الكلام من جديد مع من انقطع معه حبل الكلام عسير ما في ذلك شك. أعسر ما فيه أن نتساءل: كيف نبدأ كلاما بعد صمت طويل، وحبسة إرادية مطوّلة؟ قرار الصمت يسير وقرار الرجوع إلى الكلام عسير. أن تصمت حالة طبيعية لأنّه رجوع إلى حالة السكون الطبيعي الأصلي في البشر؛ وبين السكون والسكوت تميل النفس المرهقة إلى أن تعود إلى كلام كان يدور بين شخصين. الكلام يوجدنا معا والصمت ينفينا بعضنا عن بعض، كأن لم يجمعنا القول بعواطفه وانفعالاته ومقاماته.
قطع الكلام بعد سوء تفاهم، أو خصومة، هو قطع معلّل لذلك الكلام: علته الشعور صدقا، أو وهما أن الكلام الذي تتبادله مع الشخص بات لا يريح وأنّ المقاولة (أي الاشتراك في القول) أضحت مربكة. اليأس من نجاعة المقاولة هو ما يحمل على الصمت الطويل، والرجوع بعد ذلك الصمت الطويل إلى الكلام يبدو لمن يفكر فيه عملا اعتباطيا. فما الذي حدث حتى نحجب الصمت بعد أن حجبنا الكلام؟ وإزاء غياب التبرير يكون قطع الصمت فعلا اعتباطيا. وتعني الاعتباطية هنا أنّ الصمت بات أصلا في العلاقة، وأنّ قطعه والرجوع إلى الكلام ينبغي أن يكون لسبب أقوى من السبب الذي عطّله عند الخصومة.
كثير من البشر يعيشون اليوم في جزر من الصمت لأنّهم لا يجدون السبب المعقلن لقطع الصمت المعلل. وكثير من البشر في العالم يعيشون اليوم في سقيفة وسطى بين استرسال الصمت، والرجوع إلى الكلام المسترسل. هذه السقيفة هي جزء من الصمت، ولكنّها تتطلع إلى الكلام. ربما اعتقد أصحاب السقيفة ممن ينتظرون للصمت أن ينكسر، وللكلام أن يجري ماؤه رقراقا من جديد، أنّ العقبة الكأداء نابعة من فساد أمزجتنا التي تأبى وتستكبر وتتعالى عن الرجوع إلى كلام بطعم الخنوع. قد نكون معا في السقيفة نحن ومن نريد أن نكسر معه جدار الصمت، لكنّ الكلام لا يعود لأنّ الصمت أقرب إلى جبلاتنا وطبائعنا من الكلام، فنحن قوم صامتون قبل أن نمارس عقيدة الكلام.
في اعتقاد رولان بارت وبعض الفلاسفة الإغريق، أنّ الإشكال في قطع الصمت صامت حبسته طبع فيه وليس كلامه. ليس صحيحا بهذا الاعتبار ما ورد في تعريف الإنسان من أنّه حيوان ناطق، أو متكلم، بل على العكس من ذلك في هذه الأطروحة الإنسان ملتفّ في حبسته يلبسها ثوبا أبديا ودثارا طبيعيا، وما الكلام إلاّ قطع وقتي لتلك الحبسة الطبيعية فيه.
لولا الصمت لما كان هناك كلام وللخروج من الصمت إلى الكلام مشقّة ولذلك يحتفي البشر في كثير من المواضع بفواتح الكلام، فقطع الصمت لبداية الكلام حدث شاقّ أكثر مشقة من الرجوع إلى الصمت. حين نتكلم نقطع الصمت قطعا اعتباطيا، كما يقول بارت، ولذلك يعتقد أنّ افتتاح الكلام هو أخطر لحظة في أيّ حدث للتلفظ، لأنّه على حدّ تعبيره «لا يوجد سبب يجعلنا نبدأ من هنا، بدلا من هناك». وقديما اعتقد حكماء اليونان أنّه على المرء أن يجد ما يقوله لكي يبدأ الكلام وهذا ليس متاحا ولا مناسبا في كلّ مرّة.
من يقرأ هذا الكلام سيرمينا بالتهويل، لأنّه بات في وعي الناس اليوم أنّه ليس أيسر من الكلام: بات الكلام متاحا والبدايات التي تقطع معها الصمت مستسهلة صحيح أنّ فعل التلفظ والقول أمر يسير مثل أنّ المشي والجري، فعل يسير لكنّ الإشكال أنّنا لا نتكلم من أجل أن نتكلم، ولا نمشي من أجل أن نمشي، بل نتكلم من أجل أن نقول شيئا مثلما نمشي من أجل الوصول إلى شيء، أو غاية وهذا الشيء إن فكرنا فيه نسينا الفعل الطبيعي وركزنا على وظيفيته وغايته.
العثور على طريقة نبدأ بها هو اختراع عجيب شأنه شأن أقوى الاختراعات التي تضحي بفعل التكرار والعادة مألوفة؛ البشر يألفون سريعا ما كان عسيرا وينسون أنّه كان في أصله اختراعا عسيرا. في الصباح يقول بعضنا لبعض: صباح الخير؛ وهذه تحية بسيطة، وتكمن بساطتها في أنّا نكررها ونعيدها على سبيل التحية الصباحية العادية. أوّل مرّة قال فيها قائل هذه العبارة كانت توليفة اعتباطية صعبة، ولكنّ قائلها قالها ورمى بها في سوق الكلام وتلقّاها أوّل من تلقّاها عجيبة، ثمّ كرّرها على أنّها توليفة لطيفة تجمع بين الصباح والخير، أي بين ظرف عابر وقيمة مطلقة اقترانها بالزمان غير مفيد، كذا جرت على الألسن واستلطفها أول المستمعين والمستعملين وكرروها حتى باتت علامة لا نتوقف عند دلالة لفظها، بل عند بعدها التداولي. أن يحيّي شخص آخر بأن يقرن بين صباحه والخير اختيار اعتباطي أوّل مرّة وجرأة على التوليف بين أشياء في أصلها لا تأتلف، ولكنّ العادة باتت ترينا ما كان اعتباطيا شيئا مألوفا متواضعا عليه.
ختام الليل بعبارة (تصبح على خير) له صلة بافتتاحه بصباح الخير، ولا شكّ في أنّ من ابتدع الثانية كان يحاكي الأولى: عليك أن تستعد للصباح ويكون الصباح حمّال خير. لكنّ الكلام في خاتمة اليوم بتصبح على خير هو أيسر وأقل اعتباطا من الافتتاح بصباح الخير، التي تكون فيها العبارة مفتاح الكلام.
في القصص الشعبي يبدأ الراوي الكلام بقوله: يا سادة يا مادة يدلنا ويدلكم على الشهادة؛ لا أحد يستطيع أن يقول ما معنى مادة في هذه العبارة؟ ولكنّ الرواة والقصّاص والمحدّثين يكررونها فقط لمجانسة السادة، وجعلها موازنه لها. حين يخاطب الحكواتي بهذه الجملة جمهوره، يكون باحثا عن شكل مكرر يكسر به رتابة الصمت: رتابة أنّه لم يقل لهم كلاما سابقا. بالطبع ليس بالضرورة أن يكون المستمعون من السادة، ولكنّه عنصر لغوي للإلهاء، أو لإخفاء البحث عن البداية في الحكي، للبحث عن قطع الصمت والحبسة، التي كانت قبل الحكي.
أن تكون سيدا في مطلع حكاية خرافية فهذا تضليل محبوب ينقلك من وضع إلى وضع إلهاء لك عن مشقة الصمت عن الكلام والقطع الاعتباطي له. إنّ استملاح الكلام هو ما يجعلك تتابعه وتنسى لمَ بدأ هذا الحكواتي الكلام بهذه الجملة. والأمر نفسه في كان يا ما كان، كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان.. فعبارة كان أطلقت معنى الكينونة فيها وباتت شيفرة مكررة قبل أن يغيب بك الزمان في مجاهله القديمة ويقتلعك من راهنية أنبتتك في تاريخ معين وأنستك أنّ هذا القول الذي يكسر الصمت هو قول اعتباطي.
في الكلام الشعريّ يكون الافتتاح أصعب بكثير ممّا هو عليه في الكلام اليومي وأن يعيد الشعراء فاتحة واحدة، فهذا نوع من ألفة الاعتباطي وعدم وجود شيء أفضل منه؛ هو ضرب من إعادة صباح الخير، حتى إن كان القائل يستعمل العبارة وكأنها شكل للتحية تغيب عنها صدقية نواياه في مضمونها. الوقوف على الأطلال هو من هذا الضرب من كسر اعتباطية الصمت والدخول في تجربة عاطفية فيها ثلاثة رجال يقفون في مكان مرمد يطلبان أن يبكيا لأنّ لرفيقهما صاحبة هجرته ورحلت بلا عنوان. يلهيك المشهد ويصبح بفعل التكرار سنّة ويكسر بذلك التكرر اعتباطية الافتتاح بعد صمت. يحاول العلم أن يكون هو أيضا بمقدماته التي تكسر الصمت العلميّ وذلك بذكر فرضيات يريد البحث أن يجربها، ولكنّها فرضيات لا تقتل الصمت، بل ترسم رحلة افتراضية لكلام سيطول بحثا عن إثبات الفرضية الفاتحة او دحضها. هناك دائما دهشة ترافق الكلام الأوّل الذي يجمعك بمن لا تعرف هي دعوة إلى إقامة علاقة عبر الكلام ودعوة جماعية إلى ابتداء كلام قدره أن يكون جماعيا. لكن الصمت والحبسة وموت الكلام، هي حالات فردية وقرارات أحادية وجبر لا اختيار فيه ولا يوجد فيه من يحاسبك على أنك صمتّ وعدت إلى حبستك الأولى. ليس في الصمت قوانين ولا في الحبسة لوم ولا يوزن الصمت بالقيراط من الفضة، ولا الذهب كما يقولون إنما هو قالب يمكن أن يظل فارغا ويمكن أن تسكب فيه ألوان الكلام.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية