كثيرا ما لا تعدو عبارات السؤال عن الأحوال كونها عبارات آلية.. وقليلا ما نتوقف عند مغزى الاستفسار عن الأحوال لنقيس أبعادها. لكن هذا ما تغوص فيه استطلاعات الرأي، ومنها استطلاع للرأي أجراه معهد «فيا فوتشي» عن الواقع الفرنسي الراهن، لفتني أساسا لأن من يتابعنا من الخارج يستطيع أن يشكل عبره صورة أدق لنفسية الفرنسيين أمام تحديات بلدهم. فلنتخذ يوم العيد الوطني هنا في فرنسا، توقيت كتابة هذا المقال، مناسبة لتحليل محتويات هذا الاستطلاع.
من ملامح الصورة الرئيسية، السؤال الخاص عن المجتمع «متنوع الثقافات»: هل ترى أن الطابع الثقافي المتنوع للمجتمع الفرنسي نقطة ضعف، أم نقطة قوة؟ يجيب 61 في المئة من الفرنسيين، وهذا من الأهمية بمكان، أنهم يعتبرون أن مجتمعا متعدد الثقافات نقطة قوة، لكن ليس من دون صعوبات.
في نظري، كل التحدي هنا، وتتفرع عنه المحاور الأساسية الأخرى المطروحة في الاستطلاع، على أساس أن تعدد الثقافات مقوم أساسي من مقومات المجتمع الفرنسي، وبالتأكيد، أكثر من مجتمعات أخرى.. التنوع كنقطة قوة إذن، والسؤال أين تكمن نقاط الضعف؟ هنا نفهم وجاهة أسئلة تطرح في هذا السياق مثل :
*هل تعتبر على المستوى الشخصي أن فرنسا بلد تشعر فيه بالارتياح؟
*هل تعتبر نفسك محظوظا بالعيش في فرنسا؟
*هل تشعر على العموم بأنك مندمج جيدا في المجتمع الفرنسي؟
فرنسا لا تزال تبحث عن ذاتها، التي دائما ستتعارض مع التكاتف الجماعي فهو ليس من صميمها، ليس من النموذج الجمهوري
قد نتفاجأ من مستوى الإجابة بـ»نعم» عن هذه الأسئلة، فهو يفوق السبعين في المئة، مستوى يعبر عن ارتياح نفسي لا ينسجم بالضرورة مع التوقعات المستقبلية. لننظر إلى الأسئلة التي غادرت نطاق الحاضر الآني لتتناول المستقبل، هنا نجد ما يلي: 47 في المئة من المستطلعة اراؤهم يعتبرون أنفسهم متفائلين بمستقبلهم عموما مقابل 43 في المئة. الفارق بسيط، وإن سمح لنا بالعودة إلى تلاعب إميل حبيبي اللفظي في روايته الشهيرة قلنا إن معدل «المتشائلين» الفرنسيين بمستقبلهم أرفع من معدل المتفائلين. 61 في المئة يشككون في قدرة فرنسا على البقاء متماسكة، مقابل 32 في المئة. هنا، يرى المفكر المتخصص في حركات الشعوب بيير هنري تافوليو: «أن البلد يظل مطبوعا بتوترات ثقافية ترجع لكون الفرنسيين يعيشون أكثر فأكثر معزولين». قد يفسر هذا الواقع بالتفسير المعتاد، أي تعزز التكاتف الجماعي (communitarism) في فرنسا في السنوات الأخيرة، لكن التكاتف الجماعي نتيجة وليس سببا. فالسبب المطروح دائما وأبدا، هو لماذا تتقدم الهجرة على مواضيع مثل البيئة وأعمال الشغب والانحراف والفقر في ترتيب المحاور التي يرغب الناخبون في مناقشتها؟ «نعم، ما زلنا نرغب في العيش معا، لكن لم نعد نعلم كيف ولماذا، بحكم تطورات المجتمع» يضيف تافولو.
فرنسا لا تزال تبحث عن ذاتها، التي دائما ستتعارض مع التكاتف الجماعي فهو ليس من صميمها، ليس من النموذج الجمهوري. فرنسيون سعداء عموما، شعورا اندماجا وحظوظا، لكنهم قلقون من تماسك مجتمعهم. هنا، القلق متزايد ويتجسد في رد مختلف حسب الزمن على سؤال: هل ما يجمع الفرنسيين أهم مما يفرقهم، أم العكس؟»: 49 في المئة يردون بـ»نعم» عندما يوجه لهم السؤال بخصوص مناحي الحياة اليومية (نقترب من الأكثرية ولكن لا نصلها). لكن عندما يعتمد على القادم من السنوات كمعيار لقياس الشعور نفسه، يصبح الرد معاكسا بنسبة مئوية لافتة: 23 في المئة فقط من الردود الإيجابية لا تزال تعتقد أن التماسك ممكن.
يبقى السؤال الأساسي كيف يترجم اجتماعيا شعور أغلب الفرنسيين بالعيش مرتاحين من جهة، والتوجس مما يحمله المستقبل في طياته من جهة أخرى؟
الشق الأول من هذا السؤال، تحدده الأجوبة السبعة على السؤال الموالي: ما الذي يحتل برأيك المكانة الأهم في كونك فرنسيا؟ تباعا، يورد الاستطلاع المحاور التالية:
– نموذج اجتماعي فريد من نوعه (20 في المئة)
– نمط المعيشة واللغة (12 في المئة)
– التاريخ (10 في المئة)
– العلمانية (9 في المئة)
– الدفاع عن قيم تميزنا عن دول أخرى (7 في المئة)
– الرغبة في التعايش (6 في المئة)
– نموذج سياسي متميز: الجمهورية، النموذج الديمقراطي (5 في المئة) .
أما الشق الثاني من السؤال (التوجس من المستقبل)، فيعبر عنه محور الفوارق الاجتماعية (ما هي الفوارق المتأصلة في المجتمع الفرنسي التي تشغلك أكثر؟)
في المرتبة الأولى، نجد الفوارق الاجتماعية، ثم الفوارق المتعلقة بالأصول، ثم الفوارق الجغرافية، ثم الفوارق الجيلية، ثم الدينية، ثم الجندرية، ثم الرقمية. بقي لنا أن نتساءل عن الترجمة السياسية لهذه التوجسات، وهنا الجواب مثير للاهتمام. فعند سؤال المستطلعة اراؤهم هل يعزون التموقع الجديد لتشكيلات أقصى اليمين وأقصى اليسار داخل قبة البرلمان الفرنسي لهذا المزاج العام، أكيد أن 66 في المئة يتحدثون عن صعود التوجهات الراديكالية، لكن 50 في المئة يعدلون التشخيص بتفسير لافت عندما يتحدثون أيضاً عن دخول التشكيلات المتطرفة الجمعية البرلمانية الفرنسية كـ»مؤشر على صحة الديمقراطية «.
هنا، من المفيد جدا أن نسمع كلام أحد أبرز علماء الاجتماع الفرنسيين وهو فرانسوا دوبيه، عندما يذكر أن الواقع الفرنسي «غير قابل للمقارنة مع الواقع الأمريكي مثلا»، حيث ذهب الشقاق أطلاسيا إلى حد أن الديمقراطيين يعيشون في أحياء مختلفة عن الجمهوريين، ويتابعون وسائل إعلام محصورة على توجهاتهم السياسية. يتميز هذا العمل إذن بكونه يتجاوز التفسيرات والحجج المألوفة عند تناول الواقع الفرنسي وتجلياته، فلا يحصر التفسير مثلا، حتى إن كان يفرد له ما يستحقه من الاهتمام، بحجة القطيعة بين الفرنسيين ومسؤوليهم السياسيين ونسب الامتناع عن التصويت القياسية المترتبة عن الشرخ ذاته، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، إلى أن الثوابت أكثر صلابة من المتغيرات، لكون أرضية قيم الديمقراطية والتضامن والانفتاح أكثر متانة من مخاطر الانكفاء والأدلجة والانغلاق. وهنا أكثر من «تشاؤل»..
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بسم الله الرحمن الرحيم
فرنسا لا تتقبل المسلمين هذه حقيقه وتحاصرهم في ابسط رموزهم وتريد منهم الانسلاخ عن دينهم من خلال شعار ظاهري هو ادماجهم ب بينما في الحقيقه الذي يرفض الاندماج هي فرنسا اذكر لكم عزيزي الكاتب وانتم باحث كبير في فرنسا واعلامي مشهور انني طلبت موعدا مع رئيس البلديه باريس 17 لتقديم النشيد الوطني الفرنسي على شكل قصيده عربيه هديه مني للشعب الفرنسي ولم يتنازل العمدة بان يرسل ادنى رد رغم تنبيهه برسالة لطيفة بعد شهر حيث انا شاعر معروف
من الفرنسيين اشخاص في منتهى الادب أراهم جواهر بني الإنسان والشموع المضيئه ولكن للاسف الشديد الحملة الاعلاميه على الاسلام التي لا تشمل المتطرفين المسلمين انما تشمل كل مفردات الدين الاسلامي هي اكبر حاحز لاندماج فرنسا مع المسلمين وليس العكس
A good article.could u write back to:[email protected]?thnx
من المؤسف أن تختزل فرنسا كل مشاكلها في خانة واحدة وهي الإسلام( الفولار، البوركيني،…).
سيدي البقاء يكون دائما لمن يستطيع التكيف مع المتغيرات. فرنسا دولة كبرى و عليها التفكير على أنها دولة كبرى.
عزيز الجزاري الدولة مهمتها مراقبة كل كبيرة وصغيرة إذا الدولة ما تدخلت وحلت المشاكل التي انت تراها صغيرة فلن يكون مجتمع متماسك
النشيد الوطني الفرنسي La Marseillaise لن يتغير ببساطة كما تعتمد هو يعتمر رمز ووحدة الشعب الفرنسي ضد الاستبداد