استقالة ستارمر: كما طار مبكراً وقع سريعاً

حجم الخط
10

كثيرة هي الدروس التي يمكن استخلاصها من مسار رئيس الوزراء البريطاني المستقيل كير ستارمر، الذي انتقل من قيادة حزب العمال نحو فوز ساحق في انتخابات تموز/ يوليو 2024 التشريعية، إلى هبوط متلاحق في الشعبية ضرب الكثير من الأرقام القياسية وألزمه باستقالة مدوية قبل أن يكمل سنتين في المنصب.
لعل أول الدروس تتمثل في أن صعود ستارمر في الهرم الأعلى لقيادة حزب العمال اقترن أيضاً بسلسلة من الخيارات المضللة والديماغوجية، تغذت أولاً على الهزيمة النكراء التي مُني بها الحزب في انتخابات ربيع 2022، وكانت الأشنع منذ سنة 1935، خاصة وأنها توجت فشلاً ذريعاً في 4 انتخابات تشريعية متتالية.
كذلك اعتمد ستارمر في تشييد شعبيته على سلسلة وعود عنوانها إرساء «حكومة خدمات عامة» وإعادة الاحترام للسياسة، ومراجعة الإنفاق الحكومي، واقتراح صيغة نيوليبرالية وسطية لاقتصاد بريطانيا ما بعد الـ»بريكست» ومغادرة الاتحاد الأوروبي. كذلك انخرط في عمليات تجييش غوغائي لفرضية العداء للسامية داخل صفوف الحزب، وأنها آخذة في الشيوع والترسخ بتشجيع من جيريمي كوربن سلفه في قيادة الحزب، وأن المنحى اليساري الذي اتخذه الأخير تسبب في خسائر الحزب المتلاحقة.
الدرس الثاني يتصل بالأثمان الفادحة التي توجب أن يدفعها ستارمر نتيجة انقلابه على وعوده، رأساً على عقب أحياناً كما في تخفيض المعونات الاجتماعية وانحدار الخدمات العامة وخطط زيادة الميزانيات الدفاعية، أو نتيجة أخطاء كبرى لا تُغتفر مثل تعيين بيتر ماندلسون سفيراً في واشنطن على الرغم من فشل الأخير في اختبارات الكفاءة الأمنية للمنصب، قبل أن تتكشف لاحقاً صلاته الوثيقة بفضائح إبستين، وأنه أيضاً سرّب معلومات مكتومة وحساسة تضرّ بالتجارة البريطانية.
الدرس الثالث هو أن المنافسة على قيادة الأحزاب البريطانية لا تتصف أصلاً بالتسامح والروح الرياضية بل تبيح الكثير من المحظورات، خاصة حين يقع قائد الحزب ضحية أخطاء فاضحة فتكثر من حوله السكاكين الساعية إلى الإجهاز عليه والحلول محله. وليس الصعود الراهن لعمدة مانشستر الكبرى السابق آندي بيرنام، وتمكينه سريعاً من الفوز بمقعد في مجلس العموم للمنافسة على قيادة حزب العمال، سوى الفصل الأحدث في مسلسل طويل طبع الحياة السياسية البريطانية بأسرها.
يبقى درس رابع على صلة بحصة خاصة لا يمكن إغفالها ضمن جملة الأسباب التي تكفلت بأفول نجم ستارمر، وهي مواقفه المشينة المبكرة من حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، إذ أنه لم يكتفِ بتأييد العدوان الإسرائيلي والسكوت على استهداف السكان المدنيين ورفض مبدأ وقف إطلاق النار، بل ذهب نحو مستوى أقصى من الانحطاط الأخلاقي حين برر لدولة الاحتلال قطع الغذاء والماء والكهرباء عن القطاع.
وتكاملت مواقفه في استمرار تزويد الاحتلال بالأسلحة والخدمات اللوجستية، وملاحقة نشطاء التضامن مع القضية الفلسطينية على الأراضي البريطانية، وفصل الأطباء المتعاطفين مع مآسي قطاع غزة، وتكليف القاعدة العسكرية البريطانية في قبرص بتزويد جيش الاحتلال بمعلومات استخباراتية. وأما الاعتراف بالدولة الفلسطينية فقد كان تحصيل حاصل رمزي، لمبادرة ذات سياقات أوروبية تتجاوز بريطانيا.
ولعل في استقالة ستارمر تأكيد للمثال القديم، عن ذاك الذي كما طار سريعاً وقع مبكراً.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Abdo Abdoo:

    في بريطانيا، ذهاب رئيس وعودة آخر لايغير شيئا فيما يخص القضية الفلسطينية، بل دار لقمان كانت وستظل على حالها فيما يخص حلحلة هذا الملف، لأنه وببساطة، أصعب من أن يحله حتا رئيس الوزراء هناك ، رغم انه هو أعلى هيئة سياسية في البلاد ، فبريطانيا العظمى دولة صهيونية ، كانت وستبقى وهكذا ستظل، وهكذا قدر لها أن تكون .

  2. يقول أسماء:

    هذا التباكي المفتعل على ما تبقّى من القضية الفلسطينية بسبب من المواقف المشينة التي يتخذها كير ستارمر تجاه الحرب الإبادية الإسرائيلية ضد ما تبقّى من قطاع غزة، هذا التباكي المفتعل لم يعد يجدي نفعا في حقيقة الشأن ما دام يعيد نفس الإسطوانة المشروخة في كل مرّة ومنذ أعقاب السابع من أكتوبر 2023 !!.

    1. يقول باسمة:

      نشر موقع Middle East Eye مؤخرا تقريرا قال فيه إن ستارمر المستقيل ظل داعما مستميتا لإسرائيل طوال حربها الإبادية على غزة وظلت خطاياها تلاحقه كالكابوس.. ومنذ ذلك الحين (عام 2024)، فقد حزب العمال بعهده دعما هائلا، مع صعود حزب الإصلاح، وشعور ناخبي اليسار بأن الوضع قد بلغ حدا لا يطاق. وأظهر استطلاع الرأي أن حزب العمال خسر أصواتا لصالح حزب الخضر اليساري أكثر مما خسره لصالح حزب الإصلاح في الانتخابات المحلية الأخيرة.. ثم كشف استطلاع آخر أن أكثر من نصف ناخبي حزب العمال السابقين الذين يعتزمون التصويت لحزب وسطي أو يساري قد أشاروا إلى الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة كعامل مؤثر في قرارهم !.

  3. يقول سامح// الاردن:

    *في أي دولة تطبق ( الديمقراطية) لا يهم
    ذهاب أي مسؤول لأن البلد يعتمد
    ع المؤسسات وليس الأشخاص.
    ** حسبنا الله ونعم الوكيل والله المستعان.

  4. يقول أمين:

    هو لم يكن متحررا بالشكل الذي تصوره ناخبه. هو كان تحت سلطة مَن استعمله لتحييد جيريمي كوربن.
    كوربن كان استثناء، و لو أبدى استعدادا لخدمة ما خدمه ستارمر لتسخّر له الاعلام الذي أسقطه هو و رفع ستارمر.
    و كالعادة لا ينتقي صهيون لخصومه ساسة مقتدرين من ذوي الشخصية و الأهلية و إنما ممن يسهُل عليه التحكم فيهم و تحريكهم.

    غالب الظن أن ستارمر بلغ مرحلة لم يعد يقوى معها على تمرير سياسة او قرار .. فاستقال.

  5. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، استقالة ستارمر: كما طار مبكراً وقع سريعاً، إنجلترا دولة بنية على الاستعمار والعنصرية وهي صاحبة قرار خراب المنطقة وعلينا نحن في عالمنا العربي ان نعلم ونتعلم ونقتنع ونخطط على هذا الأساس ونترك الوهم وخيال الماضي من الصعوبة الحكومات في الغرب ان تقف مع القضية الفلسطينية او مع قضايا العرب العادلة ولكن الامل في الشعوب في الغرب تم تغير وتفكير الشباب الأوروبي على طراطيش ما سمع وراء من الإبادة القليل على الشعب الفلسطيني والحصار عليهم وعدم السماح للنشطاء الوصول إلى غزة لتوصيل بعض المواد الغذائية والأدوية لشعب محاصر وهذا من الغباء الإسرائيلي لو سمحت بوصول المساعدات لكسبت بعض النقط على حساب الشعب الفلسطيني ولكن ارتعبت مما سيتم تصويره وتسجيله لهذا علينا نتخيل لو وصل لهذا الشباب كل شيء عن القضية الفلسطينية وعن تاريخ المنطقة ولكل شعب بالغلة التي يفهم به كيف ستفعل هذه الشعوب مع حكوماتها ستنقلب عليها بدون رجعة الان السياحة من إسرائيل على دول أوروبا أصبحت به بعد المخاطر رغم انهم لا يعرفون شيء كامل عن القضية الفلسطينية اما رئيس وزراء إنجلترا وقع وكل من يعلم ومطلع على ( 1 )

  6. يقول Mohi El Din Ahmad Ali Rezk:

    كل شيء من والابادة والظلم الواقع على شعب مسالم جائع بدون مسكن ومستلزمات الحياة ولم يفعل شيء عليه ان ينتظر الخراب والدمار والعار من رب كريم يمهل ولا يهمل ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. محيي الدين أحمد علي رزق، إنسان حر، مقيم في أوروبا منذ 9/10/1971. (على شباب الأمة الإسلامية المطالبة بتحرير فلسطين بالكامل) ( 2 )

  7. يقول مجتهد:

    لن يأسف عليه أحد، كان أُذُن لزوجته و الذي ما فتأ يذكر الناس بثقافته وواجب الدفاع عن إسرائيل ليغيظ المسلمين. صاحب شخصية مهزوزة ساقته الصدفة أن يكون رئيس وزراء و النتيجة سقوط حر مدوي غير مأسوف عليه و سوف يُنسى و ينضم إلى قائمة أشخاص كثر على شاكلته طوتهم مزبلة التاريخ.

    1. يقول درغام السفان:

      ستارمر كان سياسيا فاشلا لكنه كان مواطنا صالحا بموجب القيم البريطانية.

    2. يقول مجتهد:

      يا ضرغام، لو كان مخلصا لوطنه لما عين أشخاص فاشلين في مناصب حساسة كبيتر ماندلسون الذي كان يتجسس على بلده و لعلمك قام ستارمر بتهريبه خارج البلاد كي لا يفتضح أمره أكثر و لا يعلم الآن أين ماندلسون الذي يعتقد أنه فر إلى أمريكا.

اشترك في قائمتنا البريدية