الناصرة ـ «القدس العربي»: اعتبرت المنظمتان الحقوقيتان داخل أراضي 48 «عدالة» و «الميزان» قرار جهاز التحقيق الإسرائيلي بعدم محاكمة المتورطين بقتل الأطفال الفلسطينيين الأربعة على ساحل غزة خلال الحرب على قطاع غزة في الصيف الماضي، دليلا على إصابته بعطبٍ جوهريّ.
وتساءلتا في بيان مشترك أمس: ألا يستطيع الجيش الإسرائيلي، بكل تقدّمه وعتاده، أن يميّز بين مقاتل مدجج وطفل يلعب عند شاطئ البحر؟.
وكان جيش الاحتلال قد أعلن نهاية الأسبوع المنصرم عن إغلاق ملفّ التحقيق بجريمة قتل أطفال عائلة بكر الأربعة، عاهد (9 سنوات) وزكريّا (10 سنوات) ومحمّد (11 سنة) وإسماعيل (10 سنوات)، وذلك بهجومٍ صاروخيّ لسلاح الجوّ الإسرائيلي استهدف مجموعة الأطفال الذين كانوا يلهون على شاطئ ميناء الصيّادين في مدينة غزّة في 16 تموز/ يوليو 2014.
في تقريره، اعتمد الجيش الإسرائيلي في إغلاق الملفّ على ادعاءات فنّدها المركزان جملةً وتفصيلا، وذلك عبر شهادات جمعاها من شهود عيانٍ تواجدوا في الموقع وتوجّهوا على إثرها برسالةٍ عاجلةٍ للمدعي العسكري العام للجيش الإسرائيلي تطالب بفتح تحقيقٍ فوريّ بجريمة القتل النكراء.
وجاء من مركز الميزان ومركز عدالة أنّ «الشهادات التي جُمعت على لسان الشهود تؤكّد أن هذه المنطقة لم تكن منطقة عسكريّة، وذلك بعكس ما يدّعيه الجيش الإسرائيليّ في تقريره. وأن هذا الموقع هو جزء من ميناء الصيّادين، وهو بمحاذاة استراحةٍ «الشراع» وإلى جوار عدد من الفنادق وقاعة للأفراح. في الشهادات التي جُمعت يظهر أن من كانوا يجلسون في الاستراحة أصيبوا هم أيضًا نتيجة الغارة ذاتها». إضافةً إلى ذلك، قدم المركزان عددًا كبيرًا من التقارير الصحافيّة التي تؤكّد تواجد الصحافيين في الموقع الذي تعتبره إسرائيل «عسكريا». وقال مصوّر صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية الحائز على جائزة بوليتس، تايلور هايكس قال لصحيفة «الغارديان» البريطانيّة إن الموقع «أبعد ما يكون عن أن يبدو مستخدما من قبل مقاتلي حماس». مصادر صحافيّة أجنبيّة تواجدت في الموقع لفترات زمنيّة طويلة أكّدت هي الاخرى أنّ الموقع يُستخدم من قبل الصيّادين بشكلٍ دائم، ويمكن دخوله عبر الشاطئ العام للميناء».
و شدد المركزان على أنه «حتّى بالاعتماد على الادعاءات الإسرائيليّة الكاذبة، لا يُمكن إغلاق ملف التحقيق وتبرئة الجيش من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، إذ حتّى لو افتراضنا جدلا وجود موقع عسكريّ في المكان، فذلك وحده لا يبرر القصف دون تمييز الشخوص الموجودة في الموقع، خاصةً وقد اعترفت إسرائيل أنه في لحظة القصف لم تكن هناك أيّ أعمال قتاليّة تصدر عن هذا الموقع، وهو ما تشترطه قوانين الحرب الدوليّة». والاعتراف بعدم وجود أي عمليّات قتاليّة صادرة عن ذلك الموقع في لحظة القصف كفيل وحده، بحسب مركز الميزان ومركز عدالة، بتوجيه اتهامات للجيش الإسرائيلي بانتهاك القانون الإنساني الدوليّ.
كذلك استنكر مركزا الميزان وعدالة ادعاءات الجيش الإسرائيلي بعدم قدرته تمييز الأطفال في مواقع القصف إذ اعتبراها ادعاءات «لا تمت للمنطق بصلة فالجيش الإسرائيلي يمتلك قدرات تكنولوجيّة عالية تمكنه من التحقق من أدق التفاصيل على الأرض، ومع هذا فلم يكن الجيش بحاجة إلى هذه التقنيّات ليميّز أنّ أشخاصا لا يبلغ طولهم، بحسب شهود عيان، مترا وعشرين سنتيمتر بثياب صيفيّة قصيرة ودون أي سلاح، ليسوا مقاتلين من حركة حماس».كذلك استهجن المركزان «أن لا يستطيع الجيش الإسرائيلي، بكل قدراته وخبراته العسكريّة، أن يميّز بين حركة عبثيّة لأطفالٍ يلعبون وبين حركة مقاتلين يستعدّون لتنفيذ عمليّات قتاليّة».
وأكّدا أنه من أصل أربعة شهود عيان قُدمت إفاداتهم للمدعي العسكري العام، لم يستدع الجيش الإسرائيلي غير شاهد واحد ليُدلي بإفادته في حاجز إيريز (شمال قطاع غزة) وهو طفل يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة وفقاً لتقرير طبي أرسلت نسخة منه للمدعي العسكري، فيما لم يستدع ثلاثة من الشهود أبدوا استعدادهم للإدلاء بشهادتهم. ويذكر الجيش الإسرائيلي في تقريره أن الشهود الغزيين الذين تمّت دعوتهم للإدلاء بشهاداتهم رفضوا الحضور. وتعقيبًا على هذا الادعاء، أكّد ألمركزان أن «المصادر الصحافيّة الأجنبيّة تؤكّد أن أيا من الصحافيين الأجانب الذين تواجدوا في موقع الحدث، صوّروا فيه وكتبوا عنه لم يتم استدعاؤه للتحقيق. وهو ما يؤكد عدم نيّة الجيش الإسرائيلي الوصول إلى الحقائق». وأضاف المركزان أن «ما لا يذكره الجيش الإسرائيلي هو حجم المعاناة، والتنكيل والملاحقة التي يتعرّض لها الفلسطينيّون في معبر إيريز من قبل الجيش الإسرائيلي اعتقالات تعسّفيّة، تحقيقات لساعات وأيام طويلة، واستغلال لقدوم الفلسطينيين من أجل الضغط عليهم للتعاون مع المخابرات الإسرائيليّة. هذه ممارسات تقوم بها إسرائيل حتّى ضد المرضى الذين يخرجون من غزة لتلقي العلاج، فكيف يثق شهود العيان الفلسطينيّون بالجيش الإسرائيلي وهم سيدلون بإفاداتهم ضدّه؟»
بهذا الصدد أكّد المركزان أن «خوف الشهود ورفضهم الإدلاء بشهاداتهم لدى الجيش الإسرائيلي يؤكد أن منظومة التحقيق الدوليّة المستقلّة هي وحدها القادرة على الوصول إلى حقيقة ما حدث في غزّة، وأن جهاز التحقيق الإسرائيلي تابع للجيش يفتقد الشفافيّة والاستقلاليّة كما يفتقد النزاهة والحياد.»
وخلصا في التعقيب إلى أنّ جيش الاحتلال استمع إلى نفسه وضرب بعرض الحائط الشهادات التي قدّمتها المؤسسات الحقوقيّة. كما تجاهل تمامًا عشرات الإفادات التي كتبتها الصحافة الأجنبيّة من موقع الحدث ولم يتكلّف دعوة الصحافيين للإدلاء بشهاداتهم.
وديع عواودة