«الفيسبوك» خفف من إعاقتي الاجتماعية في التواصل مع الناس… الفلسطيني خالد صدقة: الكتابة قارب نجاة والحرية شرط أساسي للإبداع

Nov 10, 2015

حاوره: كاظم خنجر
يكتب قصيدة النثر، استطاع وبفترة وجيزة أن يقدم تفسيرا خاصا للوجود عبر استرخائه في التعبير عن اليومي، يحاول تخليص الشكل النثري من الضبابية والعتمة التي طرحها النموذج العربي، فهو ينشر الفوضى، غير مهذب، ضد الجدية، يطرح عاطفته بدون عمليات تجميل بدون بروفات بفجاجة كما يزعم، فالنص هو اللعب ومزيد من اللعب، البساطة لا غير هي التي دفعته لتجاوز الكثير من المفاهيم التقليدية التي تخص الكتابة والنشر، فهو يعتمد «الفيسبوك» كحالة تعبيرية بعيدا عن الكتب والورق، وبهذا يقرأ خالد صدقة الإنسان الحديث عبر قصيدة النثر. خالد صدقة: فلسطيني يقيم في قطر، درس صحافة وإعلام في جامعة اليرموك، أنجز الكثير من رسوم الأطفال لدور نشر عربية. التقيناه فكان الحوار الآتي:

■ ما الهوية بمعناها التراثي، الجغرافي، الديني، السياسي… بالنسبة لشاعر في القرن الواحد والعشرين؟ انه السؤال المحكمة.
□ للأسف لقد واجهت هذا السؤال متأخرا، وسؤال الهوية تحديدا هو كلمة السر، الكود السري الذي سيسمح لنا بفتح كل الأبواب الأخرى، أن نتعرف على ذاتنا، ندرك ماهيتنا، حجمنا، إحداثياتنا في هذا الوجود. هذا السؤال هو الخطوة الأولى نحو أي محاولة للأصلاح، هو الحجر الصغير الذي سنلقيه في بركة اليقين الآسنة المليئة بالمستحاثات الثقافية والموروثات المقدسة والمتعفنة. عرفت متأخرا بأن ما أحتاجه تحديدا هو ثورة، ثورة بكل معنى الكلمة، على جميع الصعد والمستويات، ثورة ضد السائد والموروث، ثورة في مواجة الثوابت والمسلمات والأجوبة القاطعة، إعادة قراءتها ومُساءلة المقدس، مراجعة لكلام الأجداد. لم يعد الإرث الديني والمعرفي الذي لدي يجيب عن أسئلتي، لم يعد ما تقدمه المؤسسات الدينية والمناهج المدرسية مقنعا، لم يعد ما تعلمته في طفولتي يجيب عن أي شيء، هذا الطفل لم تعد تنطلي عليه الأكاذيب.
أعرف أنني وصلت متأخرا إلى شكي بالأشياء، وبأني لم أعد املك الكثير من الوقت، وعليّ أن أسرع، هذا ما أعتقده، أنا لا أريد أجوبة، أنا فقط أريد أن اسأل أكبر عدد من الأسئلة، وهذا بالضروره يحتم عليك أن تبدأ بإعادة قراءة كل المسلمات التي لديك، كل معتقداتك، القوالب النمطية التي نشأت ضمن ظروفها، الكليشهات الجاهزة، الأجوبة المعلبة، وعرفت بأن عليك فقط أن تمتلك الشجاعة الكافية كي تسأل، أن تحاكم معتقداتك من جديد، المسلمات والتابوهات. أنت تتحول إلى شرطي حدود سمج وحازم وغير متهاون، وتقول في عقلك: ممنوع أن يمر أي شيء بدون تفتيش، أنا حاليا أفتش كل شيء، معتقدي الديني، قناعاتي القديمة، عقائدي، انتماءاتي، وجودي، حقائب الفكر، الأسماء الكبيرة هويتي، شكلي، أنا حتى أسائل شكلي. وبالتدريج ستصبح خفيفا بدون أثقالك الدينية والمعرفية، أنت خفيف وحر، لا تمتلك الأجوبة لكنك في وسط الطريق، لقد بدأت تسأل، وبالنسبة للشاعر سيكون عليه أن يبذل جهدا إضافيا، في التحرر والخروج، الاعتراض، قتل الآباء، هدم المعابد القديمة، إعادة محاكمة التاريخ الخاص. يجب ألا يفلت أحد من هذه المحاكمة، أبواك، الكهنة، علاقاتك القديمة، أشيائك المقدسة، أنا حاليا لا أنتمي لشيء، لا أؤمن بشيء، ليس لدي قضية كبيرة أحملها فوق ظهري، لا أحن إلى شيء جغرافيا أو بيت أول، ليس هناك أطر أو مرجعيات أعمل من خلالها، والأهم من هذا كله، أنا لم أعد متيقنا من شيء، ليس لديّ أجوبة قاطعة، أو آراء محسومة، في الحقيقة أنا ليس لديّ موقف معين وثابت من أي شيء، أشعر بأنني خفيف وحر وبلا هوية، الحرية شرط أساسي للإبداع . التحرر والتخفف من شكلك، وإيمانك، سيجعل وزنك أخف، سيحررك من الجاذبية، ويمكنك من الطيران والتحليق بشكل أفضل، من طرح الأسئلة الأكثر جوهرية.
■ كيف تحدد دور «الفيسبوك» في صناعة الشعر وتكوين شخصية الشاعر؟
□ سأتكلم عن تجربتي الشخصية، «الفيسبوك» هو وسيلتي الوحيدة للنشر، أنا لم آخذ الشعر يوما على محمل الجد، قد يبدو هذا غريبا. إليك التالي: قد أموت في ذلك اليوم الذي سأقرر فيه التوقف عن الكتابة، ومع هذا، أنا لا آخذ الكتابة على محمل الجد، الأمر أشبه باللعب، «أريد أن أكتب فقط»، تشبه بموسيقاها «أريد أن ألعب فقط»، على لسان طفل، اللعب من أجل اللعب «الفن من أجل الفن» لا أدري لكن اللعب هو الغواية الوحيدة التي تستحق الذهاب إليها في هذا العالم كل صباح، العالم الذي ليس له معنى في نظري، العالم المبني على عبثية مجنونة وغير عاقلة، أريد أن ألعب فقط، بغض النظر عن الخسارة أو الربح، «الفيسبوك» هو وسيلتي المثالية لنشر ما أكتب، حتى هذه اللحظة، أنا لا أفكر في طباعة مجموعتي الشعرية الأولى. «الفيسبوك» يناسب طبيعتي، أنا شخص انعزالي ومنطو على نفسي أعتقد بأن لديّ إعاقة اجتماعية، أواجه صعوبة في التواصل مع الآخرين، وفي تسويق مشروعي «لعبتي الشعرية»، لذلك كان من المتعذر التواصل ونشر ما أكتب لولا وجود «الفيسبوك».
■ إلى أي درجة تؤمن بالإطاحة بالنمط التقليدي للبناء والتكوين النصي وهل اليوميات هي البديل؟
□ يقول باشلار: «أيها المنهج، أيها المنهج، ماذا تريد مني، إنك لتعلم أني أكلت من اللاوعي!». أنا أسعى طوال الوقت للتخريب، إلى عدم احترام أي شيء، نزع القدسية، أعرف بأن الشعر، هو الخروج. الخروج عن كل شيء، عدم الاعتراف بالنمط، التخلص من العلاقات القديمة، من الشحنات المعرفية والتاريخية. عرفت أن هناك شرطي سير داخل رأسي، وحددت مهمتي: قتل هذا الشرطي، لتقع الحوادث المروعة داخل جمجمتي، لا قوانين هنا، لا شيء ممنوع هنا، إنها لعبتي الكبيرة، لا أتقيد بشواخص المرور، لا أعبأ بوجود الإشارات، أريد أن أندفع بكل الاتجاهات ضد أي شيء وكل شيء، وعدم الاعتراف بالنظام، وأنا أيضا لا أبني بيتا لي أو نظرية، في الحقيقة أنا لا أعرف ما الذي أفعله. أنا فقط أسمح للحوادث الرهيبة أن تقع، واكتفي بمراقبتها، شعر اليوميات أو الشعر الاعترافي، حتى هذا التصنيف أرغب في الخروج منه، أتعرف شيئا، أنا لا أعرف إن كان ما أكتبه هنا شعرا، وإذا كان كذلك، أنا لست متأكدا من قيمته، أعرف شيئا واحدا فقط: إنني في لحظات كثيرة تمر عليّ في يومي، أكون فيها أمام خيارين: إما أن أكتب، أو أقوم بقتل نفسي، أعتقد أن الكتابة لديّ فعل خلاص، الكتابة هي قارب نجاة، مخرج طوارئ، قبوي الذي أهرب إليه من هذا العالم.
■ هناك التزام موضوعي في نصوصك. هل الموضوع هو الحل في تجاوز العتمة التي كونها تأريخ قصيدة النثر العربية؟
□ لا اعتقد بأنني كنت اشتغل على هذا الأمر، لكن هذا الالتزام كان الخيط الداخلي الخفي الذي ربط كل ما كتبت في نغمة واحدة، إنها موسيقاي الخاصة التي تتحلق حول ذاتي، لديّ نزعة ذاتية داخل كل ما أقوم به، في الحقيقة، أنه الفضاء الخاص الذي تحوم فيه كل مدركاتي ومحاولاتي الشعرية، كل ما كتبت هو سيرة ذاتية لعالمي الداخلي بشكل حرفي، أنا لا أستخدم خيالي، أنا أحاول قول الأشياء كما هي تماما، بدون عمليات تجميل، أتركها على سجيتها، ليس لدي معمل أقوم فيه بالاختبارات على مفرداتي الشعرية، أنا أيضا لا أرتدي قفازات بيضاء عندما أكتب، لا أستخدم اليود ومواد التعقيم، العلاقة بسيطة، الأشياء تحدث، ثم تطلب مني أن أكتبها، وأنا فقط أمتثل، لا أشارك، أراقب، أعرض عمليات الخلق بشكل مكشوف بدون محاولة شحنها بطاقة أعلى، اعتقد بأنني أكتب فقط ما أشعر به، وما أعيشه فقط، بدون أن أنتبه بأنني أشتغل على النول نفسه طوال الوقت.
■ «داعش»، ربيع عربي، سقوط أنظمة، صعود أنظمة، صراعات طائفية، مجازر لا تنتهي، هجرة مليونية…أين الشعر من هذا؟
□ الشعر يراقب العالم، الشعر لا يأبه بـ«الآن» والـ«هنا»، الشعر يتحرك ببطء، الشعر لا يقوم بالخطابة وليس له برنامج سياسي، هو لا يستطيع أن يوضح نفسه، الشعر لا يجيب عن الأسئلة، الشعر حكيم، ولأنه ليس متأكدا من شيء، فهو يصمت لفترات طويلة. في اللحظات المصيرية وفي الحروب دائما تخرج الأصوات التي تطالب الشعر والشعراء بدخول المعركة، باتخاذ موقف معين، ودائما تجد من يقوم بالتخوين، البعض ينتظر منه أن يقدم نشرة إخبارية، أن يتكلم عن أعداد الضحايا والأحداث الميدانية التي حصلت بالأمس، الشعر لا يعمل بهذه الطريقه، الشعر يلتزم الصمت في معظم الأحوال، ومع ذلك أنا لا أرى الشعر منقطعا عن الواقع، وهو لا يعيش في برج عال إنه معنا، مع البؤساء مع المحرومين والمسحوقين، مع الفقراء والأمهات، مع الأطفال اليتامى، الأمر فقط، هو أن الشعر غير انفعالي، عاطفته لا تظهر مباشرة، إنه ينتظر ويراقب العالم، وفي لحظة ما، اللحظة المناسبة، عندما يبدأ بالكلام، سيقول كل شيء.

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left