الرّفاه اللّغويّ

قال الرئيس الأمريكي الأسبق كينيدي في أحد خطاباته عام 1962: «نحن نكتفي في كثير من الأحيان برفاهة الرأي دون أن نبذل جهدا في التفكير». من الناحية النّفعيّة ليس في الأمر تناقض بين التمتّع برفاهة الرأي وبذل الجهد القليل من التفكير، لأنّ من يعيشون على الرّفاه ليسوا ـ غالبا- هم من بذلوا الجهد في توفير أسبابه، وهذا يصدق على الرّفاه المادّي أو الفكريّ، لكن من الناحية اللسانيّة تظلّ المسألة موضوع تدبّر قد يوصلنا إلى نتيجة نقيضة نعني أنّ الرفاه الفكريّ لا يوفّره لنفسه إلاّ المتكلّم نفسه.
الرّفاه الفكريّ الذي يوصل النّاس إلى رفاه الرّأي غير منفصل عن اللغة التي نعبّر بها عن ذلك الفكر أو الرأي المرفّهين، بل إنّ اللغة ستكون هي أيضا مرفّهة. فمن البديهي أنّ التعبير عن فكرة علميّة أو فلسفيّة ـ ولنقل إنّهما من الرّفاه الفكريّ – سيكون مصاغا بعبارات مخصوصة توَصّل إليها من ينتجون تلك المعارف على مرّ العصور؛ ولهذا فإنّ الأفكار التي تنتمي إلى هذا الصنف المجوّد والمنخّل من الكلام لا تنتج إلا بلغات قادرة بمصطلحاتها وبعباراتها الشفافة والدقيقة على أن تنقل هذا الفكر الراقي المرفّه. ولا نريد الدخول في هذا السياق في الجدل الفلسفي الذي دار في القرنين الماضيين حول ما إذا كانت اللغات الطبيعية التي نتكلّمها قادرة على صياغة أفكارنا الراقية والمجرّدة أم هل علينا أن نبتدع لغة صوريّة كالتي يستعملها المناطقة والرياضيّون.
الرّفاه اللغويّ لا يحتاجه الفكر الثاقب والرّأي الحصيف فحسب، وإنّما تحتاجه كذلك الفنون التي تتّخذ من اللغة زينتها، سواء أكان ذلك في الشعر أم في غيره من الأجناس الأدبيّة. وكان الرّفاه يعني عند علماء الأسلوبية الأُوَّل «عدولا «عن طريقة الكلام اليوميّ وإعادة تشكيل للغة بأفانين من القول وبطرق غير مألوفة من الكلام، لكنّ الرّفاه اللّغويّ ليس كالرّفاه الاجتماعي مقصورا على طبقة دون طبقة؛ فللمتكلم العاديّ حقّ في إشباع رفاهه اللغويّ بالأشكال المتاحة له وليس هناك طبقة محرومة لغويّا وطبقة مرفهة لغويّا كلّ الناس سيّان في الرفاه اللغوي. لكن ألن تسقط فكرة الرّفاه اللّغويّ إذا ما افترضنا أنّها حالة عامّة؟
من القواعد الكليّة في التواصل البشري أنّ الإنسان لا يستعمل من الكلام إلاّ قدْر حَاجَته، وسواء آطال أم أوجز ففي إطالته حاجة وفي اختصاره أخرى. والاعتقاد القديم في أنّ البلاغةَ الإيجازُ لا يتلاءم مع هذه القاعدة، بل سيكون ضدّها أحيانا لأنّ المقام التواصليّ هو الذي يفرض علينا أن نُوجز أو نسهب.
فلا يوجد كلام يُصرف بوصفة بلاغيّة مُسبقة ولا يوجد متكلم مُقلّ وآخر مكثر مطلقا، فالمقلّ في أعيننا هو بعين نفسه مكتفٍ والمكثر عندنا يرى نفسه غير مُكثر. إنّ التناسب بين ما أحتاجه منك من معلومات وما تقدّمه لي فعلا هو جزء من التّفاهم الأدنى والاتفاق الضّروريّ بيننا باعتبارنا متخاطبَيْن فهذا يدخل ضمن بديهة التّعاون التي عدّها فيلسوف اللغة البريطاني «غرايس» مبدأ مهمّا وأساسيّا في نجاح أيّ محاورة.
لنفترض أوّلا أنّ حالة الرّفاه اللغويّ حالة صادقة وعندئذ يمكن أن نبحث لها عن أمثلة تؤيّدها في لغة ما. ففي العربيّة الفصحى يمكن أن نستعمل الجملة الإسمية (هند قامت) أو الجملة الفعلية (قامت هند) بالخَياَر للتعبير عن واقعة واحدة. غير أنّ هذا التخيير ليس موجودا في لغات نعرفها كالأنكليزية والفرنسية فهما لا تستخدمان إلاّ الجملة الإسميّة. ويمكن أن نجد الرّفاه اللغوي في المعجم وتدقيقا في المترادفات، فأنا يمكن أن أستعمل في العربية القمح أو البرّ أو الحنطة للتعبير عن مسمّى واحد. ويوجد الرفاه المعجميّ أيضا في تسمية جزئيّات الأشياء وتفاصيلها، فنجد مثلا في العربية أسماء للطائر الواحد ذكرا أو أنثى أو فرخا فالحُبَارَى مثلا يسمّى ذكرُها الخَرَب ويسمّى فرخها النّهار (كتاب الحيوان: 5/449) إن كان هذا في أسماء الطير فما بالك بأسماء الإبل والغنم التي هي مال العرب الأوّل؛ بل إنّ للعرب أسماء كثيرة لكائنات خيالية كالجنّ والغول وغيرها التي يمكن أن تحمل على الدّعة والرّفاه اللغويّين. ومن الرّفاه أيضا أنّ المتكلّم إذا أراد البيان أن يختار بين التشبيه والاستعارة وبين أشكال المجاز والتورية وغيرها من الأساليب البلاغية التي يستبدل منها ما شاء وعنّ له. هذه أمثلة وغيرها كثير ممّا يحتاجه من يقول بالثراء والرّفاه في اللغات ولكنّ المسألة لسانيّا لا تطرح بهذه الكيفيّة فكلّ ما يوجد في اللغة يحتاج إليه حاجة كفاف لا رفاه.
حين نتكلم نبني الكون وفق ما نراه ففي وصفنا لواقعة واحدة تختلف عباراتنا وتراكيبنا لا لأنّ بعضنا يزيّن الكلام بلغة مرفّهة والآخر يعرّيها لعدم امتلاكه الموشّى منها؛ بل لأنّ كلاّ منّا يدرك الواقعة بشكل ويراها من زاوية نظر لا تتطابق مع زاوية غيره من النظر. وأن يكون لمتكلم العربيّة شكلان من الجمل اسميّ وفعليّ فليس في ذلك من رَفاه أو دَعَة، ولكن في كل ضرب من ضربي الجملتين طريقة في بناء الكون يحتاجهما معا متكلم العربيّة.حين يقول (قامت هند) لا يقول الشيء نفسه حين يقول (هند قائمة) صحيح أنّ المضمون واحد غير أنّ التبئير – أي حصر دائرة الانتباه – على هند أو على القيام مختلف بين الجملتين. في كلامنا العامّي عادة ما نقول إنّ (موسى الحاج) هو (الحاج موسى) هذا التطابق صحيح من جهة الوصف الثابت، لكنه غير دقيق من الجهة التي ننظر منها إلى موسى في المثالين، فواحدة تجعل البؤرة اسمه فوصفه وأخرى تجعلها في وصفه ثمّ في اسمه. وكذا الأمر في المترادفات فلا يوجد في اللغة ترادف إذا فُهم الترادف على أنّه تكديس للأسماء على مسمّى واحد، فالأسماء قد تسمّي الأشياء الواحدة باعتبارات مختلفة من ذلك أنّ البُرَّ والقمح والحنطة تسميات لهجيّة للقمح بما يعني أني أعرف إنْ قلت لي في كلامك (قمح) بأنك تنتمي إلى لهجة معينة قد تكون غير لهجتي إن أنا كنت أستعمل اسم القمح. هذا كان في وقته أمّا الآن فزالت الاعتبارات وبقيت الكلم تحتفظ بتاريخها وللتداول أن يقرّر لها البقاء أو الزّوال. ومن جهة أخرى فإنّ الأمر نفسه سيحدث أو قد حدث لتسمية الحُبارى فمن ذا اليوم يحتاج أن يستعمل اسم ذكرها أو فرخها، بل استعمال اسمها هي من كان يفعل ذلك كان يحتاجه أكثر منّا ولذلك اختلقه وما وجه حاجتنا اليوم إليه أو إلى تعديد اسم الغول والسِّعْلاة وما شابهها نحن اليوم لا نخشى الغول كما كان يخشاه مسافر الليل في الفلاة قديما من كان يطول به الطريق وتطول ظلمته. غولنا اليوم الذي يخيفنا بات منّا هو شيء من نوع الفقر والبطالة والتشرد وغيرها من الأسماء التي ربما احتاج من يكتوي بنارها أن يضع لها ولتفريعاتها الأسماء تماما كمن كان على الضفة الأخرى يحتاج أن يضع للرّفاه أسماء حتّى إن كان يعتقد أنّ» العادة رفاه قاتل» كما كان يقول الرئيس الفرنسي الأسبق ميتران.

٭ أستاذ اللسانيّات بالجامعة التونسية

الرّفاه اللّغويّ

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتورجمال البدري:

    موضوعك يثيرلديّ ما وجدته من عدم اتفاق بين الناس عامة والقراء خاصة ؛ بشأن مداليل ألفاظ اللغة العربية الواردة في القرآن…الغالبية ما يزالون ينظرون للفظ القرآني قياساً على المتداول العامي في حياتنا اليومية ؛ ولا يقبلون بسهولة غيره..من هنا يكون القصورالخاطيء.وهذه مناسبة للقول إنّ لفظ القرآن لا يمكن فقه معناه ودلالته وصورته الدقيقة إلا من السياق للآية ؛ ليس ترفاً بل حقيقة ؛ مع معرفة موضع الآية مع التي من قبلها والتي من بعدها ؛ ضمن السورة..لذلك نجد أنّ تفسيرالقرآن من أصعب العلوم عند أهل العربية ؛ ومن هنا سمّـوه علم العلوم.فهوعلم دقيق جامع لجميع المعارف : اللغوية والبلاغية كافة : ( لأنّ العربية شبه الوحي ) كما قالها الأصمعي ؛ والتاريخية والنفسية والفيزيائية والكيميائية والرياضية والعسكرية ؛ كما أشارالرافعي ؛ مع سعة في علوم الحديث والفقه وغيرهما من علوم أساسية له : ( لأنّ القرآن معاضــد للسنة ) كما قالها الزركشي.بمعنى أنّ اللفظ الواحد الوارد في القرآن له أكثرمن معنى وصورة لأنّ أصل التفسير: (مداره المعنى الخلاق من اللفظ المُنزل بالحقّ).لذا نجد مثلاً ألفاظ : الملائكة والربّ والسّماء…لها عدّة معانِ أخر…إضافة لمعناها المتداول.ولأنّ القرآن أنزله الله على النبيّ الخاتم سيدي رسول الله ؛ ليكون للعالمين نذيراً وبشيراً ؛ خصّ دلالته الوظيفية في الأرض على الإنسان والناس ؛ وما له من علاقة في شؤون الحياة المتطوّرة ؛ وبالتالي لنجد في المعاني التفسيرالدائم ؛ ومفتاح تجديد التفسيرعلوم البلاغة لما لها من صورذات سعة واسعة في التشبيهات والاستعارات والكنايات والتوريات والأجناس تنفي الترادف عنها كما تنفي النارفتنة الذهب والفضّة : { ولقد صرّفنا في هذا القرآن للناس من كلّ مثل ؛ وكان الإنسان أكثرشيء جدلاً }(الكهف 54 ).فعلى سبيل البيان فإنّ لفظ ملائكة ورد في القرآن (73) مرّة.منها صورته : { الملائكة 68 مرّة } ومنها صورته : { ملائكته 5 مرات }.المفسرون مع العوام حصروا المعنى فقط بهيئة الملائكة النورانية ذات الأجنحة ؛ كما هي معروفة.فيما جميع لفظ ملائكة في القرآن ذات دلالات أخرى تماماً.بل حتى دلالة الملائكة لسيدنا جبريل…ذكرها بالاسم وليس بوصف الجنس…ليبعد عن الأذهان المفهوم المتداول.هذه هي سعة اللغة العربية التي اختارها الله سبحانه لكتابه العظيم القرآن.وهذه السعة أبداً لانجدها في لغة أخرى : قديمة أوحديثة..من هنا نفهم معنى التحدي في قول الله سبحانه وتعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أنْ يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ؛ ولوكان بعضهم لبعض ظهيراً}(الإسراء88).نكتفي بهذا في جريدة شاكرين للقدس العربيّ سعة صدرها الأصيلة.

اشترك في قائمتنا البريدية