أمريكا بين دعم الاحتلال وتحدّي القضاء

لم تُخف أمريكا يوماً امتعاضها من المنظمات الدولية المستقلة التي تتبنى سياسات أو مواقف مستقلة إزاء قضية فلسطين. فقد التزمت سياسة ثابتة بتوفير دعم مطلق لكيان الاحتلال، واستهداف من يعارضه. وقد طُرحت تساؤلات مشروعة حول من الذي يخدم من؟ هل أن «إسرائيل» هي التي تخدم المصالح الأمريكية أم العكس. ومع الاعتراف بأنّ مصالحهما مشتركة ومتداخلة، ولكن نظراً لتباين الحجم السياسي والاقتصادي لكل منهما، فمن المؤكد أن أمريكا هي التي تحمي كيان الاحتلال، وتعتبره موقعاً متقدماً في صراع المصالح مع الشرق الأوسط. وفي السابق كان الدعم الأمريكي محصوراً بضمان التفوق العسكري الإسرائيلي على الجانب العربي، فكانت واشنطن تنأى بنفسها عن بعض السياسات والمواقف الإسرائيلية. ولكن أصبح واضحاً الآن أنها لا تألو جهداً في توفير الدعم بكافة أشكاله، بل تجاوز الأمر ذلك فأصبحت أمريكا تحارب من يتصدّى للسياسات الإسرائيلية علناً، حتى لو كان ذلك الطرف مرتبطاً بالأمم المتحدة أو أي شكل آخر من العمل الدولي المشترك. هذا برغم حدوث تطورات كبيرة في التكنولوجيا العسكرية وفّرت لكل من واشنطن وتل أبيب ما يكفي من وسائل دفاع وحماية.
في الأسبوع الماضي اتخذت أمريكا موقفاً خطيراً يهدّد العمل الدولي المشترك ويعرّض سمعتها للانتقاد والتشويه. فقد قال وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو إن واشنطن ستفرض عقوبات على اثنين من قضاة المحكمة الجنائية الدولية لاستهدافهما «إسرائيل». وقال روبيو في بيان «أدرج اليوم على قائمة العقوبات قاضيَين من المحكمة الجنائية الدولية، وهما جوتشا لوردكيبانيدزه من جورجيا وإردينيبالسورين دامدين من منغوليا بموجب الأمر التنفيذي رقم 14203″، في إشارة إلى الأمر الذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فبراير/ شباط الماضي والذي يقضي بفرض عقوبات على المحكمة.
هذه الإجراءات ترفع الدعم الأمريكي لـ «إسرائيل» إلى مستويات غير مسبوقة. هذه السياسة لا تنحصر بالدفاع عن وجود «إسرائيل» الذي التزمت أمريكا بحمايته، بل بموقف العالم من سياساتها، بينما يقضي المنطق السويّ أن تبادر واشنطن إلى ردع تل أبيب عندما تقوم بسياسات عدوانية أو تتجاوز السياسات الدولية.
وكثيرا ما قيل إنّ الصداقة الحقيقية تقتضي منع الصديق من ارتكاب ما يتجاوز الحدود، وذلك لمصلحته قبل كل شيء. فالتجاوز يرتد على القائمين به. ويقتضي منطق الأشياء منع حدوثه من أي طرف. ولكن الواضح أن أمريكا لم تعد تتصرّف وفق منطق الحكمة، وأن حمايتها «إسرائيل» لا تحدها حدود وليست محكومة بمنطق أو مبدأ، بل مؤسسة على العصبية والسياسات القائمة على التمييز والعنصرية والاستكبار.
منذ ثمانين عاماً عاش العالم ظروفَ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبذلت دولُه ومنظماته الدولية جهوداً لتنظيم علاقات الدول بقوانين واتفاقات دولية متوافق عليها وليست مفروضة من طرف واحد أو أطراف بعينها. وأدت تلك التطورات إلى إنشاء قضاء دولي مستقل لحل الإشكالات والخلافات بين الدول. وتحت مظلة الأمم المتحدة أنشئت محكمة العدل الدولية (1945) ومحكمة الجنايات الدولية (2002)، وكلها محكومة باتفاقات جنيف التي تنظم العلاقات، ويُفترض أن ينجم عن ذلك وضع سياسي دولي محصّن بتلك الآليات والاتفاقات.
وتعتبر محكمة الجنايات الدولية رادعاً عن ارتكاب الجرائم خصوصاً ما يرتبط بها بالإبادة والعدوان. ولم يكن متوقعاً أن تتخذ كبرى دول العالم مواقف مضادة لتلك الآليات. فالدولة الكبرى مثل أمريكا تحظى بحصانة ذاتية متينة تحمي وجودها مهما كانت الظروف. كما أن تلك الدولة تستطيع امتصاص القرارات الدولية خصوصاً التي تتعلق بالأشخاص الذين يتجاوزون القوانين والقيم الإنسانية. ولكن من مصلحة أمريكا أن تكون أيقونة لاحترام القانون الدولي فتتصدر العمل الدولي المشترك وتساهم في تفعيل آلياته الهادفة لحماية الأمن والاستقرار الدوليين. أما ان تتمرد على تلك الآليات فسوف يعيد أجواء التوتر الدولي ويحرم العالم من أمنه واستقراره. فليس جديداً القول إن أمن البلدان واستقرارها إنما يتوفران بتفعيل القوانين ومنع التجاوز والمخالفات والتصرفات الإجرامية. فإذا تنصّلت الدول من تلك الالتزامات فسوف تصبح الفوضى سيدة الموقف، وسيكون السلاح وحده هو الآلية التي تلجأ لها الدول القويّة عندما تواجه تحديات قانونية أو سياسية من الدول الأخرى.
ليس من مصلحة الولايات المتحدة الإصرار على حماية «إسرائيل» في السّرّاء والضّرّاء. ومع التسليم بأنها تنظر للكيان أنه القاعدة المتقدمة لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، إلا أن العقود الأخيرة تجاوزت تلك المقولة تماماً، فأصبحت أمريكا هي التي تحمي الكيان الذي لم يعد قادراً على توفير تلك الخدمة. خصوصاً أن تلك المصالح تجد من يحميها من الأنظمة السياسية العربية المتحالفة مع أمريكا. كذلك فإن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة على أوسع نطاق، يوفر لها يداً ضاربة وقت الحاجة. يضاف إلى ذلك أن تلك المصالح لم تتعرض للتهديد بشكل جاد. فأهم ما لدى المنطقة سلعة النفط التي لم تتوقف عن أمريكا يوماً، وليست محكومة بقوانين الاقتصاد التي يُفترض أن تساعد على حماية أسعارها لتبقى مواكبة للاقتصاد العالمي. فأمريكا، برغم استمرار تراجع اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، لم تتعرّض مصالحها الاقتصادية للتهديد يوماً بشكل جدّي، برغم دعمها المطلق للاحتلال. وها هي أساطيلها وقواعدها العسكرية منتشرة في كل زاوية من الشرق الأوسط بدون أن تتعرض للتهديد من أحد. بينما تمارس الإدارات الأمريكية سياسات عدائية تجاه قضايا العرب خصوصاً إزاء فلسطين، فلا يمكن أن يصدر قرار عن مجلس الأمن الدولي يشجب الاحتلال، لأن أمريكا اعتادت استخدام حق النقض لإفشال أية محاولة. فقد استخدمت ذلك الحق أكثر من 50 مرّة منذ الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي يؤكّد الدعم السياسي المطلق الذي تقدمه الولايات المتحدة للكيان الإسرائيلي.

ليس من مصلحة الولايات المتحدة الإصرار على حماية «إسرائيل» في السّرّاء والضّرّاء. ومع التسليم بأنها تنظر للكيان أنه القاعدة المتقدمة لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، إلا أن العقود الأخيرة تجاوزت تلك المقولة تماماً.

إن استهداف المنظمات الدولية بالعقوبات الأمريكية أمر خطير لأنّ ذلك محاولة لتعويق القضاء الدولي، وهو القضاء الأكثر نزاهة في العالم، والأقدر على ردع مرتكبي الجرائم الكبيرة.
وتميزت إدارة ترامب بعقوباتها الشديدة في هذا الجانب، فقد فرضت عقوبات على قضاة ومدّعي عام في المحكمة بسبب تحقيقاتها في جرائم حرب في أفغانستان وفتح قضايا ضد «إسرائيل». وفي الأسبوع الماضي أدرجت على قائمة العقوبات القاضيين جوتشا لوردكيبانيدزه وإردينيبالسورين دامدين. فما هي جريمة القاضيين المذكورين؟
في الأسبوع الماضي رفضا أحد الطعون التي تقدمت بها إسرائيل حول التحقيق في تصرفاتها خلال الحرب على غزة. وقال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو إن قرار المحكمة التحقيق في التصرّفات الإسرائيلية في غزة التي أدّت لقتل أكثر من 60 ألفا من سكانها تمثل «تهديدا للأمن القومي واُستخدمت أداة للحرب القانونية ضد الولايات المتحدة وحليفتها الوثيقة إسرائيل».
هذه العقوبات تضاف لعقوبات أخرى في شهر يونيو /حزيران الماضي واستهدفت 4 قضاة آخرين في المحكمة الجنائية الدولية.
وفي فبراير/شباط الماضي فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المدعي العام للمحكمة كريم خان الذي أطلق إجراءات ضد قادة إسرائيليين. ولدى أمريكا أهداف عديدة من هذه الإجراءات، على رأسها توفير حماية حديدية لكيان الاحتلال الذي نال نصيب الأسد من الشجب الدولي طوال ثلاثة أرباع القرن. ولذلك تستهدف المنظمات والأفراد الذين يتناغمون مع تلك المنظمات. وقد أعربت منظمة العفو الدولية عن دعمها وتضامنها مع المنظمات الحقوقية المستهدفة، ودعت حركة حقوق الإنسان العالمية للتصدي للقرارات الأمريكية المشينة «حفاظًا على إنسانيتنا المشتركة ومستقبل حقوق الإنسان على الصعيد العالمي».
وهكذا يقف العالم اليوم على أعتاب مرحلة قديمة تتجدد، بين أن يكون محكوماً بالقوانين التي أقرّتها دول العالم من خلال المنظمات الدولية المعروفة، أو يُحكم بالقرارات الأمريكية غير المحايدة التي تضع أمن «إسرائيل» ومصالحها فوق كل شيء. وأمام أمريكا، هي الأخرى خياران: فإما الوقوف مع العالم ودعم القضاء الدولي وتفعيل الآليات الدولية لحل الخلافات، أو التمرّد على ذلك كله والتشبث بمقولة «أمريكا أوّلا» وما يعنيه ذلك الشعار من الابتعاد عن العمل المشترك (مالتي لاتيراليزم) وما يتضمنه من التخلّي عن قيادة العالم والنزعة نحو الداخل. لو حدث ذلك فسوف تتوفر فرصة لقوى أخرى صاعدة ستحل محلّ أمريكا وتدفعها نحو العزلة. ولدى بعض زعماء أمريكا هذا التوجه منذ عقود، وهو التوجّه الذي التزمت به أمريكا بعد انسحابها من فيتنام في العام 1975، والانسحاب من المشهد الدولي، ذلك الانسحاب الذي لم يستمر سوى 15 عاماً. فجاءت أزمة الكويت في العام 1990 وقرّرت واشنطن خوض واحدة من كبريات الحروب التكنولوجية في العصر الحديث.
إن التدخلات الأمريكية ليست اضطراراً، بل هي استمرار للعقلية الامبريالية الغربية التي تساهم في منع حدوث توازن واستقرار في العالم. والواضح أن هذا النفوذ يدفع أصحابه للتمرّد على القوانين الدولية بشكل عام، ورفض الانصياع للواقع القائم، وفي ذلك إخلال إضافي بالتوازنِ والعيشِ المشترك وتكريسِ الأمن والاستقرار الدوليين.

كاتب بحريني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية