القاهرة – رويترز: رفعت الحكومة المصرية أمس الخميس أسعار الوقود في البلاد بنسب تصل إلى 100 في المئة في بعض المنتجات في إطار خطتها لإعادة هيكلة دعم المواد البترولية.
وهذه هي المرة الثانية التي ترفع فيها الحكومة أسعار الوقود خلال ثمانية أشهر، بعدما رفعتها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بنسب تراوحت بين 30 و47 في المئة، في إطار خطة لإلغاء الدعم بحلول 2018-2019، وفقا لبرنامج متفق عليه مع صندوق النقد الدولي تحصل بموجبه القاهرة على قروض قيمتها الإجمالية 12 مليار دولار.
لكن وزير البترول طارق الملا قال في مارس/آذار الماضي ان مصر لا تستهدف إلغاء دعم الوقود بشكل كاملـ وإنما خفضه فقط خلال ثلاث سنوات.
وقال الوزير في اتصال هاتفي أمس «رفعنا أسعار الوقود بدءا من الساعة الثامنة صباحا (0600 بتوقيت غرينتش)».
وأضاف أن الحكومة رفعت سعر البنزين 92 أوكتين إلى 5 جنيهات (حوالي 0.28 دولار) للتر، من 3.5 جنيه بزيادة نحو 43 في المئة. كما رفعت سعر البنزين 80 أوكتين إلى 3.65 جنيه، من 2.35 جنيه بزيادة نحو 55 في المئة.
وزاد سعر بنزين 95، الذي يباع بالأسعار العالمية بالفعل، بشكل طفيف إلى 6.60 جنيه للتر. من 6.25 جنيه بارتفاع 5.6 في المئة.
ورفعت مصر سعر السولار نحو 55 في المئة ليصل إلى 3.65 جنيه للتر من 2.35 جنيه.
وزاد سعر غاز السيارات 25 في المئة إلى جنيهين للمتر المكعب، من 1.60 جنيه.
وكانت أكبر زيادة في سعر اسطوانة غاز الطهي (البوتاغاز)، الذي قفز 100 في المئة إلى 30 جنيها من 15 جنيها.
كما رفعت الحكومة سعر اسطوانة غاز الطهي التجارية 100 في المئة إلى 60 جنيها من 30 جنيها.
وأوضح الملا أن رفع أسعار الوقود يأتي في إطار تعزيز خطة ترشيد الدعم، وقال إنه «سيحقق وفرا في فاتورة دعم الطاقة بنحو 35 مليار جنيه في موازنة 2017-2018».
وأضاف أن إجمالي حجم دعم المواد البترولية في موازنة السنة المالية 2017-2018 التي تبدأ في الأول من يوليو/تموز سيصل إلى 110 مليارات جنيه، انخفاضا من 145 مليارا كانت مستهدفة في السابق. لكنه قال «حجم الوفر في دعم الطاقة قد يتغير في أي وقت تبعا للأسعار العالمية».
رفع سعر المازوت لمصانع الأسمنت
وتضمنت القرارات الجديدة رفع أسعار المازوت لمصانع الأسمنت 40 في المئة لتبلغ 3500 جنيه (192.6 دولار) للطن، لكنها أبقت على أسعار الغاز الطبيعي دون تغيير للقطاع الصناعي. وقال الملا «لا زيادة في أسعار الغاز للقطاع الصناعي. تمت زيادة سعر المازوت لمصانع الأسمنت فقط إلى 3500 جنيه للطن من 2500 جنيه».
وقال رفيق الضو، العضو المنتدب لـ»شركة السويس للصلب» ووكيل غرفة الصناعات المعدنية في اتحاد الصناعات «زيادة أسعار الوقود بشكل عام ستؤثر على زيادة أسعار النقل، وبالتالي قد ترتفع أسعار الحديد».
وشهدت أسعار حديد التسليح في مصر قفزة في الشهر الجاري بعدما فرضت الحكومة رسوم إغراق مؤقتة على وارداته من ثلاث دول.
وأضاف الضو «في قطاع الحديد والصلب ندفع أعلى سعر فى العالم مقابل الغاز وكنا ننتظر تخفيض السعر».
وتدفع مصانع الحديد والصلب في مصر سبعة دولارات مقابل كل مليون وحدة حرارية من الغاز.
وقال أشرف الجزايرلي رئيس غرفة الصناعات الغذائية في اتحاد الصناعات «الصناعات الغذائية تمر بمرحلة كساد وانكماش في الطلب وسيحاول المصنعون تقليل أثر الزيادة في أسعار الطاقة على المنتج النهائي بنقل جزء من التكلفة فقط لتشجيع الطلب».
وأضاف «تكلفة زيادة الأسعار ستظهر بشكل مباشر على أسعار النقل بسبب تعدد حلقات التداول حتى لو لم ترفع المصانع أسعارها».
وقال علاء عز، أمين عام اتحاد الغرف التجارية «ندعم توجه الحكومة نحو إعادة توزيع الدعم وتحويل الدعم العيني إلى نقدي حتى يصل لمستحقيه.
«ستحدث زيادة عشوائية فى الأسعار لكن آليات السوق ستضبطها. تعدد حلقات التداول هو السبب الرئيسي وراء زيادة أسعار البيع».
ويشكو المصريون من عدم وجود أجهزة رقابية قوية تستطيع حمايتهم من أي استغلال من جانب التجار.
وتوقع هاني برزي، الرئيس التنفيذي لـ«شركة إيديتا» الغذائية ارتفاع تكلفة الانتاج بما يتراوح بين ثلاثة وخمسة في المئة، وقال «سيكون علينا امتصاص الزيادة. ليست لدي نية لزيادة الأسعار. السوق لا يمكن أن تتحمل ذلك. أعتقد أنهم (الحكومة) يتحركون بسرعة كبيرة جدا… أعتقد أنه كان بوسعهم الإبطاء بعض الشيء».
ومضى قائلا «الناس منزعجة…نحتاج لإصلاح الأمور ولكن ليس بهذه الطريقة… الناس غير قادرة أيضا.. ولا تحتمل أكثر.. الغلاء عالي جدا على الناس.. نحن محتاجون لبعض الاستقرار.»
مشاعر صدمة وسخط
«حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة كلها!».. «احنا كده بنموت بالبطيء».. «نعيش إزاي؟» .. «أنا بقيت ماشية باكلم نفسي حتى الأكل مش هنعرف نشتريه عشان كل حاجة هتغلى».
كانت هذه تعليقات بعض المصريين وسط مشاعر صدمة وسخط عارم بعدما علموا بقرار الحكومة رفع الحكومة أسعار الوقود.
وقال خالد عبد الرحيم مدير إحدى محطات الوقود في الفيوم «توقيت إصدار القرار سيثير موجة من الغضب بين المواطنين في الفيوم، خاصة أنهم كانوا في حالة من الفرح بعد تطبيق علاوة الغلاء وزيادة الدعم التمويني.. لكن ارتفاع أسعار الوقود سيحول حالة الفرحة إلي حزن».
وبنبرة غضب قال مواطن في محطة الوقود بشرق القاهرة «حسبي الله ونعم الوكيل!»، مضيفا ان ما يحدث يجعل الناس يريدون الهجرة.
وزاد سعر غاز السيارات 25 في المئة إلى جنيهين للمتر المكعب من 1.60 جنيه.
وقال أحد أصحاب السيارات في محطة وقود بالقاهرة «فوجئت بالزيادة اليوم.. كنت عارف ان هناك زيادة لكنها كانت كبيرة أكثر من اللازم ومفاجئة.
وعادة ما تشهد شوارع مصر مشادات بين السائقين والركاب بعد كل زيادة في أسعار الوقود.
وقال محمد عبد الله سائق سيارة أجرة من الاسكندرية انه كلما شعر الناس بالأمل في أن الأحوال يمكن ان تتحسن، يصدر قرار يصيهم بالإحباط
ورغم تأكيد رئيس الوزراء، شريف إسماعيل، أن الزيادة في أجرة الرحلات الداخلية والخارجية بين المحافظات لن تتجاوز عشرة في المئة، وردت تقارير عن قفزات كبيرة في أسعار وسائل النقل.
في محافظة كفر الشيخ بفي شمال مصر نشبت مشادات كلامية بين بعض المواطنين والسائقين الذين رفعوا أسعارهم بين 25 و50 في المئة عقب إعلان زيادة أسعار الوقود مباشرة.
ورفع سائقو الميكروباص، وهو وسيلة المواصلات الرئيسية لمتوسطي ومحدودي الدخل، سعر التذكرة إلى 1.5 جنيه من جنيه واحد. كما رفع سائقو سيارات الأجرة (التاكسي) السعر نحو 25 في المئة.
وفي أحد مواقف الميكروباص في محافظة القليوبية شمالي القاهرة اشتعلت الخلافات بين الركاب والسائق حول الأجرة. وانتهت المشادات بانصياع الركاب بدفع زيادة في الأجرة، ولكن ليس كما طلبها السائق.
وتساءل هاني شعلان الموظف بمكتب لتوزيع الصحف في دمياط عما يمكن عمله خاصة وأن ارباب العمل لن يرفعوا أجور مستخدَميهم.
وداخل محطة وقود في مدينة الفيوم وقف إبراهيم جمعة سائق سيارة نقل جماعي ليزود سيارته بالسولار وهو في حالة من الغضب وصاح قائلا انه مضطر لرفع أجور الركوب.
وقالت ريهام الدسوقي محللة الاقتصاد المصري في «أرقام كابيتال» ان زيادة أسعار الوقود «ستؤثر بشكل مباشر على الطبقات الوسطى والأقل دخلا. سنشهد موجة ثانية من ارتفاع التضخم، وقد نصل إلى مستوى 35 في المئة في الصيف بسبب تزامن الزيادات في الأسعار مع بعضها البعض».
وقال عبد الله رضوان، من كبار منتجي العنب والخضروات في الفيوم «تكلفة النقل ستزيد بشكل كبير. قد تصل لضعف الأسعار الحالية وهو ما سيؤدي ألى ارتفاع أسعار الفاكهة والخضروات من المزرعة أو الأرض الزراعية وسيتبعها ارتفاع آخر عند تجار التجزئة».
ويشكو المصريون من عدم وجود أجهزة رقابية قوية تستطيع حمايتهم من أي استغلال من جانب التجار.
في المنيا قالت مريم كامل، وهي موظفة تعول ثلاثة أبناء «لن يكفينا مع الزيادة الجديدة للوقود 60 جنيها يوميا أجرة المواصلات، عدا عن زيادة أسعار السلع».
وتساءلت «هل علاوة الغلاء التي لم تتجاوز 70 جنيها مبرر لزيادة الأعباء علي الأسرة المصرية بهذا الشكل القاسي؟.»
تقول نادية السيد (55 سنة)،وهي أرملة وأم لأربع 4 بنات ثلاث منهن متزوجات والرابعة مخطوبة وتواجه صعوبة في تجهيزها، أنها لا تعرف كيف ستتدبر أمورها.
ويضرب عادل إسماعيل موظف حكومي بالمعاش (61 سنة) كفا بكف وهو يقول انه لم يقبض بعد الزيادة التي اعلنتها الحكومة لمواجهة الغلاء، وان زيادة أسعار الوقود ستجعل الغلاء يزيد.
وشهدت مصر التي تعتمد على الاستيراد في توفير أغلب احتياجاتها ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع والخدمات خلال العامين الماضيين بسبب شح العملة الصعبة ونشاط السوق السوداء.
ومع قرارات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي التي شملت تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الفائدة، وزيادة أسعار الطاقة، ومن قبلها تطبيق قانون ضريبة القيمة المضافة، تضاعفت أسعار السلع والخدمات من جديد مما أثار سخط المواطنين وخاصة محدودي الدخل.
ووعد السيسي المصريين في ديسمبر/كانون الأول الماضي بتحسن الظروف الاقتصادية الصعبة خلال ستة أشهر، ودعا رجال الأعمال والمستثمرين إلى مساعدة الحكومة على كبح جماح الأسعار. الشهور الستة مرت ولكن الأسعار ارتفعت أكثر ولم تنخفض.
وفي دمياط قال أحمد عنتر موظف بإحدى الشركات الخاصة ساخطا «حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة كلها».
(الدولار يساوي 18.17 جنيه مصري).