«القدس العربي» تتابع ملف هارفي واينستين الذي تلاحقه الفضائح الجنسية

حجم الخط
2

لندن – «القدس العربي» : في شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016، اتصل المنتج الهوليوودي العملاق هارفي واينستين بكلية السينما العريقة في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجليس وعرض على عميدها تأسيس برنامج لتأهيل النساء في صناعة السينما وتعهد بتمويل المشروع.
العميد رحب بالمبادرة وبدأ بالترتيبات اللازمة للمشروع. ولكن المنتج اختفى حتى بداية شهر أكتوبر/ تشرين الأول هذا العام، عندما اتصل مرة أخرى وطلب من العميد تعجيل المشروع، عارضا 5 ملايين دولار على التو.
تفاجأ عميد الكلية من تحفز المنتج وأخبره أن البدء بمشروع من هذا النوع خلال أسبوع أمر مستحيل لأن عليه أولا أن يقوم بالترتيبات البيروقراطية، ولكن واينستين استمر بالإلحاح عليه فوعده بأن يحاول بقدر مستطاعه.
وفي حديث مع وكيل الكلية قال لي القدس العربي: «نحن لم نكن ندرك أن هارفي كان يريد أن يستخدمنا كدرع لصد العاصفة التي كانت متجهة اليه».
العاصفة هبت في وجه واينستين بعد أيام من اتصاله بالكلية في الخامس من الشهر نفسه عندما كشفت جريدةُ «نيويورك تايمز» عن تحرشات واعتداءاتٍ جنسية ارتكبها بحقِ ممثلات أفلامه على مدى ثلاثةِ عقود. بداية نفى الاتهامات الموجهة ضده وهدد الجريدة برفع دعوة قضائية ضدها، ثم اعترف ببعض الاتهامات، وقدم اعتذاره لكل النساء اللواتي أساء التصرف معهن، مؤكدا أنه يحترم النساء، مستعينا بمشروع كلية السينما في جامعة جنوب كاليفورنيا كمثل لدعمه مشاريع النساء.
ولكن تصريحه فشل في صد السيل العارم من الاستنكار الذي تدفق على مواقع التواصل الاجتماعي وخاصة بعد تصريحات أدلت بها نجمات هوليوودية على غرار أنجلينا جولي وغوينت بارتلو، عن تحرشاته الجنسية بهن عندما كنّ في مطلع سيرتهن المهنية في تسعينيات القرن الماضي.
بداية هوليوود أصيبت بالصدمة والتزم معظم نجومها ومسؤوليها بالصمت، ربما خوفا من رد فعل واينستين نفسه، الذي كان معروفا بكنية «المعاقب». ولكن بعد نشر جريدة «نيويوركر» مقالا آخر، خلال ثلاثة أيام، كشفت فيه عن اغتصاب المنتج لنساء عدة وظهور تصريحات عشرات بأنه اعتدى عليهن جنسيا، اشتعلت حملة استنكار صاخبة ضده في هوليوود وخارجها. ومن ضمن الذين هاجموه كانت أبرز نجمة هوليوودية وهي ميريل ستريب، التي شبهته آنفا في حفل توزيع جوائز الغولدن غلوب عام 2013 بالإله عندما شكرته على تحقيق الجائزة لها. ولكنها هاجمته بشدة قبل أسابيع في بيان وصفت تصرفاته بالمفزعة والمخزية.
الحقيقة هي أن واينستين كان تلقى الشُكر من نجوم السينما في خطابات قبولهم لجوائز الأوسكار 34 مرة وهذا ما يعادل عدد شكر رب العالمين في تلك الخطابات.
هو كان معبود هوليوود لأنه أشرف على انتاجِ وتوزيعِ أهم الأفلام في تاريخِ هوليوود الحديث. وحوّلَ مخرجيها وممثليها، على غرار كوانتين تارنتينو، جورج كلوني، مات ديمون وبن افليك، من مجهولين الى نجوم عالميين.

نفوذ طال البيت الأبيض
وملكة بريطانيا ورئاسة فرنسا

وطال نفوذُه البيتَ الأبيض الأمريكي، حيث كان يستضيفه رؤساءُ الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث منحته الملكة وسامَ قائدِ الأمبراطورية البريطانية وفرنسا حيث توّجه رئيس الجمهورية بوسامَ جوقةِ الشرف الفرنسية.
ولكنه الآن تحول من إله مقدس الى شرير مدنس، إذ أن كل نجوم هوليوود تبرؤا منه وعبّروا عن قرفهم من تصرفاته البذيئة. ولم يعد أمام مجلس شركته وهي «شركة واينستين»، التي أسسها مع أخيه روبرت عام 2005، خيارا إلا طرده منها.
وفي حديث مع مات ديمون الأسبوع الماضي عبّر لي عن سخطه تجاه المنتج، الذي جعل منه نجما عندما قام بتمويل فيلمه «ويل هانتينغ الجيد» وحقق له جائزة الأوسكار لأفضل سيناريو: «كنت أعرفه كمدافع شرس عن عمله، ولكن هذا الجانب الاجرامي من شخصيته لم أكن أعلم عنه شيئا ولا أعرف أحدا كان له علم بالموضوع. هذا تصرف إجرامي. إنه اغتصاب وهذا شيء مختلف تماما».
وهذا ما قاله أيضا لي جورج كلوني، الذي منحه واينستين الفرصة الأولى للتمثيل في الأفلام، عندما اختاره ليلعب دور البطولة الى جانب كوانتين تارنتينو وسلمى حايك في فيلم «من الغسق حتى الفجر» عام 1996، ثم قام بانتاج فيلمه الأول وهو «اعترافات ذهن خطير»، الذي أخرجه عام 2002: «كان هارفي يخبرني عن علاقات غرامية مع ممثلات ولم أكن أصدق هذه القصص لأسباب واضحة وهي أنني لكي أصدق هذه القصص علي أن أصدق أن بعض الممثلات اللاتي يحكي عنهن كنت أعرفهن ولم أكن أصدق أنهن أقمن علاقات معه. كنت أعتقد أنها مجرد قصص. ثم اكتشفنا أنه معتد واحتمال يكون مغتصبا، وكذلك يرغم النساء على الصمت».
السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تربع واينستين على عرشِ هوليوود وصار يتحكمُ في مصيرِ من فيها ويعتدي عليهم جميعا بحصانةٍ لمدةِ ثلاثةِ عقود؟

الصعود الى القمة

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أسس واينستين مع شقيقِه الأصغر بوب شركةَ «ميرامكس» لانتاجِ وتوزيعِ الأفلام المستقلة، التي كانت تتفادها هوليوود لكونِها غيرِ مربحةٍ تجاريا. وفي عام 1989، حضر مهرجان «صندانس» للافلام المستقلة، الذي كان يحتضر، واشترى فيلما بعنوان «جنس، أكاذيب وأشرطة فيديو» ، لمخرج غير معروف يدعى ستيفين سودربيغ. ورغم أن الفيلم لم يكن تجاريا وكانت تكلفةُ انتاجِه تعادلُ مليوناً ومائتي ألفِ دولار، إلا أن واينشتين حوله الى أسطورةِ نجاحٍ في شبّاكِ التذاكر الأمريكية. حيث بلغت إيراداتُه اكثرَ من أربعةٍ وعشرين مليون دولار.
وكرر واينستين هذا النجاح بأفلام مستقلة أخرى، على غرار فيلم كوينتين تارنتينو «بالب فيكشين» وفيلم كيفين سميث «كلاركس»، مما عزز من مكانته كمنتج ذي رؤية مميزة ومكتشف المواهب ورائد السينما المستقلة. وبفضله صارت الأفلامُ المستقلةُ تضاهي أفلامَ استوديوهات هوليوود الضخمة في شبّاك التذاكر.

سر النجاح المذهل

وفي حديث معه العام الماضي كشف لي عن سرِ نجاحه: «الأمر يحتاج الكثير من الجهد الشاق. عليك استخدام الجوائز والفوز في المهرجانات. لا يمكن أن تنجح الأفلام بدون حصولها على استحسان، وهذا يزيد من أهمية موسم الجوائز. يعني الفيلم لا يصل الى دور السينما إلا بعد أن يكون الكل اقتنع به، من خلال فوز في مهرجان أو ترشيح لجائزة الـ«غولدن غلوب» أو حتى الأوسكار».
في بداية التسعينيات ابتكر واينستين حملات الجوائز وكان يلاحق مصوتي جوائز الأوسكار الى بيوتهم ليقنعهم بالتصويت لأفلامه، مما حث «أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة» على تغيير قوانين الترويج من أجل كبح تصرفاته. ولكنه يصر على أنه بدون الجوائز لا يمكن لأفلامه أن تتنافس مع أفلام هوليوود الضخمة في شباك التذاكر.
وفعلا، نجح واينستين في دحر أفلام استوديوهات هوليوود الضخمة في معاركِ الجوائز وحقق لأفلامِه ومخرجيها وممثليها وتقنييها 81 جائزةَ أوسكار و340 ترشيحا لها. ولكن رغم كلِ التحف السينمائية التي انتجها والانجازات التي حققها للسينمائيين المستقلين إلا أنه كان يثير الرعب في قلوبهم لأنه كان يدمر من يخالفه ويدفن أفلامه.

مات ديمون: بلطجي مخيف ومرعب

«كنت أعرف أنه شخص تريده الى جانبك بالتأكيد بدلا أن يكون ضدك»، يعلق ديمون. «إذا قضيت خمس دقائق معه ستعرف أنه بلطجي، مخيف وقوي ومرعب. والطريقة الأفضل للعمل معه هي أن تقف بوجهه».
كان واينستين معروفا بتدخله في اختيارات مخرجيه الابداعية واجبارهم على توليف أفلامهم، حسب رؤيته ورغبته، مما أكسبه لقب «هارفي المقص».
وفي حديثي معه لم ينكر تدخله في تحديد شكل أفلامه مصرا على أن ذلك أمر لا بد منه لأن المخرجين يعمون عندما ينغمسون في أعمالهم الفنية وبالتالي يعجزون عن العثور على سبيل الخروج ولهذا يحتاجون الى رأي خارجي وليس بالضرورة منه نفسه وإنما من أي مشاهد.
كما أنه صار يملي عليهم عملية «فحص الجمهور»، الذي تستند عليه استوديوهات هوليوود من أجل تقييم مستوى الفيلم الاستهلاكي، ثم تحديد شكل ومضمون الفيلم، حسب نتائج الفحص. ولكن ذلك المنهج كان يتنافى مع منهج واينستين، الذي كان يتعامل مع مخرجين مؤلفين وليسوا مستأجرين يصنعون أفلاما لهوليوود، حسب طلب مستهلكي أفلامها. «صحيح،» يعلق واينستين: «ولكن كونهم مخرجين مؤلفين لا يعفيهم من الأخذ بنظر الاعتبار بأراء المشاهدين والنقاد من فيلم يجب أن يكون طوله ساعتين وثلاثين دقيقة، فيمكننا أحيانا أن نساعد في جعل الأمور أوضح».
فظاظة واينستين كانت معروفةً في هوليوود، ولكن لم يتصد له أحد خوفا من رد فعله ولهذا لم تتجرأ ضحاياه الفتيات على كشف اعتداءاته الجنسية عليهن، مما دفع الكثيرين الى تحميل هوليوود مسؤولية جرائمه.
«أنا لا أقبل جدلية أن هوليوود يجب أن تكون أكثر أخلاقية»، يقول كلوني.
«لأن مصداقية أمريكا الأخلاقية محط تساؤل. رأينا ذلك في تلفزيون «فوكس نيوز»، رأيناها في واشنطن مع الرئيس المنتخب. هذه السلوكيات عميقة التجذر في مجتمعنا أكثر مما كنا نتوقع».ومنذ فضح واينستين، طلقته زوجتَه وتم سحب عضويته من «البافتا» البريطانية، و«أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة الامريكية» و»رابطة المنتجين الأمريكيين» وقررت الحكومتان البريطانية والفرنسية سحبَ أوسمة الشرف منه.

جورج كلوني: المعاقبة لا تكفي
يجب حل مشكلة التحرش

وفتحت السلطاتُ الأمريكية والبريطانية ملفات تحقيقات في اتهامات الاغتصاب الموجهة ضده من قبل عدة نساء. ولكن كلوني يحذر أن معاقبة واينستين بدون حل مشكلة التحرش والاعتداءات الجنسية لن يغير شيئا. «هارفي سيصبح النكتة الكبرى في حفلات الأوسكار وفي كل الفعاليات وهذه السلوكية ستستمر في كل القطاعات»، يقول كلوني: «تأثير ما حدث لا يجب أن يقتصر على هذه القضية فقط وإنما بشكل عام والكل يجب أن يتحمل المسؤولية في ما يخص نصيبهم من المعالجة».
من المفارقات أن فيلم واينستين الأخير، «ويند ريفير»، الذي ما زال يعرض في دور السينما، يدور حول قضية اغتصاب فتاة هندية حمراء. وفي 2012 انتج فيلمَ «بلطجي»، الذي يعالج ظاهرة البلطجة في المدارس الأمريكية. «أريد أن أرفع المرآة أمام المجتمع»، يقول واينستين: «لا أدعي أني أعلم ما هو الصح وإني سأفعله. أنا لا أعلم شيئا عن هذا ولكني أعلم حين نصنع أفلاما مثل «البلطجي» و«فيد أب» مثلا يتأثر بها المشاهدون ويناقشون بالموضاعات وتصبح جزءا من وعي جماعي. أنا نفسي، منذ مشاهدة «فيد أب» أحاول التقليل من السكريات، حتى في حياتي. لم أنجح تماما ولكني ما زلت أحاول وأشعر أن مزاجي تحسن كثيرا والعصبية اختفت وأشياء أخرى تحسنت لهذا السبب».
ولكن يبدو أن فضيحة واينستين وليس أفلامه التي سوف تترك الأثر الأكبر عليه وعلى هوليوود وعلى العالم بأسره.

«القدس العربي» تتابع ملف هارفي واينستين الذي تلاحقه الفضائح الجنسية
مات ديمون يصفه بالبلطجي وجورج كلوني ينكر علمه بجرائمه
حسام عاصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    ” ولكنه الآن تحول من إله مقدس الى شرير مدنس، ” إهـ
    وماذا عن الممثلات اللواتي رضخن لإغراءاته المادية بالشهرة في أفلامه ؟ أليسوا مثله شريرات مدنسات ؟
    من أجبرهن بالإستمرار في العمل معه لسنوات وسنوات ؟
    الآن يدعين الشرف والطهارة !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول عبود:

    أصل الإنسان دودة بمفهوم داروين وبالمفهوم العربي

اشترك في قائمتنا البريدية