ورد في كثير من الآثار القديمة أن جماعة من المُسلمين طلبوا من الرسول (ص) أن يجعل لهم نظيرا لشجرة كانُوا يعبدونها تُسمى «ذاتَ أنْوَاطٍ». وذكر أبو العلاء المعري ذلك في «رسالة الغفران» فقال: «وقد رُوي أن بعض الناس قال: يا رسُول االله، اجعلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ». وجاء في لسان العرب: «وذاتُ أنواط شجرة كانت تُعْبد في الجاهلية، وفي الحديث: اجعلْ لنا ذاتَ أنواط، قال ابن الأثير: هي اسم سَمُرَة (شجرة طَلْح) بعينها كانت للمشركين يَنُوطُونَ بها سلاحَهُم أي يعلقونه ويعكفون حولها».
ما نركز عليه من هذا الحديث أن الشجرة المذكورة علامة وأن عمرها الافتراضي مهدد بزوال اشتغالها. فشجرة طلح السمُر العظيمة حملها عابدوها دلالة مقدسة فأخرجوها من طور النصبة (حالة كل شيء منصوب بلا دَلالة) إلى العلامة، وشحنوها بهذا المعنى التقديسي وجعلوها من العلامات الرموز.
يرتبط رمز الشجرة المقدسة على ما يُفهم من شرح ابن كثير، بالحرب؛ ويبدو أن المحاربين كانوا يقصدونها ليطلبوا في «ظلها» النصر؛ وكانوا يعلقون أسلحتهم عليها كيْ تنزع عنها نحسا قد يصيبها فتنكسر، وتجعلها فعالة جالبة، بما سيتنزل عليها من بخت، انتصارا. ونحن نعلم من التفسير ذاته أن هناك على الأقل طقسيْن كبيريْن: الأول تعليق السلاح على الشجرة الكبيرة؛ والثاني العكوف بها تبركا. وكون الشجرة رمزا يعني أنها علامة اعتباطية ككل الرموز غير الإيقونية، فلا علاقة صريحة لمعنى العبادة بالشجرة. وهي تكسب تلك الدلالة عبر المؤول عابدا أو عارفا بالقصة، وهذه سمة أخرى من سمات الرموز.
ينبغي أن تكون رمزية شجرة الأنواط الجديدة قد وُلدت بالتدريج كأنْ تكون مباركة على فردٍ، ثم يتسع الاعتقاد في بركتها ليشمل كثيرين.
وقد تكون بركتها بالصدفة ثم صارت مطلوبة بالقصد فتواضع الناس على ذلك وصار شائعا. وبهذا توفر شرطان لحياة كل علامة هما المواضعة والقصد. ولا يمكن أن تكون للشجرة حياة رمزية إلا إذا كان في دالها ما يسميه مارسيل موس بعبارة بولينيزية (مَانَا)، التي تدل على حزمة من المعاني المتضافرة، منها القوة السحرية التي للأرواح والبشر والأشياء. فلقد زرع المتعبدون في هذه الشجرة طاقة سحرية لم يستطع أنْ ينساها المسلمون حديثو العهد بالإسلام.
حكاية الشجرة المقدسة ليست جديدة في تاريخ الثقافات؛ فمنذُ شجرة آدم والمخيال يصنع صورا مقدسة لشجر لا يُخرِج من الجنة، بل يُرجِع إليها؛ ويبحث الإنسان فيها عن الارتقاء إلى عالم مُفارِق، فالشجرة هي معراج البسطاء أو بُراقُهم. وحين قال المتحولون الجدد إلى الإسلام اجعلْ لنا ذات أنواط كما لهم ذاتُ أنواط، كانوا يعبرون عن شعور بالافتقار إلى ما يمكن أن يعوضهم في العقيدة الجديدة عن الدور الذي كانت تلعبه ذات أنواط: نعني التخفيف من خوفهم الشديد من الحرب، وبالتالي من الموت؛ وتحميسهم لها ورص صفوفهم ودفعهم إليها لا نفسيا فقط، بل عقديا أيضا. أنْ يحارب المرء ومعه المقدس الجمعي، يعني بشكل ما أنه سيكون أداة لتنفيذ نصر حاسم تصنعه الآلهة؛ أي أن يحارب باسم المقدس. هذا أهم دلالة في علامة الشجرة ذات الأنواط.
حتى تكون للشجرة «المانا» المناسبة لا بد أن يكون لها ما يسميه دوركهايم «قوى المقدس»، وهي قوى لا تبعث من التاريخ، بل تبعث أيضا من ممارسة المجموعة سلطتها على أفرادها. في حكاية الشجرة ذات الأنواط قوتان واحدة جاذبة هي قوة الشجرة الرمز، وأخرى نابذة هي قوة الرسول (ص) الذي يريد أن يعدل بالجماعة إلى رمز أكبر قداسة هو الله الواحد.
ليس من البسيط أن تتوقف الشجرة عن عملها الرمزي الحيوي بمجرد الانتقال إلى دين جديد. وسؤال المؤمنين أن يجعل لهم النبي ذات أنواط مشابهة، يعني أن يخلق لهم بديلا رمزيا لعلامة ظلت تشتغل في مخيالهم ووجدانهم مدة، إنه سُؤال من يؤجل موت العلامة بخلق بنت لها أو أخت. يريدون أن يخلق النبي لهم علامة مقدسة أخرى قد تكون شجرة أخرى من الفصيل ذاته أو من غيره، أو قد تكون صخرة أو كهفا.. المهم أن يأذن لهم بابتداع مقدس طبيعي آخر.
يشي لنا موقف هؤلاء بتردد في الانتقال من الرمز المرئي (الشجرة) إلى الرمز المفارق والخشية من موت المقدس الطبيعي الوسيط. مركزية العقيدة في دين التوحيد الجديد والخروج من تشتتها المعتاد المتمثل في وجود قوى مقدسة متعددة، هو ما أربك على الموحدين الجدد تصورهم، وجعلهم يطلبون أن يوجد الرسول لهم ما يوازي ذات أنواط في دينهم الجديد.
ليس في طلب استبدال علامة مقدسة بأخرى مقدسة مثلها قلة فهم للدين الجديد، مثلما يمكن أن يُفهم، أو على الأقل ليس هو السبب الوحيد وراء هذا الطلب. يوجد صراع مهم بين رؤيتين للعبادة متفاعلتين ما زالتا من مجتمعاتنا إلى اليوم وإن خفتا: هما الجمع بين عبادة الله الواحد وشعائر أخرى تقدس البشر أو الأشياء أو الأماكن أو غيرها. ما يزال هذا الأمر حاضرا في فكرة الولي الصالح الذي لا يلغي التوحيد، لكنه يكسب بعض الشخصيات رمزية مقدسة؛ ولئن كانت فكرة الولي الصالح مبنية على الشخص، فإن ذات أنواط مبنية على الشيء، ولكنهما فكرتان لا تختلفان من حيث الدور العقدي إلا في كيفية اشتغال العلامة. يصبح الشخص رمزا بكل مكوناته إن كان حيا، فإن مات صار التقديس إلى أشيائه وقبره، فالرمز هو حياة ما بعد العلامة عند انتهاء اشتغالها المادي؛ لكن لا يمكن أن يصبح للشجرة هذا الطابع الرمزي بعد حياتها، فهي شيء لا يستدل ماديا على وجوده العلامي القديم فاشتغالها يكون في حياتها وبموتها تموت شعائرها.
وأن يستشير المسلمون الجدد رسولهم في أن يخلق لهم علامة بديلة هو سؤال يقتل العلامة ويجعلها مرتهنة في وجودها وفي عدمها بالإذن. ربما يُحتاج خلْقُ علامة إلى نبي بالمعنى الرمزي، ولكن الأنبياء تحتاج نبوتهم لتتقوى وتظهر إلى علامات معجزة. بيد أن الأصل في العلامات أنها لا تُحدَث بإذن من أحد. للعلامات خصوصا الرموز الدينية، قوة خلق ذاتية وطاقة على التواصل ولا يمكن تدميرها إلا اجتماعيا. حين ينسى الناس بمرور الزمن ما كانت قيمة ذات أنواط الرمزية المقدسة في بعض حياتهم الجماعية، ستكون العلامة ممددة في مكان ما من مجمع العلامات تُحتضرُ. سيكون مريدوها قلة وسينفضون من حولها خوفا من لعنة أكبر من لعنتها ترسل عليه من إله لا يحب أن يشرك به. وهكذا ستُسلم الشجرة الروح وتموت علاميا حتى إن عاشت وعمّرت، وحتى إن ضربت جذورها في الأديم عميقا، حتى أغصانها التي علقت عليها أسلحة المحاربين قديما تطلب يمنها وبركتها ستصبح ملتقى للغربان الناعقة. عندئذ ستصبح الشجرة حمالة لعلامة أخرى، لكنها هذه المرة علامة عن موتها الذاتي: هي نعيب الغربان.
٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية
توفيق قريرة
مقالك التحليلي نقاش لثنائية وجود العلامة بين المخيال والواقع وبين عصر النبوة وما بعدها(لم تشرحه ولكن يُفهم منه ذلك) في الختام(عندئذ ستصبح الشجرة حمالة لعلامة أخرى، لكنها هذه المرة علامة عن موتها الذاتي: هي نعيب الغربان). واقعيا في عالمنا العربي والاسلامي وفي كل مكان وزمان بقيت هذه العلامة ورموزها تنتقل وتتمحور بعدة أشكال كما ذكرتَ:(. بيد أن الأصل في العلامات أنها لا تُحدَث بإذن من أحد. للعلامات خصوصا الرموز الدينية، قوة خلق ذاتية وطاقة على التواصل ولا يمكن تدميرها إلا اجتماعيا) واقعيا تبقى ولا تموت بل تنتقل من حالة لأخرى كوجود الاختلافات الدينية في الاعتقاد وسلوكياته والافكار السياسية وتطبيقاتها (كما ذكرت:المواقفة والقصد)..لهدف ما. يتبيين منه واقعيا في السلوك. لعل استنتاجك لم يكن دقيقا في صُلب هذه الجملة :( السبب الوحيد وراء هذا الطلب. يوجد صراع مهم بين رؤيتين للعبادة متفاعلتين ما زالتا من مجتمعاتنا إلى اليوم وإن خفتا): ولم تذكرهما بصراحة فهما الايمان الحق بالله وبما جاء به الرسول المصطفى في القرءآن الكريم وهو الادق في المرجع ولم أجده في مقالك؟! والثاني هم المنافقون فذكرتهم بعدة تعابير: جماعة من المُسلمين أو قال المتحولون الجدد إلى الإسلام أو وأن يستشير المسلمون الجدد.وسؤال المؤمنين أن يجعل لهم النبي ذات أنواط مشابهة، يعني أن يخلق لهم بديلا رمزيا لعلامة ظلت تشتغل في مخيالهم ووجدانهم مدة، إنه سُؤال من يؤجل موت العلامة بخلق بنت لها أو أخت. يريدون أن يخلق النبي لهم علامة مقدسة أخرى قد تكون شجرة أخرى من الفصيل ذاته أو من غيره، أو قد تكون صخرة أو كهفا.. المهم أن يأذن لهم بابتداع مقدس طبيعي آخر.) واقعيا وعبر التأريخ تكونت في الامة كما ذُكر 77 مِلة ونِحلة وكلها متضادة. ما زالت موجودة ولها رموزها ولم تمت علاماتها في كل الاديان السماوية ومنازعاتها الداخلية في الصراع على هذه الرموز وهي حياتها الاجتماعية في البحث العلمي ويخلق الله ما يشاء مما لا نعلمه وفوق كل ذي علم عليم أي الله. فالرمز مرتبط بالاعتقاد في كل الاديان والافكار واللغات بملازمة وجود الانسان. فهي علامة وجوده بلغته ومعانيها ومبانيها البلاغية. تحياتي اليك في الطروحات المُتعبة في التحليل الدقيق.ولعلي اتفق ولا اتفق في استخدامك المصادر في التأويل لأجل التحليل في عمق الحضارة الاسلامية بآليات غربية باسقاطها من (مارسيل موس).
لقد رجعت ابحث عن مصدر الاستشهاد من السيد الاستاذ توفيق قريرة فالتقطتُ بعضا مما يتصل بمحتوى المقال المنشور وتحليله المعتمد عليه منهجا (المصدر الملفات البحثية قسم الفلسفة والعلوم الانسانية في تقدير الممارسة الفكرية لمارسيل موس؛ هذه مقاطع من أقوال مارسيل موس تونس «والحقيقة أنّه لا وجود لشيء، ولا لجوهر، يُطلق عليه الدين. لا توجد إلا ظواهر دينية جُمِعَتْ بهذا القدر، أو ذاك، في أنساق تُسمّى ديانات ذات وجود تاريخي محدّد، لدى مجموعات بشرية، وفي أزمنة محددة؛ ولا نجد قضيةً أكثرَ مركزية، في أعمال موس، من قضية الدين. والحال أنّ الدين، بعدما كان قضية مركزية، غاب،اليوم، عن حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية، ليصبح موضوعَ اهتمامِ حقلٍ ضيّقٍ من المتخصصين، الذين يجب عليهم النضال من أجل الحفاظ على بعض الشرعية. فبعد مرور قرن على السنوات الجميلة، التي عاشتها المدرسة السوسيولوجية الفرنسية، التي ترأّسها دوركايم في السوربون حول مجلّة )الحولية السوسيولوجية(، أيُّ إرثٍ، وأيّةُ خصوبةٍ، يجب الاحتفاظ بهما من موس في موضوع الدين، هذا الموضوع البالي الذي لا يريد أن يموت؟ حاول تارو، في كتابه القيّم )الرمزي والمقدّس: نظرية الدين(، أن يبين كيف أنّ فكر الرمزية والمقدس استقطبتا النقاش حول الدين طيلة عقود في فرنسا. وقد سجّل بحقّ كيف وصلت هاتان الفكرتان إلى أن تقصي إحداهما الأخرى، وكيف عاشتا في خلاف: «بمعنى: إمّا أنّهما ينصهران في بعضهما، فيبتلع المقدّسُ الرمزيةَ، ولا نعود نراها، وإما أنّ الرمزي يبدأ في الاستقلال، ساعتها يصبح الانفصالُ ضروريّاً، ولن نعود نرى سوى أحدهما. كما لو أنّه ما إن يتمّ التمييز بينهما حتى تستحيل رؤيتُهما معاً، وأن بعضَ الناس يركّزون بصرهم )مشدوهين( على أحدهما، بينما يركّز بعضهم الآخر على الآخر، متهمين بعضهم بعضاً بالعمى والحال أنّه لو كانت هذه المعاينةُ صحيحةً، فإنّ التمييزَ بين الرمزي والمقدّس لوحده غيرُ كافٍ وناقصٌ، تعلقي أنَّ الاستاذ يُحلل مقتطفات مختارة من الفترة النبوية بأجمعه ايُحللها من خلال اطروحات فموس اليهودي وأنَّ أغلب علماء الاجتماع الغربيون يهود ومؤسس علم الاجتماع ابن خدون من تونس ليته يقوم من قبره ليحلل الظواهر الاجتماعية العربية المعاصرة بعيون وقلب عربي مسلم وليس استعارة تحليللات غربية يهودية وغيبة المنبع. والمؤسف عدم وجود استقلالية تفكرية خالصة تنطلق لإستلهام تراثنا.