ميشيل دو مونتاني Michel de Montaigne هو فيلسوف وكاتب فرنسي عاش بين 1533 و1592، من أبرز خصاله أنّه كان من عتاة فنّ الكتابة، بل من مؤسسيه هو فن المقالة Essai وهو نثر مخصوص يدور فيه الكلام حرا حول خواطر النفس وتجاربها، وفهم العواطف البشرية وتعييرها. وقد قرأت له في كتابه الذي يحمل اسم مقالات Essais، مقالة مهمة عنوانها في الحزن De la Tristesse أبرز ما جاء فيها أن هذه العاطفة جبانة ودنيئة، لأنّها لا تطرق الباب، بل تدخل من دون إذن وتغتال بلا سلاح بشرا عزّلا ليس لهم إلّا فؤاد كليم وأدوات تعبير بسيطة، قد يسلبهم حتى طرق استخدامها. وكان الرواقيّون يمنعون حكماءهم من أن يحزنوا؛ فالحزن انفعال يربك العقل ويُفقد الإنسان سيطرته على نفسه.
ما شدّني في هذه المقالة تنبيهها إلى أنّ الحزن في طبقات من جهة إبداء اللوعة والتعبير عنها بالعلامات التي في حوزتنا؛ ويضرب مونتاني لذلك مثلا، ملك مصر بسماتيك Psammetichus الثالث أو عنخ كا إن رع، فبعد هزيمته أمام ملك الفرس قمبيز الثاني في القرن السادس قبل الميلاد، فإنّه لما رأى ابنته تقاد في ثياب الذلّ لم يحرّك ساكنا، ولما رأى ابنه يقاد إلى الموت ظل ثابتا، لكنّه حين رأى أحد عبيده في ثوب الإزراء والإذلال ظل ينتحب ويلطم. يقول مونتاني مفسّرا موقفه لمن اعتقد أنّ حزنه على العبد كان أكثر من حزنه على فلذتي كبده: إنّ الحزن على الولدين كان من البشاعة في أعلى درجاته، حتّى إنّه لم يجد له طريقة تعبير؛ ولكنّ حزنه الأخير وجدت طرق التعبير إليه سبيلها. وهذا يعني أنّ الحزن في طبقات أعتاها حزن تنعدم فيه علامات التعبير اللغوية والإيمائية والإشارية وغيرها وأضعفها أن يجد المرء ما به يعبّر عن حزنه. ويضرب دي مونتاني لذلك مثلا لوحة جدارية للرسام الإغريقي تيمانتي Thimanthe يعود رسمها إلى القرن الميلادي الأول عنوانها التضحية بإيفيجينيا Ipheginia وهي ابنة آغامنون الجميلة، وقد تقرّر أن تكون هي الأضحية التي تقدّم قربانا للآلهة، حتى يكون انطلاق المحاربين المشاركين في حرب طروادة ميمونا ومبرورا. تظهر اللوحة الشابة الجميلة أيفيجينا نصف عارية مستغيثة بين يدي آليس وديوميدوس، أو آخيل ويظهر الكاهن كالاكاس الذي يحمل في يد أدوات النحر، ويضع الثانية على وجه كلّه حيرة وتردّد.
على الوجوه علامات يمكن أن تفسّر الحزن على هذه الشابة الجميلة، بدرجات مختلفة. لكن في الناحية الأخرى من اللوحة يظهر أغامنون وقد غطى وجهه بيديه وأداره إلى الناحية الأخرى. يعلّق دي مونتاني على هذه اللوحة بقوله إنّ الرسام اضطر إلى تصوير حزن الحاضرين في مشهد التضحية هذا كلّ وفق درجة تأثره، وبعد أن استنفد آخر ما في جعبته من أساليب رسم هذا الحزن، وحين وصل إلى والد إيفيجينيا رسمه ووجهه مغطّى حتى لكأنّه لا يمكن لأيّ طريقة من التعبير ولا لأيّ ملمح على وجهه يمكن أن يعبّر عن درجة الحزن التي كان عليها. فتغطية الوجه هو علامة فقد للعلامة المناسبة التي يمكن أن تنتخبها لتعبّر عن درجة الحزن: غياب العلامة علامة على حدّ عبارة نحاتنا القدامى، ولكنّها علامة عدمية لشيء فائق لا يمكن أن تستوعبه أيّ علامة.
أن يسعف الحزن صاحبه بعلامة يعبّر بها عنه فذاك اقتدار والتعبير عنه تقليل من درجته التي لا تطاق. وفي هذا السياق يمكن أن ينظر إلى البكاء على أنّه علامة تعبير، وكذلك كلّ العلامات من لطم وندب وتأوّه وعويل وهي أصوات تفقد ترفها اللغوي والثقافي، لتتراجع إلى حالاتها الطبيعية الأولى التي كان فيها المرء حيوانا يصوّت قبل أن يضحى حيوانا ناطقا فينماز عن بقية الحيوانات. يشترك الإنسان في الحيوانية (التي معناها الأصلي والفلسفي: الحياة) مع غيره من الكائنات الحية التي تسمّى الحيوان، في التصويت الطبيعي الساذج الذي يملأ الأرض صراخا عند حالات الهياج التي منها ما نسميه حزنا أو قلقا أو برما. حين بات الحيوان ناطقا كسب صفة الإنسانية بواسطة كثير من الأشياء من بينها تحويل الأصوات الطبيعية إلى رموز يتواضع عليها البشر. لقد بات المرء قادرا على أن يبكي ويعرفنا أنّه يبكي، بل وأن يسمّي ما يفعله بكاء، وبات يعلم أنّ البكاء مرتبط سببيّا وعلاقيا بحالات من الحزن معلومة. بات الإنسان يلطم ويندب ويعرف كيف يسمّي ذلك لطما وندبا؛ بل إنّ بعض اللغات مثل العربية ابتكرت للندبة أسلوبا خاصا يبوّبه النحاة في باب النداء المخصوص، يقال للتعبير عن التفجع على ميت أو فقيد. فلو كان أغامنون من ناطقي العربية وفي حالة حزن تتيح له أن يبكي أو يندب لقال (وا أيفيجيناه ǃ) فيستعمل أداة للندبة هي الواو مع اسم مندوب مذيل بهاء السكت.
الندبة صناعة أسلوبية وتعني بهذا الشكل أنّ من يندب يصرف الوقت كي يتذكر القواعد الأسلوبية والنحوية ويتقيد بها فله، وهو حزين مفجوع، من الوقت ما يمكّنه من حسن تدبّر الأساليب وهذا من نفسه دليل على أنّ الحزن يترك له فرجا ويترك القلب المكدر للعقل نصيبا كي يفكّر في التقيد بالقاعدة. هذه درجة ليست للمحزونين المعنيّين مباشرة بحزنهم، بل لمحزونين هم في الدرجة الخلفية من الحزن مثل الكاهن في الجدارية المذكورة أو مثل آخيل أو غيره؛ أمّا الأب فلا حيلة له في أن يذكر ذلك فهو إمّا أن يصمت، وهذا أقلّ درجة من أن يغطى وجهه، وإمّا أن يصيح ويصرخ أي أن يستعمل الأصوات الطبيعية الساذجة التي تخرج عن أيّ نظام تركيبي مصطنع؛ لكنّ الأصوات أقلّ درجة في التعبير عن الحزن من الصمت الأقل درجة من التعبير بإخفاء الوجه. اصطنع النحاة للحزن الأقصى ( الثكل/ اليتم / الفقد) أسلوبا في التعبير مثلما اصطنع أصحاب اللباس له لباسا أسود حزينا: عليك أن تلبس كي تعبر عن حزنك مثلما تنطق، فتستعمل أسلوب الندبة كي تتفجع فهذا كلّه داخل فيما يسمّى التجويق Orchestration الموسيقي، ويعني تكييف مقطوعة موسيقية لتناسب الأوركسترا ويقتضي ذلك ضربا من التنظيم والتنسيق لعدة عناصر متميزة، تهدف لخلق تناغم وفق نغمية معينة. التجويق اللغوي هو من هذا الضرب ويتمثل في أن يُخلق نوع من التنسيق بين عناصر معجمية وتركيبية لبناء تعبيرة لغوية تؤدّي معنى من الحزن عميقا اسمه الندبة.
هذا التجويق يصل أقصى صناعته في الشعر مع غرض الرثاء الذي يتطلب اختيار متكلم مخصوص قادر على صناعة الشعر والتفنّن في أساليب مدح الميت والبكاء عليه. أين هذا من مشهد يقف فيه مغطى الوجه والد شابة في آخر رمق لها في الحياة يسعى بها إلى موتها من أجل التقرب من آلهة تتشفى بدم الجميلات الناهدات، كي تنصر جيشا في معركة واقعة بين القدر والقيامة.
كم من لوحة في الحزن نراها في حياتنا اليومية يقف فيها الحزين بلا لوحة من رسّام له القدرة على أن يخفي وجها إن ظهر أبان ما لا يمكن أن تكون فيه العلامة مهما صرخت دوالها معبّرة عن درجة الوجع الذي يدور في عمق كائن مكلوم؛ يقف أعزل من دون صوت ومن دون مصوّت كأنّه «في جفن الردى وهو نائم» كما يقول المتنبي في لوحة رسمها بالكلمات يتداخل فيها الوجدان الشجاع بالوجدان الكليم.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية