قرأت بالصدفة العابرة قصة للأطفال مترجمة إلى الأنكليزية من العربية عنوانها، «الغراب العطشان» تحكي عن غراب عطش استعمل الحيلة في الوصول إلى الماء. وهي قصة مقبولة من جهة ما يطلب منها بأن تعلم الطفل كي يعتمد على إعمال العقل والاجتهاد في الوصول إلى حاجاته الحياتية والطبيعية، وأنّ الفرق بين العطشان الذي يرتوي، والعطشان الذي يمكن أن يقضي عليه العطش، هو عقل مدبّر وأبرز مظاهر تدبيره أن يجعل الأشياء وسائل يتوسط بها إلى ما كان بعيدا عنه نائيا. واليوم نرى الإنسان في أعلى درجات تحكمه بالعالم اعتمادا على الاستعمال الذكي للوسائل وحسن توظيفها.
كل شيء جيّد إلى هذا الحدّ في القصة، وفي الطفل الذي يمكن أن يفهم غايات القصّ وكيف أنّ الترجمة يمكن أن تكون سبيلا من السبل إلى تعلم لغة أخرى. غير أنّ تلقّي نصّ «الغراب العطشان» في ثقافة عربية لا يمكن أن تجري فيه الأمور بالشكل السليم الذي بسطناه؛ فقد ورثنا في ثقافتنا لعنة الغراب، حين ربطناه منذ قرون بالطيرة أو التطيّر التي تعني تشاؤما من الطير، ومثالنا هنا هو الغراب، ولكنها تعني كذلك تشاؤما من الزمان، أو من بعض الهيئات البشرية التي عادة ما تقترن بالكهانة والاعتقاد، في أنّ شرا ما سيحدث إن رأينا ذلك الشيء. القصة العربية تقول إنّ المسافر إذا أراد السفر أرسل في السماء طيره فإن اتجه يمينا سافر ففي ذلك يمن وإن اتجه شمالا رجع وانتظر لأنّ فيه نذيرا بالشؤم. وينبغي أن نفهم أنّ الأمر تطوّر بالنسبة إلى الغراب، فإنّ مرآه المقترن بسواد لونه وبصوته هو مدعاة للشرّ والتشاؤم، وهذا ورثه العرب منذ القديم حتى بات الغراب في هذه الثقافة ملعونا.
لكنّ الطيرة أو التطير (ولن نميز بين العبارتين في هذا المقال على عادة بعض المتفقهين) ليست فعلا حضاريا وليد الإسلام، فقد كانت طريقة في استقراء المستقبل والتكهن به تعتمد على ملاحظة سلوك الطير وتأويله. في اللاتينية تعني عبارة auspicium المركبة ضربا من العرافة المرتكزة على مراقبة سلوك الطيور. يكون ذلك اعتمادا على التأويل الذي يتعلمه سرا أهل النظر ويعتمدونه في التنجيم. وقد ذكره أفلاطون باعتباره ضربا من التنجيم يعتمد العلامات، أو الإشارات المرسلة من عالم الطير، أو غيره، على النقيض من تنجيم آخر يعتمد على الإلهام، أو الاسترشاد بالظن الخفي. في الأساطير اليونانية مارس تبرسياس النبي الأعمى، وكالكاس كاهن الإلياذة وغيرهما من الحاذقين بالعرافة في علم التنجيم مراقبة سلوك الطيور. ما كان يحدث في العرافة المعتمدة على الطيور أنّ الرومان من الأتروسكيين كانوا يتبنون بعض أساليب العرافة عبر مراقبة الطيور. كان الكاهن العرّاف الأوغور(augur ) وظيفة التحقق من أنّ ما خطّطت له الدولة مقبول، تزكيه الآلهة، وكان يقرأ ذلك في الطالع المرتبط بملاحظة سلوك الطائر وأصواته واتجاهات طيره، وأشكالها، فضلا عن ملاحظة أمور أخرى. التمبلوم templum ، وهو فضاء مقدّس رمزي يقسّم السماء المرئية إلى قطاعات مرتبطة بالآلهة، ثم يفسّر حركة الطيور وأصواتها داخل هذه القطاعات بوصفها رسائل إلهية. ولم يكن هذا الفضاء يشترط وجود معبد أو مزار مبني، إذ كان يمكن إجراء المراقبة في أي مكان بعد تحديده طقوسيا.
التطيّر إذن ليس عادة عربية، ولا هو سلوك مختصّ بثقافة دون أخرى، هو ضرب من العبور إلى رؤية أسرار الآلهة في رفضها أو قبولها لأعمال البشر التي تسوسها الحكومات وإضفاء التزكية والتبريك عليها وليس كما هو اليوم أمر مرتبط بالمستقبل وما سيحمله إلينا، من الأحداث نتيجة لغضب الآلهة على تخطيط البشر واستراتيجياتهم في سياسة الناس والأرواح سلما أو حربا.
المهمّ أنّ هذا التطيّر المعروف أيضا فضلا عن اسمه اللاتيني السابق بعبارة Ornithomancy سلوك قديم كان مرتبطا بالكهنة والعرافين الموظفين للغرض، إلى أن صار سلوكا وحدسا عاما بين البشر. ومعلوم أن تعميم العلم يمكن أن يفقده كثيرا من خصوصياته ومبادئه وقوانينه وأكثر ما فقدته الطيرة وهي تعمّم أنّها جعلت ملاحظة سلوك الطير شيئا مشاعا وحين تشاع الخصوصيات وتنكشف القواعد فإنّها تختزل وتبسّط وتلغى تعقيداتها ولذلك غابت كثير من العلامات المرتبطة بطرق الطيران وبالأصوات مثلا، واقترنت بصوت الغراب المسمى نعيقا وبلونه الأسود ويترجم كلاهما إلى رسالة واحدة معمّمة: أنّ شيئا ما قد يقع فيحدث في النفس شعورا بالرهبة والخوف؛ لذلك يحمل المرء كلّ هذا الخوف لعنة على الغراب الذي لا يفقه من مشاعر الناس نحوه شيئا. لكنّ الثقافة التي تعاقب الغراب للونه لا تفكّر في أنّ هناك غرابا أبيض، ربما بلبل عليها حساباتها، فلونه سيكسر القاعدة إن هو استطاع أن يكسرها لذا لا يوجد في عقل المتطير من الغراب غير الغراب الأسود. في ثقافات أخرى يحظى الغراب بمحبة الناس وهو يمشي في الحدائق بينهم ويحفظون له كثيرا من الودّ ويحمونه مثله مثل بقية الطيور، من غير أن يكون لذلك قداسة كالتي نحملها نحن تجاه الخطاف الذي نسميه طائر النبيّ وندهن رأسه بالزيت اعتقادا منّا أنّها سنّة نبوية.
في ثقافة تحبّ الغراب سيكون نصّ «الغراب العطشان» نصّّا يثير لدى الطفل الشفقة مثلما يثيره فينا نص يحكي عن خطاف عطشان مع اختلاف الدوافع. وحين يحدث ذلك في نفس الطفل غير المتبني لثقافة التطير من الغراب فإنّه سيكون مستعدّا كي يتعلم منه؛ أمّا والطيرة موجودة في خلفيات تلقيه للنصّ فإنها قد تدفع به إلى أن يتمنى في القصة أن يموت الغراب عطشا ولا يعيش حتى لا يحمل شؤما للطفل ولا لأمّه ولا لأبيه ولا لأيّ شخص لديه تجاهه عاطفة حبّ وأثرة.
في ثقافة عربية فصيحة يقول المثل فيها: (إذا كان الغراب دليل قوم // مرّ بهم على جيف الكلاب) فإنّ اعتماد الغراب دليلا في التعليم لن يفيد لأنّه لن يوصل إلا إلى انطباع ليس فيه إلا الخسران والفشل. لذلك لا يمكن أن يقبل الغراب رمزا في تعليم القيم والمبادئ والأخلاق، فما بالك بالتدرب على إعمال العقل إذ كيف يمكن أن يوصل عقل حصيف عاقلا إلى مسار منتهاه تفوح رائحة الموت منه والدناءة تحرسه. وفي ثقافة يقول مثلها العاميّ «ياما جاب الغراب لأمه» (كم أهدى الغراب لأمه) هو مثل شعبي فيه سخرية ممّن يبذل جهدا أو يلقى عناء كبيرا، ليكتشف في النهاية أنّ ذلك الجهد بذل على شيء لا قيمة له وسيقولون، إنّ الغراب قد ينجذب بشدة إلى كل ما يلمع ويبرق تحت الشمس. ولهذا يقال إنّ الغربان تخبئ أشياء لا قيمة لها من نوع المرايا المكسورة وقطع الزجاج وكل شيء يلمع. لا نريد أن ندخل تحت بوابة نسبية التافه وذي القيمة حتى بين البشر، وأنّ القيمة يصنعها التداول والعرف، مثلما تصنعها الذاكرة الفردية وترميز الأشياء البسيطة. لكن نقول إنّ مثل هذه الأمثال تجعل تلقّي نصّ من النصوص في إطار رمزيّ كقطعة زجاج مكسورة يمكن أن ترى فيها جميلة فقيرة وجهها لأوّل مرّة ويمكن أن تتجاهلها من تعيش في مدن شوارعها مرايا.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.
الغراب من الطيور الاكثر ذكاء وعفة وحذرا ويستهويه العيش في الخلوات والقمم ولهذا قيل فيه.
“امنع من عقاب واحذر من غراب”
وليس عبثا ان يكون هو من ارشد احد ابن ادم كيف يواري سوؤة اخيه.
كما جاء في سورة الماءدة
وفي هذا اشارة عرفانية كبيرة لمن تحقق
لالاسف نحن كشعوب نقلنا من التراث والثقافة العربية في مناهجنا الدراسية ما هو رديء وسيء الكثير وكذلك من القيم الجيدة ومنها ما يخص الغراب وكذلك البومة ودرسنا الشعر الجاهلي ولم ندرس شعر سومر وبابل واشور والفراعنة والفينيقيين والامازيغ ودرسنا تاريخ وسيرة عنترة وابو زيد الهلالي ولم يذكر ملحمة كملحمة كلكامش الا المتخصصون ولهذا تعاني شعوبنا الان ما تعاني من حيرة الهوية والانتماء