرة على التكيف مع المنافسين. ومن هنا، يصبح من الضروري أن يخرج الجهاز الفني من دائرة الرؤية الضيقة، وأن ينفتح على التقارير الفنية المتخصصة والاستشارات الخارجية، لأن تعدد زوايا النظر قد يكشف ما لا تراه العين المنغمسة في تفاصيل العمل اليومي.
وفي المرحلة المقبلة، لا مكان للعاطفة أو المجاملات في اختيار اللاعبين. ينبغي أن تصبح الجاهزية البدنية والذهنية والمردودية داخل الملعب هي المعيار الوحيد لارتداء قميص المنتخب، سواء كان اللاعب محترفًا في أوروبا أو في الخليج، أو ينشط في البطولة الوطنية. فالاستحقاق القادم، والمتمثل في كأس الأمم الإفريقية 2027، يتطلب إعداد منتخب متكامل نفسيا وبدنيا وتكتيكيا، قادر على مجاراة النسق العالي حتى اللحظات الأخيرة. كما أن التطور الكبير الذي شهدته المنتخبات الإفريقية في السنوات الأخيرة، وما قدمته من مستويات لافتة في مونديال 2026، يؤكد أن المنافسة على اللقب القاري ستكون أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وأن الفوز به لن يتحقق إلا بمنظومة قوية تملك الجودة والعمق والجاهزية.
خارطة طريق محمد وهبي يجب أن تكون واضحة ولا تحتمل التأويل: الفوز بكأس الأمم الإفريقية 2027. فالجمهور المغربي لم يعد يكتفي بالمشاركة المشرفة أو العروض الجميلة، بل ينتظر بطولة تؤكد أن ما تحقق في مونديال قطر وأمريكا لم يكن مجرد إنجاز استثنائي، وإنما بداية مشروع مستدام قادر على صناعة الألقاب. وإذا لم يتحقق هذا الهدف، فسيكون من الطبيعي فتح باب التقييم والبحث عن رؤية فنية جديدة استعدادًا للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها مونديال 2030.
رغم مرارة الخسارة، فإن الصورة ليست قاتمة كما قد تبدو. فالمغرب يملك اليوم مشروعا كرويا يُعد من بين الأكثر طموحًا في القارة الإفريقية والعالم العربي، بفضل ما تحقق من استثمارات كبيرة في البنية التحتية، وتطوير مراكز التكوين والأكاديميات، ورفع جودة العمل داخل مختلف الفئات السنية. غير أن قيمة هذه الاستثمارات لن تُقاس بعدد المنشآت أو جودة المرافق، بل بعدد الألقاب التي ستدخل خزائن الكرة المغربية. كما أن سياسة برمجة المباريات الودية تستحق مراجعة جدية، لأن الاحتكاك المنتظم بمنتخبات من الصف الأول عالميا هو السبيل الحقيقي لاكتشاف مواطن القوة والضعف وتصحيحها قبل دخول المنافسات الرسمية، بدل انتظار البطولات الكبرى لاكتشاف الأخطاء بعد فوات الأوان. فالمنتخبات التي تطمح إلى التتويج لا تختار المباريات السهلة، وإنما تبحث عن أصعب الاختبارات لتبني فريقا قادرا على الصمود في لحظات الحسم.
ما حدث أمام فرنسا يجب ألا يُقرأ على أنه نهاية جيل، بل على أنه إنذار مبكر شديد اللهجة. فالمنتخبات الكبرى لا تنهار بسبب خسارة مباراة واحدة، لكنها قد تتراجع إذا تجاهلت الدروس التي تكشفها الهزائم. وإذا كان مونديال قطر قد علّم العالم أن المغرب قادر على صناعة التاريخ، فإن مواجهة فرنسا ذكّرت الجميع بأن المحافظة على القمة أصعب بكثير من الوصول إليها. والحقيقة المؤجلة التي كشفتها هذه المباراة ليست أن المغرب خسر أمام منتخب قوي، بل أن مشروع المنافسة على الألقاب يحتاج اليوم إلى مراجعة شجاعة، وتجديد مستمر، وجرأة في اتخاذ القرار، مع استثمار كل الإمكانات التي وفرتها المملكة في كرة القدم على النحو الأمثل. فالطموح المغربي لم يعد يقتصر على بلوغ الأدوار المتقدمة، بل أصبح الفوز بكأس أمم إفريقيا 2027 وترسيخ مكانة المنتخب بين كبار العالم قبل استضافة مونديال 2030. ولن يتحقق ذلك إلا إذا تحولت هذه الهزيمة إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي، لا إلى مجرد صفحة أخرى في سجل الفرص الضائعة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عثان:

    تحليل عميق يجترح بكل دقة عوامل متعددة قد تفسر العجز التواصل لتحقيق العلامة الكاملة والظفر باللقب

  2. يقول لمراني علوي:

    بارك الله جهودك دكتور خالد بهذا المقال التحليلي الرائع تأكدت أنك أكثر من مشاهد او متيم بالكرة المستديرة بل محلل واقعي وراصد دقيق لكل مايحيط بلعب كرة القدم وقادر على الابتعاد عن التحليل المبتدل الذي لا يخرج عن دائرة المؤامرة وبكل صراحة بمثل تحليلاتك وبأمثالك يجب أن تزين بلاطوهات التحليل الرياضي. والاجمل من ذلك أن المقال ينشر في موقع القدس العربي ذي الصيت العالمي الواسع. وفقك الله دكتور على ماخطته يمينك

  3. يقول سعيد بن الوليد:

    مقال وثق للواقع بشكل كبير

  4. يقول احمد المغرب:

    كرة القدم لم تصبح فقط 90دقيقة للفرجة بل مشروع اقتصادي سياحي تنموي …وعامل استقرار اجتماعي.ولهذا اصبحت اللقاءات الكروية الدولية لا تقتصر على رقعة الملعب بل حرب اعلامية نفسية تضليلية واستخباراتية للتأثير على المنافس. وهذا ما باعته فرنسا عبر الاعلام على ان فريقها الأفضل عالميا والذي لا يقهر فسقط في الفخ المنتخب المغربي.فانهزم نفسانيا قبل دخول المبارة.
    استنتاجا يجب ليس فقط التأطير البدني والتكتيكي بل كذلك النفسي والاعلامي.وتكوين عرين يحتوي على خمسين لاعبا ان فقد احدهم بالاصابة اوغير لم يأثر على المجموعة. وهذا يتطلب من عشرين الى ثلاثين سنة كما هو حال جميع المنتخبات القوية حاليا. والمغرب ان كان تجاوز بداية التاسيس وبسرعة تبهر وذلك في اقل من عشر سنوات اصبح يحتل المركز السادس عالميا فالمسار مازال الى الامام ولا بد من مزيد من الوقت والمثابرة والصبر والاجتهاد لنصبح بين الأربعة الاواءل.
    وما ذلك على الله بعزيز لما فيه خير للبلاد والعباد

  5. يقول ناجي:

    اذا كانت البرازيل والمانيا اقصيتا فما بالك بالمغرب؟؟
    هل الكرة المغربية اكثر تطورا من الكرة البرازيلية والالمانية ؟؟

اشترك في قائمتنا البريدية