شرف العائلة

حجم الخط
55

جديرة بالاهتمام والتحليل هي ظاهرة شخصية الارتباط بين المسلم والدين الإسلامي، وأقصد بذلك شعور المسلم بأنه يمتلك الدين بشكل شخصي وأن أي انتقاد لهذا الدين أو محاولة لتطوير مفاهيمه هو انتقاد شخصي لهذا المسلم ومساس بكرامته ومحاولة لتغيير مفاهيم خاصة جداً به. هل هي طبيعة التدين الإسلامي التي صنعت شخصانية التملك الديني هذه أم هي طبيعة بشرية قديمة لم يستطع المسلمون التخلص منها رغم مرور الزمن وتطور المفاهيم؟
بنظرة سريعة لتواريخ الأديان، نجد أن أتباع معظمها حملوا مثل هذا الشعور بالمسؤولية الشخصية تجاه الدين والارتباط المباشر للكرامة والسمعة به. كان النقد للمسيحية يهيج المشاعر الشخصية ويثير الحروب ويريق الدماء، وكذا كان النقد لليهودية وغيرها حتى من الأديان القديمة الفلسفية التي تمركزت في شرق آسيا، أمريكا الجنوبية والجنوب الأفريقي. الا أن المناطق التي خرجت الى الحضارة الحديثة بعد القرن التاسع عشر ودخولاً الى القرن العشرين، وبعد أن تعلمت القاسي من الدروس الدينية في هذه القرون السابقة وحتى مطلع التاسع عشر ثم السياسية منذ بدايات الى أواسط القرن العشرين، هذه المناطق فصلت الشعور الشخصي عن الديني في الحيز العام، بمعنى أنها دربت أفرادها على أن النقد الديني لا يعتبر نقداً شخصياً، لا يمثل إهانة فردية، لا يمس كرامة أو يمرغ سمعة، هو نقد لفلسفة أو رؤيا أو ثيولوجيا عامة، لا يملكها أحد، ويملكها كل أحد، لا يحق لأحد أن يحكم نهائياً عليها فرضاً على الآخرين، ويحق لكل أحد أن يحكم عليها ويقيمها لنفسه وطواعية للآخرين. كان الوصول الى هذه المرحلة شائكاً ممرغاً بالدماء، الا أن الغرب وصل وخلفنا خلفه، نلعق جراح النقد ونُثار بوخزات التساؤل ونُجرح ونُهان لأي ومضة تشكيك أو رفض.
فما الذي لا يزال يبقينا في حيزنا الأثري القديم، من أين نتحصل على صكوك الملكية الدينية التي تجعل أي حديث عن الدين مساساً شخصياً وإصابة «لشرف العيلة»؟
لماذا تجرح كرامة المسلم العربي تحديداً اذا ما نقد الآخرون ديناً يدين به أكثر من مليار ونصف مليار انسان، ديناً عمره ألف وخمسمئة سنة، ديناً لا يملكه أحد وهو ملك للناس جميعاً المسلم منهم وغير المسلم؟ بل لماذا يستثار الإنسان المسلم، والعربي منهم تحديداً، اذا ما أعلن آخر عدم ايمانه بفكره الإله والخلق أًصلاً؟
كيف تتحول نظرية فلسفية وثيولوجية بحتة يبحث فيها الإنسان منذ وجد على هذه الأرض، قبل كل ظهور للأديان القديمة منها والحديثة، إلى قضية شخصية، وكيف يتحول الرب إلى ملكية شخصية تتطلب الحماية وتستنخي الذود والدفاع؟ لربما هي حقيقة أن الهوية الدينية هي الهوية الوحيدة الباقية في حياتنا بعد أن ضاعت الهويات القومية، وفُقدت الإيمانيات بالأنظمة السياسية، وبيعت القضايا المصيرية، لربما الدين هو كل ما بقي للإنسان العربي ليرثه ويورثه، هو النجاح والقوة في الماضي، هو العزاء والسلوى في الحاضر، وهو الوعد بالنصر المبين في المستقبل، هو المكون الأوحد لوجود فقدت بقية مقاديره فماع طعمه وفقدت نكهته وبات مهدداً بالذوبان والاختفاء.
فعلى الرغم من كثافة التعاليم الدينية الإسلامية التي تدعو المسلم للترويج للدين والذود عنه، إلا أنها ليست بالتعاليم الغريبة على الأديان الأخرى، خصوصاً الحديثة منها، تلك المبادئ التي واءمها أصحابها اليوم مع مفاهيم حرية العقيدة وحرية الرأي والنقد وخصوصية المفاهيم الدينية كاعتناق وممارسة وعمومية فلسفتها كفكر قابل للنقد. استطاع هؤلاء الخروج من دائرة الملكية «الكراماتية» للدين الى حيز الإيمان الشخصي والممارسة الخاصة مع الإبقاء على الدين في المساحة العامة للدراسة والتفكير والنقد وحتى التشكيك والرفض.
أما المسلم، العربي تحديداً مـــــرة أخرى، فــــلا يزال يحمل الدين عبئاً يحتاج للحماية عن كونه مصدر راحة واشباع نفسي واستكمال روحاني، لا يزال يتعامل معــــه وكأنه ملكية خاصة لا يحق لآخر أن يأتي على سيرتها، كأنه شــرف بيته وكرامة عائلته لا يمكن تناولهما سوى بالمديح، وأي نقد أو إشارة لخلل أو ضعف هما مساس لا يغسله سوى الدم.
قبليون نحن حتى في تعاملنا مع الدين في حين أن الدين فلسفة فسيحة لا يمكنها أن تكون حكراً على عائلة أو تصغر وتنكمش لمساحة كرامة شخصية أو شرف بشري. متى نستوعب هذه الحقيقة فنريح ونستريح؟

شرف العائلة

د. ابتهال عبدالعزيز الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول هشام ميشلان : إسبانيا:

    فالأحزاب هي مؤسسات سياسية تنظِّم العمل الجماعي التعددي، والانتخابات تنظم التنافس السياسي، والفصل بين السلطات ينظِّم سلطات الدولة، والتداول السلمي للسلطة، يضمن دور الإرادة الشعبية الحرة في اختيار حاكمها كلَّ مدة زمنية، ومن ثَمَّ اختياره مرة أخرى، أو رفضه؛ ولهذا لا يمكن أن يكون هناك نظام ديمقراطي، لا يأتي بالإرادة الشعبية الحرة، ولا يمكن أن تكون ديمقراطية تلك التي تَفرض مبادئَ أو قِيَمًا على الإرادة الشعبية الحرة.
    ذلك هو المنطق الواضح الذي يُسلمنا إليه واقع العلمانية واستبدادها في بلادنا، وآية ذلك أن الغرب العلماني أدرَك منذ مدة – ومعه جنوده الأوفياء من علمانيينا الثوار – أن الديمقراطية سوف تأتي بالنظام الذي يختاره الشعب؛ لذا أصبح يخشى من الديمقراطية؛ لأنه إذا كانت الغلبة للتيار الإسلامي، فإن الديمقراطية سوف تأتي بنظام إسلامي؛ لأن الديمقراطية تبدأ بوضْع الدستور، وهو أبو القوانين والوثيقة المنظمة للنظام السياسي، والدستور يجب أن يعبِّر عن الإرادة الشعبية الحرة، ويعبر عن هُوية المجتمع والمرجعية السائدة فيه، ففي الديمقراطية الصحيحة، يكون الدستور إسلاميًّا، إذا كان المجتمع إسلاميًّا، ويكون الدستور علمانيًّا، إذا كان المجتمع علمانيًّا. ففي الديمقراطية الحقة يكون الدستور معبِّرًا عن التيار السائد في المجتمع، وتسمح قواعد الديمقراطية بالتنافس بين جميع القوى السياسية في ظل هذا الدستور.
    فإذا كانت الديمقراطية في الغرب تحتوي على قِيَم وآليات، فعندما نطبِّق هذه الآليات في البلاد العربية والإسلامية، فسوف تنتج قِيَمًا مختلفة؛ لأن الديمقراطية في الغرب تنتج قِيَمًا علمانية؛ لأن المجتمعات نفسها علمانية؛ لذا فالإرادة الشعبية الحرة في البلاد الغربية، تختار القِيَم العلمانية. وعندما تُطبَّق الديمقراطية في البلاد العربية والإسلامية، فسوف تنتج في الغالب قيمًا إسلامية؛ لأن التيار الحضاري الإسلامي هو التيار السائد في هذه البلاد.
    ففى بعض الدول العربية نجد أن الطبقة العلمانية، تريد فرض ديمقراطية لا تقوم على الإرادة الشعبية الحرة الكاملة، بل تقوم على أساس أن الطبقة العلمانية تمثِّل النُّخبة صاحبة حق الوصاية على الشعب، وتريد هذه الطبقة فرْض رؤيتها العلمانية، ثم تترك الشعب يختار داخل الإطار المفروض عليه، ولأن العلمانية ليستْ خيارًا شعبيًّا.

  2. يقول فؤاد مهاني- المغرب:

    ديننا الحنيف هو شرف العائلة وشرف أمة محمد وعزة ومفخرة المسلمين هو متنفسنا الذي لا يمكن أن نعيش بدونه هو نور وهداية الذي نحمد االله على نعمته علينا. والله يا دكتورة إن مآسينا العربية ليست إلا بسبب تخاذلنا في نصرة هذا الدين وتعطيلنا لتعاليمه ورفعنا للواء الإديولوجيات المستوردة من شيوعية واشتراكية وليبرالية وتنكيسنا لراية الإسلام فهنا على أنفسنا أمام الحثالى وتكالبت علينا الامم كما تتكالب الأكلة على قصعتها.

  3. يقول د. اثير الشيخلي- العراق:

    عذراً فقد وصلت متأخراً … لكن ان اصل متأخراً خيراً من ان لا اصل ! كما يقول المثل الأنكليزي!

    اشعر ان كتابات السيدة صاحبة المقال ، تزداد تشنجاً في كل اسبوع و ليس ذكاءاً كما وصفها أخي رؤوف بدران و صارت تزيد من جرعة التشنج ربما من اجل استقطاب المزيد من التعليقات كي يقال ان مواضيعها مثيرة للجدل !

    بيقيني ان السيدة الخطيب صارت توغل في الكتابة في غير تخصصها مرة بعد مرة ، و هذا ما يحصل عادة عندما يحاول اي مثقف الكتابة بطريقة المتخصص في اختصاص ليس من اختصاصه!

    السيدة الخطيب و كما تذكر الويكيبيديا ا تخصصها في الادب و المسرح الحديث اي في النقد الادبي و المسرحي ، فما علاقة ذلك بربكم بهذه المواضيع الجدلية التي دفعتني للإطلاع على تخصص الدكتورة ، فلما قرأت التفاصيل زال العجب و حلت الشفقة !

    فعلاً ، من تكلم في غير فنه اتى بالعجائب !

    قد يقول قائل و مالكم انتم المعلقون تردون على ما ليس في اختصاصكم ربما ايضاً ، و هو سؤال منطقي جداً ، و لكن نحن كمعلقين لا ننشئ مقالاً ابتداءاً في غير تخصصنا ، و انما نعلق عليه بقدر معرفتنا في هذا الجانب و نقول رأينا فيما نعتقده و نمضي !

    لا اريد ان اكرر الرد الواضح على المقال الذي يدل على عدم معرفة بالموضوع بشكل صريح! و الذي تولى اخوان و اخوات اعزاء ورائعون توضيحه تماماً !

    الكلام هنا عن الاسلام تحديداً كدين، و الاسلام خلاصته وحي من الله كما يعتقد اي مسلم و الا فهو ليس كذلك (أي ليس بمسلم) و الوحي كلام الله ، ليس كلام بشر و لا اي مخلوق ، لذا هو الحق المطلق و غير خاضع للنقد من بشر ، التفسيرات البشرية امر آخر تماماً!

    مثال بسيط : فرق بين ان نقول كان على القرآن ان يعطي فرصة اكبر ولا يقول ، الطلاق مرتان … بل اربع مرات (مثلاً) ! و بين ان نقول ان المقصود بالطلاق مرتان هو ان يكون في مناسبتين مختلفتين او ان نقول ان الطلاق لو تلفظ به مرتان في مناسبة واحدة عّدّ مرتان! (الاول تآلي على الله ، الثاني بشقيه تفسير واجتهاد بشري خاضع للتفاوت بين العقول)

    الكلام عن الاسلام كدين خاضع للنقاش انه من الله او لا ، هذا يعتبر قضية تمثل صلب حياة المسلم و هو أمر طبيعي تماماً فالمسلم خلق ليبلغ رسالة الإسلام الى الدنيا قاطبة ، اما النقاش في الاجتهادات و التفسيرات البشرية للنصوص و الاحكام و التفاوت فيها ، هذا ليس مندوباً فحسب و انما مطلوباً و مأموراً به.

  4. يقول غادة الشاويش . المنفى:

    افتقدناك د اثير انت والاستاذ بلنوار دمت ودام قلمك وسعدت اني عدت لاقرا هنا ثانية تعليق الاخ ميشيلان وسبحان الله اقرا تعليقك سلم قلبك وقلمك وادام الله عليك اخلاص النية وفرقان الفكرة وصلابة الايمان بالحق والغارة على كل ضلال مبين لا تنسانا من دعاءك

1 2 3 4

اشترك في قائمتنا البريدية