مخاطبة المَوْهُوم المثنّى في الشعر القديم: عَادةٌ أم رُؤيَة؟

معلومٌ أنّ مَقُولة العَدَد في العربيّة تنقسم إلى ثلاثة فروع هي الإفْراد والتّثنيَة والجمع. ومن يعرفْ لغاتٍ طبيعيّةً أخرى كالإنكليزيّة والفرنسيّة يلاحظْ أنّها تُسْقط من عِدّتها المثنّى.صحيح أنّ هذا يمكن أن يُعتبر شيئا ممّا سميّناه في مقال سابق بالرّفاه اللّغويّ لأنّ في العربية فسحة ثلاثيّة في التّعامل مع المعدودات، تبدأ من الإفراد فالمثنّى ثمّ الجمع، أي أنّ فيها انتقالا مسترسلا في التّكميم أو التّسوير؛ لكنّ ذلك ينبغي أن يرتبط برؤية مخصوصة للكون لا نجدها في اللغات التي تعْدمُ فيها التّثنية.
وما يجعلنا نلتفت في هذا المقال إلى المُثنّى هو ظاهرة لافتة في الشّعر القديم سنُسمّيها مخاطبة الموهوم المثنّى؛ ونعني بالمخاطَب الموهوم مخاطبا داخل الخطاب (لا خارجه) يَفْتَعِلُ الشّاعر وجوده ويتوجّه إليه بالكلام صراحة وكأنّه حاضر بين يديه يشاركه الفعل والانفعال. وسنتناول المسألة من زاوية نظر لسانيّة – لا نقديّة – لنرى إنْ كان في الأمر عادةٌ شعريّةٌ مثلما يُروِّج له النقّاد دائما أم فيه رؤية للكون؟
مخاطبة الموهوم المُثنى في الأطلال هي من نوع ما افتتح به امرؤ القيس معلّقته بقوله (قِفَا نَبْكِ مِنْ ذكْرَى حبيبٍ وَمَنْزِلِ) ومن نوع قول المتنبّي (ذَرَاني والفَلاةَ بلا دَلِيلٍ ) في قصيدة طالعها يحوي مخاطبة موهوم مثنّى إذ يقول (مَلومُكُمَا يَجِلُّ عَنِ المَلامِ).
الشّعر في بُعد من أبعاده نتاج لعمليّة تلفّظ، والتلفّظ هو أنْ ننتج كلاما شفويّا أو مكتوبا هو الملفوظ يُوَجَّه إلى مخاطب؛ وفي كلّ ملفوظ شيءٌ يعرف باسم وضعيّة التّلفّظ تتألف من المتلفِّظ ومتلقّي التلفّظ ومقام التلفّظ والهدف من ذلك التلفّظ.وعادة ما يحوي كلّ ملفوظ عناصر مقاميّة تدلّ على أنّ الكلام قيل في مناسبة ما وارتبط بظرفيّات معيّنة ووجّه إلى مخاطَب معلوم يكون حاضرا في الكلام حضورا فعليّا أو وهميّا. ومن هذه العناصر المقاميّة ضمائر الحضور أي ضميرا التكلّم (أنا ونحن) وضمائر التّخاطُب (أنتَ وأخواته).
بعض المدقّقين من اللّسانيّين يميّزون بين تلفُّظ الخِطاب وتلفُّظ السّرد؛ فمن ميزات تلفّظ الخطاب أن يُجرى بين ضميريْ الحضور بينما يجرى تلفّظ السّرد بضمير الغَيْبة (هو وأخواته)؛ وهذا ما يمكن أن يُلمح في الفرق بين قول الشّاعر (قفا نبكِ أو ملومكما..) وفيه علاقة خطاب بين المتكلم والمخاطَب المثنّى، وبين قوله على وجه الافتراض (وَقَفَا يبكيان معي على الأطلال أو ملومهما يجلّ عن الملام). وأنْ يختار الشّاعر الصّيغة الأولى من التلفّظ يعني أنّه يجدُ فيها رؤية للكون مُختلفة عن تلك التي كانت ستُنجز بضمير الغيبة. سنسمّي الرؤية التي في تلفّظ الخطاب بالرؤية الخَطَابيّة وهي رؤية تَستحضرُ الأحداث وتجعلها تجري عَيانًا وشَهادة وتتجدّد بتجدّد القراءة؛ وسنسمّي الرؤية التي في تلفّظ السّرد بالرؤية السّرديّة وهي رؤية تجعل ما تنقله شيئا واقعا لا تعيد القراءة إحياءه أو بناءه، بل تعيد حَكْيَهُ على أنّه من غياهب الذاكرة.
يُبنى الكونُ الشعريّ بفضل استحضار المخاطبين ومخاطبتهما في الطّلل بشكل يجعل المرافقة والوقوف سَرْمَدِيَّيْن؛ إنّها رؤية لا تحنّط وضعيّاتها التي عاشتها، بل على العكس من ذلك، تبعث فيها الخلود بفعل القراءة المتجدّدة، قراءة تجعل كلام الشاعر على الخطّ كما نقول اليوم وكأنّه حدث للتوّ. الرّؤية السّرديّة (بضمير الغيبة) تصنع ما يسمّى بالمسافة بين السارد وما يسرده وهي مسافة تفصل بين المتكلم ومن كان يخاطبهم وبما خاطبهم به؛ وتكون المسافة طبعا أبعد بين تلك الأطراف والقارئ، لأنّ الرؤية فيها متوارية خلف التاريخ. لكن تزول المسافة في الرؤية الخطابيّة لأنّها رؤية تجعل القارئ على الركح فهي رؤية مُمَسْرَحَة.
المخاطب الموهوم المقصود بالتثنية طرف من داخل الخطاب لا يكون في الغالب مركزيّا في الوضعيّة، بل مشاركا في صناعتها وفي بناء تفصيل من تفاصيلها. فالموهوم يشارك الواقف على الأطلال وقوفه، وقد يلوم الشاعر في موضوع مَا يتعلّق بعلاقته بالمعشوقة أو غيرها. ورغم هذا الجهد اليسير، فإنّ المخاطب الموهوم هو جزء من حركيّة الدلالة في الخطاب لأنّه طرف من أطراف إنتاجها مع الشاعر، سَواء بالفعل (الوقوف على الأطلال) أم بردّ الفعل (العتاب واللوم والعذل).
توجد ضروب من الخطابات تحتاج المخاطب الموهوم، وأبرزها الخطابات ذات الطبيعة الحجاجيّة التي قد يظهر فيها هذا الطرف الموهوم على سطح الخطاب بعبارات من نوع «إنْ قلتَ.. قلتُ»؛ لكنّ الذي في النصوص الشعريّة ليس من هذا النوع إنّه ضرب تتخفّى افتراضيّته ويكون ظهوره جليّا؛ هو ليس جزءا من التوضيب الشّعريّ الصّوريّ كما ظلّ النقاد يتعاملون معه؛ إنّه جزء من رؤية الشاعر للكون قبل أن يكون جزءا من بناء الكون الشعريّ باللّغة.
لكن علينا أن نصل الآن إلى السؤال الذي لا مهرب منه والكامن خلف هذه الرؤية الخطابيّة المُمَسْرِحة للكون الشعريّ المعيش نعني: لماذا المثنّى دون المفرد والجمع أو بعبارة أكثر دقّة ما الذي نجده في المثنّى (وليس موجودا في المفرد أو الجمع) حتى يصاغ المخاطب الموهوم بعدّته؟
لم نعدم لدى القدامى ملاحظات في الموضوع، فلقد قال الأنباري في التعليق على التثنية في «قفا نبك» كلاما هو أقرب إلى العادة الثقافيّة والتجربة الاجتماعية إذ قال: «والعلّة في هذا أنّ أقلّ أعوان الرّجل في إبله وماله اثنان وأقلّ الرفقة ثلاث فجرى كلام الرّجل على ما قد ألف من خطابه لصاحبيْه». (شرح القصائد السبع .. 16). إذا صدق هذا على الثقافة البدويّة فإنّه لا يصدق على الثقافة المدنيّة التي أنتج فيها المتنبي أغلب شعره، وإذا أطمعتنا الرؤية بواقعيّتها فإنّ الروابط بين الثقافيّ واللغويّ (مخاطبة المثنّى) تظلّ معدومة لا تشفي غليل من يريد أن يعبر إلى هذا بوسائط قرائن التخاطب.
مخاطبة المثنّى هي مخاطبة ضعف المفرد وأوّل الجمع وهي مخاطبة من لم يطلب الكثرة (كما في الخطابة) ولا طلبَ القلّة (في أناشيد المناجاة). ومقام مخاطبة المفرد معلوم في الشّعر نجده في مخاطبة الحبيبة والممدوح والمهجوّ والمرثيّ والذّات في الفخر؛ ومخاطبة الجمع مقام معروف بدوره في بعض معاني المدح والهجاء والفخر، إذا تعلّقت بالقبيلة وما شابهها وهي في الغالب مخاطبة لمعلوم ذي مرجع تاريخي، ويكون مؤثّرا في الخطاب. غير أنّ مخاطبة المثنّى هــي مخاطـــــبة لموهوم ودوره في الخطاب غير مؤثّر، بل أوركستري يُحتاج إليه لتأثيت المشهد بالعدد (الوقوف الثلاثي على الأطلال هو وقوف مركزه الشاعر) أو لبناء الموقف بمخالفة العدد (اللوم الذي يولّد الموقف النهائي للشاعر أو العذل الذي يجعل الشاعر يتشبّث بالحبيبة أو الوشاية التي قد يجعلها تهجره هجرة أسبابها ضعيفة بما أنّها قائمة على الكيد والكذب).
هذا الكلام ينبغي ألاّ يقرأ بعيدا عن التطوّر في الرؤية الذي جعل شاعرا كالمتنبي يقول مخاطبا الطّلل – ولا يخاطب شخصين وهميَّيْن ـ قائلا (إثْلِثْ فإنّا أيُّهَا الطَّلل نَبْكِي* وَتُرْزِمُ تَحْتَنَا الإبل). فلم يعدْ الشّاعر ثالث الواقفين أو مركزهما، بل صار الطلل نفسه باكيا على نفسه في جملة الباكين عليه، وفي ذلك مخاطبة جديدة لموهوم أكثر تجريدا تدور دائما في سياق سَعي العدد المثنّى إلى أن يصبح جمْعا لكنّه جمع من أشياء ومن أفكار لا من أشخاص وحَيَوَاتٍ.

٭ أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية

مخاطبة المَوْهُوم المثنّى في الشعر القديم: عَادةٌ أم رُؤيَة؟

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتورجمال البدري:

    الدكتورالمحترم : مقال مثيروقد ذكّرني برؤية زيغ مونت باومان في كتابه ( الحياة السائلة ) والتي يريد بها أنْ تكون الإطارالكليّ على حياتنا ومشاعرنا ورؤيتنا اليومية للأشياء ؛ وعماد قيامها الحداثة السائلة في زمن السيولة..لمواجهة الأزمات وحلّها وفق تجلياته الفلسفية ( الرطبة ). ربّما هومثل ابن عربيّ في فتوحاته المكيّة وفصوص الحكم…ياسيدي : { الاثنين } بمعنى النفس من ذكروأنثى…فخطاب المثنى الموهوم هوخطاب الذات قبل الجمع.فهي ليست من الوهم الموهوم بل من ( المعنى في قلب الشاعرالمغرم ).ألم يقل الله في قرآنه : { ومن كلّ شيء خلقنا زوجين }( الذاريات 49) ؟ والزوج : اثنان ؛ وكلّ زوج زكا ؛ وكلّ فرد خسا.وزكا مقصود الشفع ؛ وخسا مقصود الوتر.إلا الوتر مع الرحمن فهوزكا وزكاة وزيادة خصب ونماء وعمران. والاثنين هكذا قد وردت بلفظها القرآني ( 10 ) مرات ووردت بألفاظ أخرى ( 10) مرات كذلك. أما بشأن الموهوم الذي يخاطب الأطلال ؛ فإنما هي العودة إلى القديم من الفطرة المغروسة في الذات والشخص { وطلل كلّ شيء شخصه }( لسان العرب ؛ مادة : طلل ).والأطلال تسمّى بالعربية : { المستبين }.مأخوذة من القديم الموجود الحيّ ؛ وكلّ قديم ليس له أول على عكس العتيق فله أول…لهذا سمّي الله سبحانه بالقديم.كما سمّي المطرالدائم بالطلل ؛ والمطرأصل الماء والحياة.ومن هنا قال سبحانه بشأن أقدم وأول كتاب أنزله على سيدنا النبيّ موسى الكليم : { الكتاب المستبين }( الصافات117) .وهوكتاب التوراة ؛ لأنه أول كتاب من لدن الله لحياة الناس.وفي هذا ردّ مفحم على الذين يدّعون أنّ التوراة مخلوقة بل هي صفة الله القديم الحيّ كالإنجيل والقرآن.وقد ورد هذا المعنى للأطلال بشعرزهيرابن أبي سلمى لقوله :
    تحمّــل منها أهلها وخلـت لها
    رسوم ؛ فمنها مستبين وماثل
    ومن هنا مخاطبة { الاثنين } مخاطبة الذات في طورالخلق والفطرة : { وقال الله : لا تتخذوا إلهين اثنين }(النحل51).إذن : لفظ اثنين هوالأصل وليس الفرع بل هو درة العقد بين الفرد والجمع إنْ شئت التربيع والتخميس والتسديس والتسبيع والتثمين والتاسوع والعاشور؛ في الرجع والصدع..ألم ترَأنّ الأيام عند العرب بدأت بالواحد فكان ( الأحد ) وكي تتكون البقية من الثلاثاء حتى الجمعة ؛ كان الاثنين المنطلق والجسرلعبورالزمان إلى نهاية الأسبوع.فلا موهوم بلغة العرب فهي من المثاني السبع ؛ في كلّ شيء ؛ قبل الشعروالنثروخطب الجُمع.

  2. يقول توفيق:

    دكتور توفيق قريرة الأكرم
    مقالك دقيق عميق رقيق …
    وأرجو بأن تبعث لي موقعك الفيسبوكي.
    وشكرا

  3. يقول حواء / ماجيستر لغة عربية:

    مع تقديري للكاتب فان تعليق الدكتور جمال اضافة نوعية على ما جاء في المقال . نعم الاثنين من المثنى وهو مصدر للبركة لذلك مال بعض العرب المحدثين الى اتخاذ يوم الاثنين ميقاتا منافسا ليوم الجمعة. ومن الملاحظ ان الدكتور البدري لم يشر الى يوم السبت في تعليقه وهذه نباهته منه، لان الجمعة عند العرب تأتي بمعنى الاسبوع.. والسبت يوم لفق مع الايام وكان يسمى في الجاهلية شيار . من جهه اخرى فأن الاثنين من المثنى ، مكانته تنطلق اساسا من الواحد كرؤية ، لهذا جاء في سورة التوبة ( ثاني اثنين اذ هما في الغار ). والغار المكان المحفور في الكهف، وهو حيز واحد كالرحم ولدت منه حاله (ثاني اثنين) فلو لا الغار لكان كل واحد منهما مفردا. ومن (ثاني اثنين) ولدت الامم الكثيرة.. كما يولد المطر مزنة من القطرة.. لذلك قال ابن عمر في الحديث(وخلق الله السحاب يوم الاثنين) . اخيرا فأن المثنى احيانا يفرد في الخطاب ، واحيانا المثنى يجمع في الخطاب . وكلها من لغة العرب .

  4. يقول الدكتورجمال البدري:

    تحياتي للأستاذ الكاتب الدكتورتوفيق قريرة المحترم ؛ ولكافة المعلقين الأفاضل : قد فرحت أنّ بعض المتابعين يفقهون ما خفي من مقاصد الكتابة ؛ بل ويقراؤون ما بين السطوركعفريت الساحرالمسحورإجادة…وثمة منهم يخبطون خبط عشواء الجرادة ؛ في استرسال القفز؛ كأنهم في مناحة على حمارجحا الذي جعل الموت ؛ أتانه أرملة.تحياتي لحواء : ماجستيرلغة عربية ؛ وأشكرها على التنبيه والنباهة اليعربية.والشكرموصول لمحررالصفحة الثقافية : ( الكريم ) علينا رغم ضغوط النشر؛ وإرضاء الكتـّـاب مهمة أصعب من إرضاء السياسيين المتنافسين على المناصب.

  5. يقول ميس سفيان مصطفى الدهني:

    بدي ابيات شعريه عن الجمع والافراد والتثنيه

اشترك في قائمتنا البريدية