أنا من أهوي…
رشاد أبوشاورأنا من أهوي… أنا من أهوي ومن أهوي أنا نحن روحان حللنا بدنافإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا (الحلاّج) عرفناهما معاً، منذ اليوم الأول لدخولنا ساحة مدخل الجامعة، ونحن ندور حول حديقة الورد الصغيرة التي تجمّلها أشجار نخيل متناسقة..بعد أن تصادقنا، سألته ذات ظهيرة ونحن نجلس في (البوفية) نأكل السندويشات مع المرطبات:ـ كيف عرفتما بعضكما، أين، ومتي؟أجابني ساهماً بصوته الخافت الهامس:ـ رأيتها تقف علي الدور لتقديم أوراقها أمام الصندوق، فتأملتها، وإذا قلبي يرتجف في صدري، وإذا بي أندفع صوبها كالمنوّم، وأسألها عن اسمها، وماذا ستدرس. ضحكت، ونظراتها في عيني دون أن تطرف جفونها، جعلتني أقول لنفسي: هذه المرأة لي وأنا لها، نحن قدر بعضنا، ومنذ ذلك اليوم صرنا واحداً. هي كما تعرف درست الصيدلة وأنا درست الفلسفة، ونمت في نفسي محبّة الأدب والكتابة.ـ و..كيف بعد كل هذا الحب انفصلتما، ولم تعودا تظهران معاً ؟تنهّد، وأغمض عينيه، ونقرت أصابعه علي الطاولة نقراً خفيفاً، كما لو أنه يعزف علي مزهر، وسمعت همهمة رغم انغلاق فمه، مع تحريك لطيف لرأسه.ـ كنت أردد دائماً شعر (الحلاّج)، ولا سيما هذين البيتين:أنا من أهوي ومن أهوي أنانحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتناوذات يوم دارت بي عدة دورات في الساحة حول الحديقة الصغيرة، وكانت تتأمّل الزهور، تنقّل نظراتها بينها وبين الأفق البعيد، ثمّ تنهدت بعمق كأنها تزيح ثقلاً عن صدرها، ونطقت ببطء:ـ اسمع أيها الغالي: أنت تحبني أكثر مّما أحّب نفسي، حتي إنني نسيت نفسي بسببك، وبّت أغار من حبك لنفسي اكثر من حبّي لها. دوّختني في اقتفاء خطاك، والدوران حولك، وامتلاكك لي، وحرصك علي. أريد أن أتحرر منك لعلي أحبّك حّب امرأة لرجل، بعد أن أجد نفسي…رأيتها تدخل البوفية مع زميلة لها، لحظتنا معاً فأشاحت بدون نفور. إنها تتحاشي صاحبها القديم حتي لا تتوتر، أو تندم، أو تضعف…جلستا غير بعيد عنّا، فرأيته مستغرقاً في تأملها، بعينين مفتوحتين علي وسعهما، بعينين طفحت دموعهما بغزارة وصمت، وسالت علي زاويتي أنفه، وشفتيه، وذقنه، وتساقطت علي سطح الطاولة.انسللت مغادراً دون أن ينتبه لي.وقفت في مدخل البوفيه وأخذت نفساً عميقاً، وابتهلت لله أن يلطف بهما.مرّت هي وزميلتها، فسمعتها تحكي لها بصوت عال:ـ أنا أحبّه، ولكنه لفرط حبّه لي يشغلني عن نفسي، هو يرفعني إلي السماء، وأنا أريد أن أعيش علي الأرض…سألتها زميلتها:ـ أهو رومانسي، عاطفي ؟ـ لا، لا، هو غير هذا، إنه.. لا أدري كيف أصفه، إنه يخطفني ويحلّق بي في السماء، وأنا أخاف من هذا العلو…ہہہيمكن القول إننا نحن الطلاب والطالبات، الذين عرفنا حبّهما، وغرنا منه، بتنا مصابين بحالة حزن منذ وهنت علاقتهما..ہہہلما دخل بملابسه الغريبة إلي البوفيه، وبين راحتيه (مزهر) أخذ ينقر عليه ـ متي تعلم هذا ؟!ـ ويدور حول نفسه، ودموعه علي خديّه وهو يترنّم:ارحم فؤاداً قد ضناه هواكاوجدنا أنفسنا ونحن نتحلق حول الطاولة التي تجلس فتاته وصويحباتها حولها، وقد تحولنا إلي جوقة تردد معه:ارحم ارحم يا سيدي ارحم … … …ومنذ ذلك اليوم انطلقت فرقة (دراويش الجامعة)، وصرنا من مريديه..يرحمه الله.سنة واحدة و..رحل، أخذ لونه يشحب، ولم يتسلم شهادته الجامعية، وأعلن لنا هو العارف:ـ هي الجامعة وأنا، أنتم..الدراويش ! نحن دراويش (الجامعة)… ماذا جري لها بعد رحيله ؟!هي تحضر كل أمسيات أناشيدنا، وإذ تدخل الحالة، ويبلغ وجدها مداه، تخرج منديلاً أهداه لها منذ كانا في السنة الدراسية الأولي، وتأخذ في التلويح به، مرددة:فإذا أبصرته أبصرتنيوتتوقف وتصيح:أعنّي يا رب علي هول الهويأردت أن أهرب منكفإذا أنت في فلا فكاكفلا تعجبوا أنها باتت اليوم (نقيبة) فرقتنا المنشدة وأنها تنقر علي مزهره، وأنها في ذروة اندماجها تنشد بصوت كأنه صوته تماماً، فيخيّل لنا بأنه معنا، حاضر لا يغيب، لا سيما عندما يعّن ببالها أن ترتدي ملابسه!QSR0