منذ ستة عقود خلت، وفي غرب الشمال التونسي كان لنا مطبخ مشترك سقفه أعواد وألوانه أغربة سود من أدخنة الطعام، وكانت جدّتي هي من يشرف على هذا المطبخ سواء حين تطبخ لنا جميعا، أو حين تراقب زوجات أولادها وهنّ يطبخن لأبنائها ما أسكن الجوع وأسخن الضلوع.
لم تكن الأرضية مبلطة بالطبع، كانت حجرية لأنّ المنزل الذي كان يسعنا جميعا بناه جدّي على سطح صخري جبلي من أرضه التي ورثها عن أبيه وترك الحقل للبذر. كانت أرضية الحوش ذات ارتفاعات وانخفاضات تعلمنا فيها المشي، رغم أنّ المرفولوجيا لم تكن تلائم استقامتنا المهزوزة بحكم الطفولة الأولى. الأرضية الحجرية غير المستوية تضيف بعدا آخر للصورة: فكما أن المشي عليها يتطلب تكيّفا مع طبيعة المكان، فإن العيش في ذلك البيت كان يقتضي تكيّفًا مع الجماعة. لم يكن هناك استواء لا في الأرض ولا في العلاقات، بل نوعا من التوازن المكتسب، يُبنى بالتجربة وليس بالتخطيط.
كانت جدتي تسمي المطبخ النَّوَّالة، ولو تتبعنا أصول هذه الكلمة في العربية لما أوصلتنا إلى معناها. فعلى الرغم من وجود أصل (ن . و. ل) الذي منه النول وهو الآلة الناسجة، والنوال وهو العطاء لكن لا شيء يحيلك إلى معنى الطبخ وحتى المعروف الذي يمكن أن يشتم منه ريح الطعام الموهوب، فلا يمكن أن يوصل إلى هذا لمعنى. لذلك ينبغي أن نبحث في العبارات الأمازيغية فالنوالة هي اسم قديم لبيت البدو بيت الطوب والخشب الطبيعي وحين تحسنت الأحوال باتت هذه الدور مكانا للطبيخ، أو قل كانت تهجر إلى بيوت «أفضل» وتترك للطبيخ أو لخزن المؤونة.
ومن لم تكن لديه مؤونة للخزن كانت وظيفتها البسيطة طهي الطعام على القدر. هذا التحول الدلالي من مسكن بدوي إلى مخزن، ثم إلى مطبخ قد يعكس بدوره تحولات في نمط العيش، من الترحال إلى الاستقرار النسبي ومن الخزن والاستهلاك المقسّط إلى الاستهلاك اليومي. اسم القدر المتداول يومها هو الطنجرة وفي بحثي وجدت من يردّ العبارة إلى الاسم التركي Tencere لكنّ هذه العبارة تعني قدرا من النحاس، فهو قدر حَضري لا يستعمل إلا في دور من كان قادرا على اتخاذ أوانيه من هذا المعدن النبيل. وأين منه قدر البدو الطيني فلعل جدتي وأسلافها أخذوه من غير التركية لأنّا نجد في السريانية لفظ طنجير لكن يبقى المشكل في كيفية وصول هذا اللفظ السرياني من الشرق البعيد، شرق دجلة والهلال الخصيب إلى الغرب الأقصى. وقد تكون العبارة مرّت بأكثر من لغة حتى تستقرّ تحت هذا المسمّى. لكن لا بدّ أن نشير إلى هذا التطور الصوتي بالانتقال من طنجير إلى طنجرة أي بإضافة تاء التأنيث المنسجمة مع التعريب.
كانت جدّتي تصنع الطنجرة بنفسها وكنت أذكر أنها كانت تجلب طينا مخصوصا تصنع منه الآنية بيديها وبلا آلات، كانت آلتها الوحيدة الحلزون الفارغ لكي ترطب به الوعاء ترطيبا فهمت بعد ذلك أنّه بقايا تقنية حرفية دقيقة، كانت معروفة في صناعة الفخار اليدوي، خاصة في البيئات الريفية. السطح يكون غير متجانس وخشن، ويحتاج في تسويته إلى ضغط دقيق حتى لا تتشكل فيه شقوق أثناء التجفيف، أو الحرق هنا يأتي دور الحلزون الذي تلبسه جدّتي أصابعها إذ تمكّن قوقعته من تليين السطح، من دون أن تجرح الطين، يملأ الحلزون بالماء الذي يجعل الطين طريا وقابلا للتليين بسهولة القوقعة، تحتفظ بقدر من الرطوبة وتوزّعه تدريجيا، بدل سكب ماء قد يُفسد تماسك الشكل المجوّف الذي ينبغي أن يكون مستوي الاستدارة. هذه خطوة أساسية لتحسين جودة الإناء. في غياب أدوات معدنية أو خشبية مصقولة، وفرت الطبيعة بدائل جاهزة: قطعة من حجر أملس، حجر قوقعة حلزون. ما كانت تفعله جدّتي هو تقنية معروفة في تقاليد فخارية قديمة جدًا توصل إليها القدامى بخبرتهم في تحسين تماسك بنية الآنية قبل إحمائها.
كانت جدتي تطبخ في الطنجرة مرقا بلا دجاج تسمّيه الطبيخة؛ والطبيخة عبارة عربية صحيحة، إنّها شقيقة المطبخ الذي يسمّى نوّالة؛ لكنّها فريدة في عائلتها الاشتقاقية فلا يستعمل الأهل وقتها لا عبارة طبخ ولا مطبخ فللطبخ يستعملون عبارة (تطييب) ومشتقاتها التي ما تزال تستعمل إلى اليوم، بينما ماتت من عباراتنا لفظة الطبيخة. ولا علاقة للتطييب بالطيبات، بل يعني اللفظ ضمنا تليين ما يطبخ من خضر ولحم دجاج «عربي» حتى يسهل طحنه.
كانت جدتي تستعمل آنية زيت بلورية وكانت الآنية بالتهذيب الذي فيها أكثر الأدوات حداثة ولطفا فأغلب ما في النوالة كان بدائيا خشبيا أو حجريا أو طينيا وأكثر من الزجاجة لطفا وأناقة غطاء الفلّين وهو سدّاد رفيع يقي الزيت، ولكنّه يلبس الزجاجة عمامة فاخرة. تغلق القنينة بسدّاد الفلّين فلا يتجاوز عنقها ولا يسقط ولكنّه قد يسقط أحيانا فتتركه جدّتي في الآنية. لم الغطاء يسمّى (غلاق) أو (طابو) الأوّل أصله الاشتقاقي ظاهر من (غلق) ولكنّ الثاني غريب من جهة التأصيل والتشقيق. أغلب الظنّ أنّ عبارة طابو تركية عثمانية من لفظة tapu، وهي في الأصل تعني «سند ملكية الأرض.» الذي هو عنصر إثبات رسمي يغلق كلّ باب للتحيّل على الملك أو التسيب فيه. وقد تقرب أيضا من الاسبانية tapa الذي يعني الغطاء والسدادة، ولا سيما في أواني الخمر البلورية. هنا تبدو العبارة أقرب إلى الإسبانية من الإيطالية، ولكن لا أحد يمكن أن يحسم ملكية أصلية للكلمات وكيفية انتقالها بين المعاني واللغات.
أردت أن أبين وأنا في مطبخ بدائي كيف تتنوع الكلمات وأصولها وكيف تسافر من غير إذن بين الحضارات، فلو استعملتها الساعة لعدت في لهجتنا التونسية من الغريب البائد، والحقيقة أنّها في معجم جدّتي وجدّي يمكن أن تكون أشكالا معرّبة أو منقولة من كلمات أقدم منها بكثير سافرت واتخذت في أصواتها وفي نطقها أثوابا صوتية محلّية. إنّ الكلمات لا تعيش داخل حدود، بل تتحرك كما تتحرك أدوات المطبخ وعادات الطبخ، وغالبا ما يكون تحرّكها دون جواز عبور، ودون وعي من مستعمليها. فالنوالة تحمل أثرا أمازيغيا، مرتبطا بالمعمار البدائي وبموادّه البسيطة. أمّا الطنجرة فقد قدمت من أزمنة قديمة، ومن أمكنة بعيدة، ولا شكّ في أنّها ما تزال تعيش إلى اليوم بثوبها الصوتي نفسه، ولكن بإحالات مرجعية مختلفة غاب فيه الطين والنحاس وبات المقاس بما لا يقبل الصدأ (مختصره الفرنسي Inox )، مرّت واستقرت أمّا السدّاد (غلاق) فعربي صرف، وُلِد من حاجة يومية مباشرة داخل اللغة نفسها، ولكنّ الطابو ولد باذخا خمريا زجاجيا، وظلّ على قدره الرفيع بعد أن أسلمت الزجاجات وملئت بزيت الزيتون الذي يكاد يضيء نوره على نوره منعكس لم يغادر فضاءه المتوسطي، ثم وُطّن حتى بدا كأنه لم يهاجر.
ما يجمع هذه الكلمات ليس قِدمها فقط، بل رحلتها: فبعضها عميق الجذور، وبعضها أحدث نسبيا، لكنها وصلت جميعا إلى المكان نفسه، حيث كانت جدّتي هناك في نقطة منقطعة من العالم استقرّت فيها مع جدّي وأجداها وراقها معجمها المقبل من بعيد، بعد أن فقدت علامات الطريق. الأهم هنا أن المطبخ الذي يبدو بسيطًا هو في الحقيقة ملتقى حضارات: طين من الأرض المحلية، تقنية فخار ضاربة في القدم، زيت محفوظ في زجاج، وسدّادة من فلّين مأخوذ من شجرة متوسطية، وألفاظ من أصول متعددة. إنّها التركيب بين الطبيعة واللغة والثقافة.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية.
أرجح أن كلمة طابو tapu التركية أصلها من العربية، الطابِع أي الختم على الشمع الذي يصادق به على الوثائق.