100 جلدة لليبية بتهمة الزنا.. توثيق العقوبة يثير جدلاً.. والفاعلون قيد الاعتقال

نسرين سليمان
حجم الخط
7

طرابلس – “القدس العربي”: أثار مقطع فيديو يوثق تنفيذ حكم بالجلد بحق امرأة في مدينة سبها جنوب ليبيا، موجة واسعة من الجدل القانوني والحقوقي، بعدما انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل، قبل أن تعلن السلطات القضائية والأمنية فتح تحقيقات في ظروف تصويره ونشره، مع إيقاف عدد من المسؤولين عن الواقعة احتياطياً.

ويظهر في المقطع المتداول امرأة جالسة على الأرض في مكان مفتوح، فيما ينفذ عناصر من الشرطة القضائية حكم الجلد الصادر بحقها في قضية زنا، وسط حضور عدد من الأشخاص الذين تابعوا عملية التنفيذ، قبل أن ينتشر الفيديو بصورة واسعة داخل ليبيا وخارجها، لتتحول الواقعة من تنفيذ حكم قضائي إلى قضية أثارت نقاشاً حول آلية التنفيذ وحدود النشر واحترام الضمانات القانونية.

وعقب تصاعد ردود الفعل، أعلن جهاز الشرطة القضائية، التابع للحكومة المكلفة من مجلس النواب، إيقاف جميع المسؤولين المباشرين عن الواقعة احتياطياً عن العمل، وإحالة كل من يثبت تورطه في تنفيذ الإجراءات المخالفة أو إصدار التعليمات أو تسريب المقطع أو نشره إلى التحقيق الإداري والقانوني.

السنوسي: المشكلة ليست في تطبيق القانون بقدر ما هي في انتقائية تطبيقه، متسائلاً عن غياب تطبيق العقوبات على قضايا الفساد وسرقة المال العام

كما شكل الجهاز لجنة تحقيق عليا تتولى تحديد المسؤوليات ورفع تقريرها خلال 72 ساعة، إلى جانب مراجعة الإجراءات المنظمة لتنفيذ الأحكام داخل المؤسسات التابعة له، وإعادة اعتماد الضوابط التنفيذية الخاصة بها.

وبالتوازي مع ذلك، كلف المجلس الأعلى للقضاء إدارة التفتيش على الهيئات القضائية، بالتحقيق في ملابسات تصوير ونشر المقطع، مؤكداً أن الحكم الصادر عن إحدى دوائر الجنايات بمحكمة استئناف سبها، والقاضي بتطبيق العقوبة المنصوص عليها في القانون رقم 70 لسنة 1973 بشأن إقامة حد الزنا، يعد حكماً قضائياً واجب التنفيذ بعد استكمال إجراءاته القانونية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن تصوير تنفيذ الأحكام ونشرها عبر وسائل التواصل لا يعد جزءاً من إجراءات التنفيذ التي ينظمها القانون.

وتحول الجدل خلال الساعات التالية من مناقشة أصل الحكم إلى طريقة تنفيذه وإخراجه للرأي العام، إذ اعتبرت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أن نشر مشاهد الجلد يمثل مخالفة صريحة للقانون رقم 70 لسنة 1973، موضحة أن القانون لا يتضمن أي نص يجيز تصوير تنفيذ العقوبة أو بثها عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي.

وأضافت المؤسسة أن القانون ينص على تنفيذ عقوبة الجلد داخل مركز الشرطة، بحضور وكيل النيابة والطبيب المختص، وبعد أن يصبح الحكم نهائياً، معتبرة أن نشر المشاهد يمثل جريمة تشهير وانحرافاً في تنفيذ الأحكام يستوجب المساءلة القانونية.

كما أثارت المؤسسة تساؤلات بشأن اقتصار تنفيذ الحكم، حسبما ظهر في الفيديو على المرأة، متسائلة عن مصير الطرف الآخر في الجريمة، وعن الأساس القانوني الذي استند إليه الحكم إذا كانت الواقعة تتعلق بجريمة يشترك فيها طرفان، مطالبة مكتب النائب العام بمحاسبة المسؤولين عما وصفته بمخالفة القانون.

في المقابل، اتجهت مواقف أخرى إلى الفصل بين الحكم القضائي وبين طريقة تنفيذه. ففي منشورات تداولها ناشطون وصحافيون ليبيون، اعتبر الناشط السياسي خالد الغول أن الأزمة لا تكمن في أصل الحكم، وإنما في تحويل تنفيذه إلى مشهد علني أعاد إلى الأذهان ممارسات الجماعات المتطرفة، محذراً من أن يؤدي تداول هذه المشاهد إلى الإضرار بصورة مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة بها.

وفي الاتجاه ذاته، رأى الصحافي أحمد السنوسي أن المشكلة ليست في تطبيق القانون بقدر ما هي في انتقائية تطبيقه، متسائلاً عن غياب تطبيق العقوبات على قضايا الفساد وسرقة المال العام، بينما كتب آخرون أن العدالة لا تستقيم إذا اقتصرت على الفئات الأضعف دون غيرها.

كما أظهرت التعليقات المتداولة على منصات التواصل انقساماً واضحاً في الرأي العام، فبينما اعتبر بعض المعلقين أن القانون يجب أن يطبق على الجميع دون استثناء، رأى آخرون أن بث مشاهد الجلد يمثل إساءة للقضاء وتشويهاً لصورة ليبيا، وأن العدالة لا تتحقق بالتشهير بالمحكوم عليهم.

وتعيد الواقعة الجدل حول القانون رقم 70 لسنة 1973 بشأن إقامة حد الزنا، وهو أحد التشريعات التي بقيت نافذة في ليبيا منذ سبعينيات القرن الماضي، رغم أن تطبيقها ظل محدوداً على مدى عقود، بسبب تعقيدات الإثبات في الجرائم الحدية، واستناد كثير من القضاة إلى القواعد الفقهية التي تدعو إلى درء الحدود بالشبهات.

القضية تجاوزت حدود واقعة تنفيذ حكم قضائي، لتفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين النص القانوني وآليات تطبيقه، وحدود علنية تنفيذ العقوبات

ويطرح استمرار العمل بهذا القانون تساؤلات قانونية أيضاً في ضوء التزامات ليبيا الدولية، إذ صادقت الدولة عام 1989 على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تعتبر العقوبات البدنية من صور المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو ما جعل تنفيذ مثل هذه الأحكام محل نقاش قانوني وحقوقي متكرر.

وفي خضم الجدل، برزت أيضاً توجيهات من قيادة شرق ليبيا وفق إعلام محلي باتخاذ إجراءات حازمة بحق العناصر المتورطة في تصوير وبث عملية الجلد والتشهير بالمرأة، في خطوة فسرها متابعون على أنها محاولة للتأكيد أن نشر المشهد لا يعكس سياسة رسمية، وأن ما جرى يخضع للمحاسبة.

وبينما تتواصل التحقيقات الرسمية، يبدو أن القضية تجاوزت حدود واقعة تنفيذ حكم قضائي، لتفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين النص القانوني وآليات تطبيقه، وحدود علنية تنفيذ العقوبات، وحقوق المحكوم عليهم، إضافة إلى مسؤولية المؤسسات في منع تسريب مشاهد التنفيذ وتحويلها إلى مادة للتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أسئلة يرجح أن تبقى مطروحة حتى بعد انتهاء التحقيقات وإعلان نتائجها.

 

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول مروان الباز:

    إقامة حد الزنا يستلزم اعتراف الزاني أو الزانية اعترافا صريحا لا ريب ولا تردد فيه ولا تراجع عنه من طرف المعترف أو شهادة أربعة عدول يشهدون أنهم شاهدوا عملية الزنا وكيفية تلاقي عضوي المشتبه فيهما بكل وضوع دون شك أو ريب .. حتى وإن ثبت الاعتراف وصحة الشهود وهم أمر يحاذي المستحيل فمن حق المشتبه به أو بها التراجع عن اعترافه أو دحض شهادة العدول بالقسم بالله على المصحف الكريم حتى ولو كانت المرأة حاملا وحملها ظاهر للعيان ولو أثبت الحمض النووي انتساب الجنين أو المولود للطرف الآخر في الشبه .. الإسلام يحفظ كرامة الإنسان إمرأة كانت أو رجل قبل أن يحرص على الحدود ، بل جعل للحدود الكثير من المبطلات له كقاعدة درء الحدود بالشبهات .. وفي هذه الحالة في ليبيا لا ندري إن كانت شروط تنفيذ الحد قد استوفيت أو مجرد القبض على المشتبه بها متلبسة دون اعترافها ودون شهود الأربعة عدول .. الإسلام يحبذ ويعطي الأولوية للخطأ في عدم تنفيذ الحدود على تنفيذها .. ألم يرسل الله محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين .. بلى فالله رحمان رحيم ومحمد رحمة للعالمين والإسلام وشريعته للحفاظ على هذه الرحمة ونشرها وإيصال خيرها للجميع.

    1. يقول أكاديمي أردني:

      نعم، الاسلام وجهه الحقيقي رحيم بعكس ما يشيعوه الجهلة وبعض المتعصبين، الرحمة هي الحقيقة والتسامح والعفو واللطف، وكما في التعليق فان اعتراف المخطئ شرط اساسي لاقامة الحد، ثم ألأفضل كما فعل الرسول (ص) أن يطلب المخطئ نفسه اقامة الحد عليه، والسؤال هنا: هل يجوز رفع العقوبة ومسامحة المخطئ اذا تاب توبة نصوحا؟ وحصل على عفو المظلوم؟

  2. يقول سعدان:

    عجيب ان تتحول طرابلس الي كابول وسبهة الي قندهار وتصبح ليبيا أفغانستان أ يريد هؤلاء فرض الأحكام بهذه الطريقة ،عليكم بالدخول في العشرية السوداء .

  3. يقول أكاديمي أردني:

    نعم لتطبيق أحكام الدين والعودة لقيمنا وأعرافنا وكفى لهاث وراء ثقافات أجنبية دخيلة دمرت كل شيء، لكن، تطبيق أحكام الدين يجب ان تكون بعقلانية وعلمية وليس فقط بدافع الانتقام أواظهار التشدد وكأن الدين هو الواجهة المتشددة في الحياة، تطبيق أحكام الدين تبدأ بدعم الفقراء وتشغيل الشباب والصناعة والعلم وبر الوالدين، أما أحكام العقوبات فيجب ان تاخذ المنحى السهل والرحيم والعفو، فكما رسول الله (ص) كان يتجنب انزال العقوبة بالناس وكان يتهرب من ذلك، حتى يصر المخطئ على ذلك ويطلب اقامة الحد عليه، بعكس ما يفعله بعض المتدينين الهواة والجهلة، وهو ليس بالتشهير، بل بحضور فئة قليلة كشهود، وسبحان الله الذي جعله بـ 4 شهود، فمن يأتي بهم؟ هذا مستحيل لأن الله تعالى جعل الحكم تخويفا وليس حبا بعذابهم، فلولا انتقام الله من الجاحدين لما أدخل في النار أحدا، ورحمته واسعة فلم نضيقها نحن بالتعصب والتشدد، نعم للاسلام، لكن بحكم العلماء العقلاء والخبراء واساتذة الجامعات وليس كل من لبس دشداشة ووضع على رأسة طاقية موهما ألناس انه امام دين، هذا منتحل صفة عالم دين ويجب أن تنزل به عقوبة حكم الكذب على الله ورسولة وعلى الناس وعلى الدين، الدين للجميع انصح وعلم، ولكن تطبيق أحكامه للعلماء كابرا عن كابر كالأزهريين.

  4. يقول Ahmed Sayed:

    الزانية والزاني فاجادوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم به رأفة في دين الله أن كنتم تامنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المومنين سورة النور

  5. يقول فصل الخطاب:

    ولماذا لم يجلدوا الرجل أيضا

  6. يقول سعيدالسعيدي:

    المرأة ثم المرأة. هؤلاء كل مشاكلهم مع المرأة. لباسها، شعرها، مشيتها، صوتها، عملها، إرثها، فراشها…. و حتى عندما يجلدونها مائة جلدة، لا يشفي غليلهم فيشهرون بها.

اشترك في قائمتنا البريدية