لماذا ينتحر السوريون؟… وهل يختلف الانتحار يأسا عن الانتحار حبا؟

حجم الخط
5

أنطاكيا – «القدس العربي» : لم تعد مجرد حوادث عادية، بل أصبحت حالات متكررة تزايدت وتيرتها خلال العام الجاري. فعدد من الشبان السوريين أقدم على الانتحار مؤخرا، ليكون قتل النفس وإنهاء شخص لحياته بيده، وبعد اتخاذ قرار حاسم بذلك، أمرا غريبا لم يكن ضمن المشاهد التي نراها في المجتمع السوري. ذلك المجتمع الوسطي الذي يحمل مستويات مختلفة من العقيدة الإسلامية التي تصنف الانتحار على أنه إحدى الجرائم الكبيرة التي يرتكبها المرء بحق ذاته، إذ أنه وحسب التعاليم الدينية لا يحق للمرء إنهاء حياته كونها ليست شيئا خاصا به بل هي ملك لله عز وجل.
شهد عام 2015 العديد من حالات الانتحار نفذها شبان سوريون معظمهم يقيم خارج حدود البلاد التي دمرت الحرب مدنها وقراها، واستباح الفقر أهلها، وتحول المشهد برمته إلى مشهد دموي يخلو من الحياة الإنسانية الطبيعية، وغصت دول الجوار باللاجئين السوريين الذين يعيش معظمهم في ظروف من الفقر والعوز ويتعرضون لضغوطات نفسية البعض أصبح عاجزا عن تحملها.
منذ أيام قليلة أقدم أحد الشبان السوريين في مدينة أنطاكيا التركية على الانتحار بإلقاء نفسه في نهر العاصي الذي يمر وسط المدينة ضمن مجرى عميق يزيد عمقه عن 20 مترا، إلا أن مستوى المياه في النهر قد لا يتجاوز في أيام الصيف هذه مترا واحدا. وتواردت أنباء مختلفة ومتباينة الرؤى والتحليلات حول انتحار الشاب، إذ قال البعض أن سبب انتحاره كان خلافا مع حبيبته تطور إلى شجار أدى لأن يقذف الشاب بنفسه إلى النهر منتحرا بعد أن تعرض لانفعال نفسي عنيف. فيما تحدثت أنباء أخرى عن أن سبب الانتحار هو اليأس بعد أن وجد الشاب نفسه مشردا في شوارع أنطاكيا التركية من دون عمل، وعجزه عن تأمين متطلبات الحياة فلم يجد حلا سوى الخلاص بهذه الطريقة.
حالات أخرى مشابهة أشيع أن التوترات العاطفية بين الشبان وحبيباتهم كانت السبب في إقدامهم على الانتحار. إحداها التي حدثت منذ أسبوع تقريبا في مدينة «سلمية» السورية، حيث تحدثت وسائل إعلام سورية عن إقدام طفل لا يتجاوز عمره 14 عاما على الانتحار بسبب تخلي حبيبته عنه، ليفجر نفسه بقنبلة يدوية، ما دفع المتابعين للحادثة للاندهاش حول عمر الطفل العاشق وجرأته على الانتحار. كما كان السؤال الأكثر طرحا عن كيفية وصول طفل بهذا العمر إلى اقتناء قنبلة يدوية. والتفسير للأمر بدا واضحا فالفلتان الأمني في مختلف المناطق السورية سواء كانت تابعة للنظام السوري أو للمعارضة غدا السمة الأساسية السائدة في ظروف الحرب التي تمر بها البلاد.
وفي منتصف آذا/مارس الماضي أقدم شاب سوري على الانتحار في منطقة الجبل الأخضر في العاصمة الأردنية عمان، فشنق الشاب نفسه بعد خلاف حاد مع زوجته وأطفاله كانت أسبابه مادية تتعلق بحالة الفقر والعوز التي تعيشها الأسرة، فكان رب الأسرة من دون عمل وحيث لا مساعدات حقيقية لمعظم اللاجئين السوريين إلا القليل مما تقدمه المؤسسات الإغاثية أو ما تقدمه الأمم المتحدة من مساعدات يتم تقنينها باستمرار.
شاب سوري آخر من حلب قتل نفسه شنقا في منطقة النبعة بلبنان، حيث شنق نفسه احتجاجا على الممارسات القمعية التي يمارسها جنود وعناصر تابعون لحزب الله اللبناني ضد السوريين في منطقة تعتبر من أكثر المناطق إهمالا من قبل الحكومة اللبنانية، يسيطر عليها عناصر الحزب، ويمارسون شتى أنواع «البلطجة» بحسب شهود من المنطقة.
حالات عديدة أخرى لم يتم إدراجها ضمن التقرير لتشابهها مع ما ذكر آنفا، كلها تعبر عن مستويات متباينة من الضغوط النفسية التي يتعرض لها الشبان السوريون، سواء داخل البلاد أو خارجها، وتؤدي في بعض الأحيان إلى وصول الشاب إلى طريق مسدود لا مخرج منه بحسب رؤيته، إلا بإنهاء الحياة للتخلص من المعاناة.
ولكل ما سبق كان لا بد من اللقاء بمختص نفسي يشرح ما يحدث وكيف يحدث، وهل تختلف حالات الانتحار بسبب الفقر والعوز عن حالات الانتحار المرتبطة بالحالة العاطفية، ولماذا لا تشاهد حالات انتحار بين الشابات السوريات، بل تنحصر كلها بالذكور للتخلص من الألم والإحباط.
الاختصاصي النفسي بلال حوا شرح لـ»القدس العربي» بعض الأسباب التي تؤدي إلى ازدياد عدد حالات الانتحار بين الشبان السوريين فقال «لاشك أن الظرف الاستثنائي الذي يعيشه السوريون عامة والفوضى النفسية التي يعيشها الشباب خاصة هي التي بدأت تخلق مثل هذه الحالات. فحالة الضياع عند الشاب السوري بدأت تدفعه إلى ردود أفعال غير محسوبة، وانتشرت حالة العدائية تجاه النفس وتجاه الآخرين، فظهرت الجرائم وكثرت حالات الانتحار.
ويرى الاختصاصي النفسي أنه لا فرق أبدا بين الانتحار حبا، كما عبر عنه وبين الانتحار يأسا، ويؤكد أنه» لا فرق أبدا بين كلتا الحالتين من الناحية النفسية لأن الدوافع مشتركة، وهي الوصول إلى حالة نفسية من الاكتئاب الشديد، وبلوغ أعلى درجات اليأس، في حين قد تبدو الأسباب مختلفة ظاهريا، إلا أنها ترجع للعامل النفسي المتشابه نفسه».
وبحسب حوا، فإن: «عظم الدراسات تشير إلى ارتفاع نسبة الانتحار بين الشباب السوري وهذا يعتبر أمرا طبيعيا في ظروف الحرب وانتشار الدمار على سائر المستويات».
ويعلل الاختصاصي النفسي انعدام حالات الانتحار بين فئة الإناث وانحصارها في الذكور فقط ضمن الحالة السورية بقوله «انتشرت هذه الحالة بين الشبان بسبب الشعور بالعجز الذي يعتبر قاتلا بالنسبة لأي شاب، بينما قد يعتبر أمرا طبيعا بالنسبة للأنثى لأن التكون النفسي للجنسين مختلف تماما عن الآخر، فضلا عن التمييز بينهما في مجتمعاتنا الشرقية التي لا تحمل المرأة مسؤولية أعباء الحياة وتكاليفها المادية».
لا بد أن تبدأ جهود حقيقية فاعلة لاحتواء هذه الظاهرة الجديدة التي بدأت تتغلغل في أوصال المجتمع السوري، قبل ان تنتشر العدوى بسرعة. ويعتقد الشبان، خاصة المراهقين منهم، ان الانتحار هو سبيل النجاة من ألم الحياة ومعاناتها، ويرى حوا أن هذا يحتاج إلى جهود جبارة وتضافر دول لإعادة إعمار النفوس المحطمة قبل المدن والبلدات المدمرة، لأن حجم الكارثة هائل والعودة للصحة النفسية والتخلص من الصدمة تحتاج لفترات طويلة جدا قد تصل إلى سنوات طويلة بحسب الدراسات النفسية العالمية. لكن هناك حلولا سريعة وطارئة تتمثل من خلال دورات إعادة التأهيل النفسي واستثمار طاقات الشباب وإيجاد فرص العمل، للقضاء على حالة الفوضى التي تعتبر منبع المشاكل النفسية في المجتمعات.

محمد إقبال بلو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    الانتحار هو الانتحار
    والسبب الوحيد للانتحار هو اليأس ( القنوط )

    بسم الله الرحمن الرحيم
    ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر

    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول غادة الشاويش المنفى:

    رضوان ومالك
    عندما وسدت لحدي وأتى يوم القيامة
    حار في مثواي رضوان ومالك!!!
    حدق رضوان بجوعي… قال مالك؟!!
    قلت : يا رضوان حالي مثل حال الليل حالك
    طفرت معدتي من شدة جوعي وطريق الخبز مسدود المسالك
    مت من بردي وجوعي!! هل يرضيك يا رضوان ذلك؟!!!
    انت بواب على مدخل جنات فهيا سد جوعي من ثمارك
    قال…. من أي الممالك؟
    ثم لما أبصر الذل بوجهي ورأى اطراق عيني
    أشفق في حزن عليا….. قال هيا
    هذه الجنة دارك
    جاء مالك
    قل كلا!!!
    كل من يقتل نفسه في جحيم النار هالك
    هاته مالك…… ليس من سكان دارك
    صاح رضوان بمالك
    ما لهذا البوعزيزي موطن في قعر نارك
    أسبق النار لجسمه…. قبل ان يأتي إلينا … واكتفى من كل ذلك!!!!
    الم تسمع؟؟!!! من بلاد العرب من ام المهالك!!!!
    فيه ما يكفيه…. دعه مالك
    صاح مالك في ونادى
    أيها العربي انتحرت؟ خذ كتابك هيا بشمالك
    ان مثواك الأخير درك أسفل
    أسفل من كل المدارك….
    عد به رضوان هيا لبلاد العرب
    وارحني يا اخي من كل ذلك!!!!!
    شعر وزارة المستضعفين عاصفة الثأر ام ذر الغفارية جريحة فلسطينية منشقة عن حزب الأسد الله سابقا

  3. يقول ..moussalim.ali.:

    .
    – من إنجازات حزب العبث العلوي السوري وانتصاراتها .
    .
    – الإنتحار بسبب اليأس ، ورائه مجرم مستبد قاتل .
    .
    – الإنتحار بسبب الحب ، وارئه ملائكة الرحمان .

  4. يقول Nowar سوريا::

    التقرير ليس عالي الدقة في رصد الحالات ففي سوريا و مصر و بيروت أيضاً، هذا العام و العام الماضي، أقدمت عدة شابات على الانتحار بالشنق أو بإلقاء أنفسهن من الدور العالية التي كن يقطن فيها.
    و أما عن توقع و تحليل أسباب كون حالات الإنتحار محصورة في الذكور، فلا أظنه ينطبق، لا على وقائع أن هنالك العديد من المنتجرات، و لا عن أن الذكور أكثر تعرضاً للمطالبه بأعباء الحياة:
    لسبب بسيط أن نسبة اللاجئين من الذكور بين العدد الكلي للاجئين الموزعين على معظم البلدان المجاورة لا تتعدى ثلث المجموع، و الثلثين الآخرين من الأطفال و النساء، و عموماً و في هذه الكارثة، اضطر عدد هائل من الأمهات لتولي شؤون عائلاتهن في اللجوء وحيدات، و هذا ما قد تم توثيقه في تقارير الأمم المتحدة عن أوضاع اللاجئين السوريين في دول الجوار(و ارتفاع نسب طلب الطلاق لذات الدوافع، من قبل النساء ضد أزواجهن: هي ظاهره مرتبطة).
    أما بالنسبة للذكور اللاجئين فهم عزاب في سن التجنيد الإجباري و قد اضطرتهم الأحوال العسيرة للأزمة إلى القيام بحمل مسؤولياتهم الذاتية، منفردين بلاعون، في بلادغريبة، قد تنبذهم، في سن يافع لم يعتادوا قبله على حملها، و لم يعدوا لها!.

  5. يقول من الجزائر:

    أتفهم الانتحار ولا العيش في المجتمعات العربية الحاقدة

اشترك في قائمتنا البريدية