التأليف الأدبي ليس طبخ حصى. يحتاج الطاهي أولاً إلى بضاعة، وإلى علم وفن وتخطيط وإدارة، مع ثلاثة أنواع من النار؛ قوية ومعتدلة وهادئة، والأهم من ذلك أن تكون نفسه طيبة، من أجل أن يترك أثرا في ذوق الطّاعِم.
عام 1988 لقي أخو الشاعر طالب عبد العزيز حتفه في الحرب العراقية الإيرانية، قبل وقف إطلاق النار بأيام. وكان لزاماً على الشاعر الانتظار خمس سنين، ليبعث إلى رفات أخيه بهذه الرسالة ــ القصيدة:
«قم أخي لقد انتهت الحرب/ وأخذوا دبابتك إلى مصهر الحديد/ لكنّ بندقيتك ما زالت على الجبل/ وها قد أتت الرّمال على بسالتك أخيرا».
روى لي الشاعر أنه تسلّم جثة أخيه محمولاً على نقالة، وكان الدّود يتساقط منها، بعد أن مرّ على مقتله أكثر من أسبوع، لأنه سقط في الأرض الحرام وصعب على رفاقه في الوحدة العسكرية انتشاله، إلّا بعد توقّف الحرب، وكلّ هذا مبذول في القصيدة:
«ومهما كنت ميتاً يا أخي
كانوا يفتتون جثّتك بالرصاص
وحتى في ميتتك الأخيرة
حين كان الدود يسقط من محجريك
وفتحة فؤادك الكبير
كانوا يظنونك تكذب
وأنك ما زلت كابوسهم المستمر».
لا يبدو هذا الشّعر لوحة واحدة مثل بقية شعر الشّاعر، بل تقرير طبيب شرعي، أو محضر جريمة قام بها من كانوا يجاهدون لتهميش العراق وتهشيمه، وتحويله إلى حطام مدفون، أو دخان في مهبّ الرّيح. فذلكة في علم النّفس: إن لم تكن قادراً على إنجاز عمل، يمكنك بناء آمال حوله، وهذا باب خلفيّ للخروج من المسألة. لكنّ أغلب الآمال أحلام ميّتة، نوع من مخدّر يؤدي بها إلى أن تغدو شيئاً فشيئاً رماداً تذروه الرّيح. أرسطو على الأغلب هو القائل إنك إذا أردتَ أن تقضي على أمّة، فعليك أن تقتل جميع شعبها، والموت الذي ذاقه العراقيون في هذا الزمان، بدا أنصع بياضاً بواسطة من كانوا يرسمونه له على الورق، بالمسطرة والفرجار والقلم.
دامت الحرب بين العراق وإيران ثماني سنوات، والشّريط الحدودي الذي جرت فيه المعارك يضمّ خمس مدن عراقية رئيسة، أصغر واحدة منها، وهي ميسان (العمارة)، تبلغ مساحتها بقدر لبنان مرة ونصفاً تقريباً. لا يمكن لهذه السطور أن تذهب في سبيل إحصاء الأقضية والنواحي والقصبات والقرى، ولا القبائل والعشائر الساكنة عند جانبيْ الحدود. الحقيقة الأكبر أن خنادق الحرب شُقّت، وحُفرت الملاجئ، وأقيمت التّروس، وسط بيوت كانت تتقاسم الخبز والملح والمصاهرة، وهذا هو جوهر المأساة، والنتيجة بعد ثماني سنين قتال، أن تهدمت الحياة في هذه المدن، وفي البلدين المتحاربين على السّواء.
نعود إلى رسالة الشاعر إلى أخيه: «أمّي ما زالت في فراشها/ أحدثها عن طولك وعضدك القويّ/ ويطربها كثيراً/ أنهم لم يجدوا حذاء على مقاسك». قائل هذا الشعر منشد أعمى يرى بقلبه، ويكتب ملاحم عن الحب والحرب، وعن البيت والنهر والنخل والمدينة، ومهما كنتَ متحجّر الفؤاد والنفس، بإمكان الأنغام العظيمة أن تصيّرك بشراً رقيق الحاشية، لطيف الطّبع: «كانت تسألني/ على أيّ جنبيك كنت تنام/ أوحشني أن أقول لها/ إنك لم تنم منذ أعوام خمسة/ وإن الشّظيّة التي هشّمت أضلاعك/ كانت من مدفع مارد وقوي/ وقد فركت فتوّتك كلها».
لم ينشأ طالب عبد العزيز خارجَ الحداثة الشّعرية، معلناً في الوقت نفسه تمرّده على ما يُدعى «فرقعات التجديد» وعدم انتسابه إليها. لا يُمكن كتابة الشعر على الهواء، أو خطّه على الرمل والصخر. الشعرُ يُكتب على الماء؛ منه يأخذ الرواء والنقاء، وهاتان الصفتان ليس هناك مجال لنفيهما، أو عدّهما وهماً. شيء من فصاحة العبارة وقوّتها في النّثر العربي القديم في قصيدة طالب عبد العزيز، فهي مبنيّة على قاعدة عميقة ونفَس طويل، وربما كان لجوّ الأهل البصريّ دخل في ذلك: «قلبي زجاجة عطر ناضبة/ وحشد سنادين/ متاعي قثّاء وتمر/ وإزاري كفاف ركبتي/ لا أملك لنفسي إلّا نفسي».
هناك إرث شعريّ لكل أمة ولغة، قديم وجديد. بالنسبة إليّ، وكي لا يُثقَل الكلام بحمولة النقد، طالب عبد العزيز أجدر شاعر بالقراءة وإعادة القراءة مرات، بالسعادة نفسها التي قرأناه بها أول مرة. لغته ليست بعيدة أو مستغلقة أو كابوسية، كأنها خُصّصت لسكان المريخ، لا يصل أهل الأرض منها صوتٌ أو معنى. بينما يجري كل شيء لديه من خبرة نابعة من القلب، قوامها الفرحة والتفهّم والتشبّع بالتجربة الفنية التي تتشكل منها القصيدة. لهذا السبب فإن شعره يُقرأ ويُسمع، ويُسحَر به الجمهور في البيت والمقهى ومحلّ العمل، ويرتفع بهذه الأماكن إلى مصفى المنابر، حيث كانت الآلهة في الزمان القديم تصغي إلى النشيد.
قصيدة أخرى للشاعر يؤرّخ فيها لعذابات الجنود في الحرب، حيث اشترك جنديا مقاتلا: «في الدروبِ الموحِلة/ وفي عرباتِ الميتين التي تجرّها الخيولُ/ والتي لا تجرّها الخيولُ، أحيانا/ كان الملح مخلوطا في التّراب/ ومن شقوقِ الخشبِ يشخبُ خيطٌ أحمر/ لقد نكأوا جرحا/ بينما العربةُ، حدَّ أذنيها في الوحل». كأنّ الصورة مأخوذة من دنيا الآخرة أو من دنيا الغيوم، بلغَها الشاعر من طول المعاناة والألم. هذه خلاصة فكرة الحرب؛ السماء تسقط و(تطبق) على الأرض، بينما الحياة في السّلم «أفق من هزارات ويمام/ يتشكّل توّا تحت وسائدنا». وكان لا بدّ أن يحصل ما حصل، من أجل أن يتلو علينا الشاعر خطابه الواقعي والطبيعي والحقيقي، بأفقه المرئي والمحسوب، وبما فيه من المحسوس وغير المحسوس، وما يُعرف عن طريق الحدس والتّنبّؤ، بل إنّ ليدَي الشاعر ذاكرة قوية تسجّلان كل ما تلمسانه، وهذا أفضل تعريف لشعر طالب عبد العزيز.
في العام الماضي سافرتُ إلى مدينة كرمنشاه قاصداً متحف الحرب. لم أكن أحمل تصريحاً أمنيّاً للزيارة، ولم أسع كذلك إلى الحصول عليه، فعدت أدراجي بنظرة عامة على المكان، وصورة في هاتفي النقّال لجدارية تمثّل جندياً إيرانياً راكعاً يؤدي الصلاة خارج الملجأ، مع مشهد ثبت في الذاكرة لخزان ماء مثقوبٍ بالشظايا، من تلك التي يستعملها الجنود في جبهات القتال، معروض عند واجهة المتحف، ولم يسمح المسؤولون بالتقاط صورة له. لكنّنا نجد نسخة ثانية من خزان الماء في قصيدة الشاعر ذاتها، في نسخة عراقية: «كان خزّان الماءِ يدمدمُ، في آخر الرّتل/ وفي الحفرِ العميقةِ يفرقعُ عالياً/ كنّا فزعين/ فزعين كالضّوء».
من عبق الأسى الذي يُحيط بها، وحّدت قطعة الأثاث هذه بين الجنود المتحاربين، فهم من طينة واحدة، طالما ذاقوا عذابات الظّمأ الذي لا نهاية له، وتحوّل الخزّان بذلك إلى عمل نحتيّ، يتعلّق بالتّجربة الإنسانيّة بصورة شاملة.
الشيء نفسُه يحدث في ما يخصّ الجندي الرّاكع على الأرض، في جداريّة المتحف. لدينا نسخة عراقيّة منه، واختار لها القدر أن تصاحبها مأساة كي لا تغيب عن الذّاكرة، في فعل يوازي ما قام به الإيرانيون، عندما قاموا بتخليد جنديّهم، لأنه ليس لدينا متحف للحرب في العراق بأي صورة كانت. روى لي صديق قصة حقيقية بطلها شابّ أصرّ أن يؤدي صلاة الفجر خارج الملجأ، وأطارت رأسَه قذيفةٌ، وسط ذهول رفاقه المختبئين في الملاجئ.
لا يوجد عداء وخصام بين الجنود على جبهات القتال، في الليالي المقمرة، كان بإمكانك رؤية الجنود العراقيين والإيرانيين، بسبب طول العشرة بينهم، يتنادون بأسمائهم، وقد يغنون ويطربون معاً، ويروون القصص والنكات. الجنود هم هم في كل زمان، وقماشتهم واحدة، وقادة الحرب متماثلون أيضاً، وقماشتهم واحدة. لنتخيّل سهرة يقضيها هؤلاء معاً، أيّ كوابيس كلامية وأفعال تدور بينهم! العالم لا معنى له، والجنس البشري يتقدم نحو الإبادة، لأن هؤلاء يحكمون أولئك. ماذا لو يحدث العكس؟
الإنسان مركز الكون، وإن قضى حياته في الترهيب والتخويف والقهر، يظلّ الجوهر حيّاً في داخله، الذي هو ضوء يسكن القلب ويشعّ بالقداسة والفضيلة. يمكن للإنسانية بناء قلاع من هذا الضوء، يسكنها الحبّ والجمال والخير، لا العداوة والعبث الدموي وغياب الفهم: «ستقومُ مدنٌ كثيرةٌ/ وسترتفعُ المآذنُ عاليةً/ سيشيّدون الحصونَ منيعةً/ من هذا الغبار الذي يتسلّق أرواحنا/ من هذه اللّيالي».
غير صحيح كان جنود العراق وإيران يتبادلون السلام
والتحية ويغنون…
لقد خدمت في تلك الحرب وكان العداء الإيراني علينا مليء بالحقد.
يا جاسم كلنا كنا في الحرب من عاشها من قرب او من بعد او من حرب المدن فالجندي لا يحقد او يكره او يحب في الحرب فهو يدافع عن نفسه اولا ان كان ذو بصيرة ويعرف انه يدافع عن نظامين وحكومتين لا عن وطنين ولا عداء بين الشعوب وما حصل بعد الحرب دليل على ذلك وما يجري الان كذلك
حين تنتهي من قراءة المقال والتعليقات تشعر ان الايرانين يحبون ويودون العراقين وان المشكلة هي فقط في الحكومات. الحقد والكراهية لها جذور تاريخية من سقوط بابل ومعركةذي قاروالقادسية الأولى وتصفيتهم للاسرى والان المليشيات الإيرانية تقتل وتسرق وتغتصب في بغداد …انهم بممارساتهم هذه جعلوا حالة لايمكن ان يمتزج فيها الدم الايراني مع الدم العراقي حتى ولو كان من فصيلة واحدة ياسادة ياكريم.
ما قاله المعلق جاسم صحيح تماما بل وأكثر.. فلماذا
تزيين الموقف بغير الحق؟
كثير مما يُقال اليوم في المجالس، أو يُنشَر في الكتب وعلى منصات التواصل تحت مسمّى الشعر، فأستبعد أن تكون له صلة حقيقية بهذا الفن الرفيع. فليس كل ما يُكتب شعراً، وليس كل من أصدر ديواناً شاعراً، كما أن كثرة التصفيق لا تصنع قصيدة، والمجاملة لا تمنح النص قيمة أدبية
إن أخطر ما يواجه الشعر اليوم ليس قلّة الكتّاب، بل كثرة المدّعين، وغياب النقد الصادق، والاستهانة باللغة والذائقة. وحين نضع النصوص الهزيلة في منزلة الشعر الحقيقي، فإننا لا نسيء إلى الشعراء الكبار وحدهم، بل نسيء إلى اللغة العربية نفسها، وإلى تاريخ طويل من الإبداع الذي صنعته مواهب أصيلة، لا ألقاب مجانية.
أحسنتم
كلامك أصاب كبد الحقيقة أخي صالح المندلاوي. الشعر قضية ليس فقط مشاعر بقافية أو بلا قافية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قماشة واحدة، إلى الأستاذ المحترم حيدر المحسن، الكلام عن الحرب شيء فظيع، والكلام عن المبادئ أثناء الحرب خرافة. والشعر من الأشياء التي تعبر عما في نفس العاشق من الحب، الذي حُرم منه أو تمتع به. ولكن الشعر عن الحروب، إذا كان صادرًا من محارب، فلن يتحمل أحد أن يسمعه، مهما كانت قوة الأعصاب وبلادة الإحساس. لا يوجد أفظع من الحرب، وعلينا أن نلقي نظرة على أعمار المحاربين لكي نفهم ما نقول. في الاحتياط حتى اثنين وثلاثين عامًا، وفي التجنيد الإجباري من عشرين عامًا حتى ثلاثة وعشرين عامًا. ما رأيكم في هذه الأعمار؟ أليست هذه الأعمار من حقها أن تتمتع بالحياة؟ وأيضًا، أليس من حق الحياة أن تتمتع بهذا الشباب؟ والآن علينا أن نسأل: من الذي يقرر أن تُقام الحروب؟ أليس العجائز من البشر، الذين عاشوا هذه الأعمار وتمتعوا بها؟ ونفس الإنسان الذي استفسرت فيه الملائكة ربها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]. وقد كان هذا القول من باب الاستفسار وطلب المعرفة، وليس اعتراضًا على مشيئة الله تعالى. إذن، الإنسان نكبة على أخيه الإنسان، وعلى نفسه. وأقول هذا عن تجربة عشتها بنفسي، ( 1 )
وما زالت تفاصيلها تعيش معي حتى اليوم. ذهابي إلى الحرب بدون علم أهلي، هل هذا يعقل؟ أكثر من شهر، وأبي، الله يرحمه، يبحث في جميع مشارح مصر، واعتقد أنني من الأموات، ولا يعلم أنني في الحرب. هل من المعقول أن أسمع أمي تناديني: «لا تدخل الممر يا نور عيني»، ثم ندخل، بناءً على الأوامر، والممر ملغم، وأُصاب في تلك الليلة؟ عندي ما أقول، ولكني غير قادر. ومن عاش الحرب لا يتمنى أن يراها إنسان آخر، لأنها لا تترك منتصرًا حقيقيًا، بل تترك جراحًا تبقى في الذاكرة ما بقي العمر. الحروب من أقذر الأشياء، وتعبر عن قذارة النفس البشرية. ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971.
(على شباب الأمة الإسلامية المطالبة بتحرير فلسطين بالكامل) ( 2 )