الاستفهام والاستراتيجية الاستنتاجية

إن تسألني ونحن في المقهى: هل أعجبك الشاي؟ وأجيبك بنعم أو بلا فذلك استفهام صريح لأنه يطلب به الاستخبار: هو عمل لغوي مباشر باصطلاح فيلسوف اللغة الأمريكي جان سيرل، وأحد مطوري نظرية الأعمال اللغوية التي هي واحدة من أبرز نظريات التداولية. لكن أن يقول نزار قباني في قصيدة غزلية على لسان عاشق يخاطب امرأته (أأعجبكِ الشاي؟ /هل ترغبين ببعض الحليب؟/ وهل تكتفين كما كنتِ دوما بقطعة سكر؟) فإن الاستفهام لا يفيد كما نرى معناه الأصلي، بل يخرج إلى جملة من المعاني الأخرى؛ وبعبارة سيرل هو عمل لغوي غير مباشر.
أن تسألني وأنت تسخر مني أو أن أسألك وأنا أمدحك أو أتغزل بك أو أعبر بالاستفهام عن معنى غير الاستخبار، فهذا شأن مألوف في كلامنا اليومي. وفي هذه الحالة يفهم المخاطب دائما المعنى الثاني الذي حمله الاستفهام. لكن كم هو صعب إدراكيا أن يعالج الذهن هذا العدول من المعنى الأصلي (الاستخبار) إلى المعنى المطلوب (المدح، الذم، السخرية). يفيدنا سيرل بكثير من الملاحظات في شأن سيرورة الانتقال الذهني إلى فهم العمل غير المباشر المعني.
في العمل اللغوي غير المباشر يستند المتلقي إلى ما يسميه سيرل بمعلومات تستقى من الخلفية الثقافية أو الاجتماعية، وهذه المعلومات يمكن أن توفرها العناصر اللغوية في النص، ويمكن أن توفرها الثقافة الموسوعية المشتركة بين المتكلم والمخاطب. فسيرل يؤمن بما يسميه القصدية الجماعية التي تولدها اتفاقاتهم على جملة من السلوكات والسنن والمعتقدات بينهم، وتخدمها في التواصل باللغة قدرة كونية أن نحمل الكلام القديم دوال ليست له، وهذه قدرة رمزية متاحة لكل الناس شريطة أن يتم التفاهم بها بينهم.
سوف نفترض للاستفهامات في نص نزار قباني مقاما هو ضروري في رسم البعد التداولي لأي كلام، فما من كلام إلا وقد قيل في وضعية تواصل معلومة علينا أن نبنيها. سأفترض أن السائل في نص نزار عاشق محتف بامرأته (عشيقة، صديقة، زوجة) وأنه طبخ لها شايا وهو يسألها وقد ناولها كأسا وقد شربت منه: أأعجبك الشاي؟ لو أجابت المرأة بنعم لخرقت قواعد العلاقة الحميمية، ولكانت جوابا باردا لانتظار حار تخدمه حرارة الشعور والاحتفاء. فالرجل تكبد المشاق النفسية من أجل أن يكسر سنة شرقية: أن الرجل لا يطبخ شايا ولا غيره، وفعل هو ذلك ليبرز أنه محتف بمن يعشق مختلف عن الرجال.
هذه بعض الخلفيات الثقافية والنفسية و الاجتماعية التي نفهم فيها الاستفهام، ويمكن القول إننا ينبغي أن نفهمه في خلفية سنن بعضها كسره السائل (أن يطبخ هو الرجل الشرقي بنفسه لامرأة) وبعضها على المسؤولة أن تحافظ عليه (التأدب وحميمية العلاقة مع العاشق). ولو أجابت بلا على السؤال فإنها ستقوض لا العلاقة العشقية، بل العلاقة الإنسانية إذ كيف لها أن تفعل والرجل ضحى بالغالي والنفيس من أجل إرضائها ؛ وسينقلب الموقف إن أجابت بالنفي وسيكون أي شخص أجاب بهذا الشكل خارج نواميس الضيافة وسنن التأدب. لا الجواب بنعم مقبول و لا الجواب بلا ولا حتى الجواب بلست أدري الذي ينفي الذائقة عنها ويحيطها بهالة من التردد. ليس السؤال إذن سؤالا، بل هو دعوة إلى أن تصفه بما يمتن علاقتهما العشقية.
بيّن سيرل أن الانتقال ذهنيا من عمل لغوي مباشر إلى عمل لغوي غير مباشر، أو من عمل لغوي ثانوي هو الحرفي (الاستخبار) إلى عمل لغوي أولي هو المقصود يكون بما يسميه استراتيجية استنتاجية. تعني هذه الاستراتيجية بشكل مبسط جملة من المراحل يتدرج عبرها الذهن ليفهم أن المقصود ليس الاستخبار بل غيره. فحتى تفهم المرأة أن رجلها لا يطلب أن تجيبه بنعم أو بلا، وأنه لا يطلب رأيها في الشاي، بل رأيها فيه هو عاشقا، على ذهنها أن يعالج الانتقال والعدول عبر مراحل سنبرزها لاحقا؛ كل ذلك ليتحقق مبدأ مهم في التواصل أكده غرايس، هو مبدأ التعاون الذي يتلخص في أن المتخاطبيْن لا بد أن يتعاونا وهما يتحاوران حتى يحدث بينهما التفاهم.
في فهمها للسؤال من المفروض أن تقول المرأة إن سائلها لا يريد أن يعرف رأيها في الشاي فليس الشاي هو الذي يجمعهما، وأن يقودها ذلك إلى أن السائل العاشق يرديها أن تتعاون معه في التواصل وفي تمتين العلاقة العشقية، وأن إجابة بنعم لا تفيد شيئا، خصوصا أن السائل يعلم مسبقا أن الإجابة ستكون لو تمت بنعم. وهكذا فإن السؤال لا يخص السائل الشاي، بل السائل العاشق. سيدور في خلدها أنه بما أننا في لقاء حميمي وبما أنه يريد بطبخه الشاي بنفسه أن يعلم كم أنا مهمة لديه، فعلي أن أشكره على هذه الحظوة الكبيرة؛ وبما أن مقام الشكر مخصوص لخصوصية العلاقة العشقية، فإن عبارة شكرا أقل من أن توفيه حقه؛ عليّ أن أقول له كلاما في الحب، وفي أنه عاشق استثنائي، وفي أنه ألذ من الشاي الذي طبخ، وأنه يسري في فؤادي العاشق أعمق وأحلى من شايه الذي طبخه. هل أعجبك الشاي؟ لا يعني مضمونه أو محتواه القَضَوِي، على حد عبارة سيرل هو يعني دعوة إلى الغزل في كون كل أشياء الأحبة لها فيه طعم أصحابها.
لكن ماذا عن سؤال: هل ترغبين في بعض الحليب؟ من لا يعرف المعلومات الوقائعية التي هي خلفية أساسية له لا يمكن أن يفهمه. هذه المعلومة تخص التمييز بين الشاي العادي والشاي الإنكليزي؛ فإضافة الحليب إلى الشاي تنقله من شاي فاخر طرازي يُستهلك إلى شاي فاخر له طبيعة ثقافية خاصة. وهذا تخيير لا ينتج عنه فقط تغيير المذاق، بل تغيير الغلاف الحضاري، وحين يضاف الحليب إلى الشاي يجعله أكثـر سلاسة. لا أظن أن هذه المعلومات الوقائعية التي تتطلب من المرأة معرفة دقيقة بها تنتج في عالم شرقي محافظ أو تقليدي؛ هي تُنتج وتُفهم في محيط شرقي مفتوح على العالم وعاداته ليس هناك من الشرق لا العادات ولا السلوك ولا الشراب نفسه. الشرقي الوحيد هو اللغة والغرض الشعري؛ لكن اللغة مهلهلة توحي باليومي والغرض الشعري وهو الغزل لا يوحي أي شيء ظاهر فيه بالغزل، بل الغزل ثاوٍ في عمقه: يتحدث الرجل ويستفهم ويريد من امرأته أن تتغزل هي به ولم يعد الشعري مصنوعا بالصورة الشعرية، ولم تعد المرأة تجلس بفتنتها والشاعر كاميرا تصف ما يفتنه فيها؛ صارت المرأة في امتحان وعليها أن تفهم السؤال جيدا، وأن خلفه رجلا يكسر كل تقليد ويسحر لا بشايه، بل بمعنى ليس لدينا في العربية عبارته الدقيقة هو ما يقال له بالإنكليزية Courtesy وبالفرنسية Courtoisie وما يترجمونه بخيانة بعبارة تهذيب. وعلى العشيقة أن تتفطن إلى أن من ثار على معنى الفُحولة صار رجلا لا شرقيا ولا غربيا: صار رمزا كيانه رمز وسؤاله رمز فيه اختبار، ويا ويل العاشقة إن سقطت فيه لأنها عندئذ «ستكتفي كما كانت دوما بقطعة سكر».

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية.

الاستفهام والاستراتيجية الاستنتاجية

توفيق قريرة

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ahmad=Netherlands:

    تحياتنا للاستاذ توفيق.بالنسبة لموضوع السؤال عن الشاي تذكرت قصة قبل ١٨ عام عندما كنت اعمل في مطعم ارجنتينيla tepera كبير يسع فيه مائة وخمسون شخص صاحب المطعم يغني ويعزف على الغيتار للزبائن ،وقبل ان اعمل في المطعم كانوا اصحاب المطعم من تونس.المكان في جنوب هولندا على البحرفي ساحل وبلدةKatwijk.حكى لي زميل و هو من السلفادورقال; مرة اثنان اصدقاء على كورنيش البحر احدهم قال للثاني اعطني ساعتك اليديوية سوف اعمل لك سحر اخذ منه الساعة و رماها في البحر ،بعد ان رمى الساعة في البحر سأله هل تحب ان نشرب شيء ؟قال اريد ان اشرب شاي.دخلو كافتيريا وطلبو فنجانين شاي،وسألني زميلي وقال لي هل تعرف يا احمد عندما احضر الكارسون الشاي ماذا كان يوجد في قدح الشاي؟قلت له الساعة اليدوية؟ضحك و قال لا شاي.وانا من بعدها حكيت القصة لعدة اشخاص وكانت اجابتهم عن السؤال هو الساعة اليديوية كما قلت انا.عن الطريق اللغة يتم خداع الشخص.والمطعم ما زال موجود.

  2. يقول S.S.Abdullah:

    عنوان رائع، ومعلومات شملت زوايا كثيرة، ولكن في هذا المجال لي رأي خاص أقول فيه (أن لكل مجتمع لسان وثقافة ولكل مهنة لغة وأجر)، التدوين في أجواء العولمة وأدواتها التقنية، أثبتت على أرض الواقع منطق الإنسان، ليس منطق آلة، أو منطق حيوان، وهناك فرق شاسع بين طريقة رؤية المرأة عن طريقة رؤية الرجل، وبالتالي طريقة الفهم أو التأويل مختلفة، وبالتالي من يتوقع أي ترجمة بالمحصلة ستكون غير مختلفة فيكون أبعد ما يكون عن الواقع، وأي دولة لم تنتبه إلى أن الإنتاج ذو العائد الاقتصادي داخل حدود دولة شيء، والإنتاج ذو العائد الاقتصادي في أجواء العولمة شيء آخر مختلف تماما، سيكون جمع ناتج كل ذلك سبب في أن شبح الإفلاس يطارد دولنا. لأنه يجب أن لا ننس نحن في عصر الجيل الرابع من الثورة الصناعية للآلة وفق معايير ألمانيا في أوربا واليابان في دول العرق الأصفر، في أجواء العولمة والاقتصاد الإلكتروني، والذي دول مجلس التعاون للخليج العربي، تُريد أن تكون سباقة لتجنيس أول آلة (روبوت) كمواطن عند الإعلان عن مشروع نيوم في نهاية 2017، وقبلها أعلنت دولة الإمارات في عام 2016 تعيين أول رجل أمن آلة (روبوت) وأول طبيب آلة (روبوت)، فكيف سيكون حال بقية الوظائف في الحكومة الإلكترونية، إذن؟ ومن هنا إشكالية من يجامل فلان أو يخش من غضب علان في النظام الملكي، عند تقديم أي تقرير لتشخيص أي وضع على أرض الواقع، ومن ضمنه مناهج التعليم والتأهيل للتوظيف في الدولة، ففي السوق الحر عند التعيين في أي قطاع خاص، لا مكان للواسطة والمحسوبية والرشوة بكل أنواعها بداية من لغة الجسد (الحب) الناتج عن العند والدلع والاختلاط بين ثقافة الـ أنا (الرجل) وثقافة الـ آخر (المرأة) في أجواء العمل، إن كان في الأسرة/الشركة، عكس الحال في القطاع العام في الدولة، الذي أساسه في العادة الأقربون أولى بالمعروف، بالمعرفة وبالتالي التعيين، قبل الغريب عن الأسرة/الشركة. لاحظت هناك مدرستين للأتمتة بشكل عام تم تطبيقها ما بين دجلة والنيل، الأولى تمثل مشروع القدوة السنغافوري (فلسفة الهنود لتقليل التكاليف تطغى عليه)، اعتمدته دول الحصار لقطر (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) بعد 5/6/2017 ولذلك أصبح منطق قولبة الآلة هو المسيطر، في حين الثاني يمثل مشروع الفاتح التركي (حكمة العرق ألأصفر لزيادة الأرباح تطغى عليه)، وبالمناسبة أساس كلا النظامين كيفية تقليل وزن حقيبة الطالب؟!

  3. يقول د. سامي عبد الستار الشيخلي سويسرا:

    هذا هو علم التاويل الذي استخدمته الكنيسة ويستخدم في عدة علوم واستخدمته الحركات السياسية والدينية بانحرافاتها عن الاصول لتكوين طريق تاويل جديد لها وهو علم الهرمنيوتيك اي الكذب على النص الاصلي والمبرقع بثياب خفية ولعل ثاقبي التحليل يفهموا جوهر المقال في التحليل” .بيّن سيرل أن الانتقال ذهنيا من عمل لغوي مباشر إلى عمل لغوي غير مباشر، أو من عمل لغوي ثانوي هو الحرفي (الاستخبار) إلى عمل لغوي أولي هو المقصود يكون بما يسميه استراتيجية استنتاجية. تعني هذه الاستراتيجية بشكل مبسط جملة من المراحل يتدرج عبرها الذهن ليفهم أن المقصود ليس الاستخبار بل غيره. السؤال ما هو غيره؟؟؟ لقد طور هذا المنهج مدرسة براغ الفلسفية ويمكن الرجوع لمبادئ تحليلها.وقد درست جزءا منها في المانيا في التحليل اللغوي وارتباطه بالفلسفة والسياسة. بل قد نجح في التشييع الفارسي حاليا بانتشاره في عدة اقطار عربية وغيرها, نحن مساكين في هذه عمق ابعاد هذه العلوم ومتاهاتها؛ فنرقص على ابعاد زواياها نظن باننا نفهمها ونحن ما عرفنا مأساة كياننا العربي المجزئ المتخاصم بنفسه مع نفسه وحضارته فيرتمي في سموم عصره يلتهم منها ليسكر بنبيذوها. وليرقص على اشلاه نفسه متفاخرا بوجوده القزم وبعيشه في حروب تدممر.وجوده بعلم التاويل في الاستفهام والاستراتيجية الاستنتاجية وهنيئا لعباقرة امتنا في سوق التاويل وقد سبق ذلك كل الاحزاب العربية في طروحاتها المستلهمة من فلسفات الغرب وفشلت كلها في مسيرتها في القرن الماضي والحاضر ب الاستفهام والاستراتيجية الاستنتاجية… لنهضة امة العرب او اية دولة. فالعلم له وجوه عديدة لمن يبحر فيه. لعل من يلجه يتعلم السباحة والسياحة فيه بأمان. اجد نفسي مضطررا للكتابة. بل في هذا الموضوع ناقشت استاذا المانيا حول تحليل الحضارة العربية الاسلامية باستخدامه فلسفة فتكنشتابن وكارناب في التاويل والتعليل والاستنتاج في خطآ تطبيقها على واقعنا العربي والاسلامي فهي خاطئة في الاساس التعويضي.فاضطر لرمي التباشير على السبورة بعنف وخرج من قاعة المحاضرة الجامعية. وكان صراع علمي بيننا افي كنه منطق التحليل الواقعي في العلم والمجتمع. يؤسفني كتابة هذه السطور ولا ادري ان ستنشر او ترمى في المزبلة. مع تحياتي فالعرب لا يحبوا النقد الحق بل الكذب على الذات باساليب لغوية معلومة تدغدغ المشاعر.الم يقال ان اعذب الشعر اكذبه. واللغة هو جوهر العقل.

اشترك في قائمتنا البريدية