أثير كثير من الأحاديث عن الأردن بوصفه دولة وظيفية، وبعض الدعاوى في هذا السياق حول دور الأردن كدولة عازلة بين (إسرائيل) والدول الأخرى في المشرق العربي، ومع أن هذا الحديث ليس ذا صلةٍ بواقع الدولة الأردنية، كما أنه ليس دقيقاً، إذ يقدم الأردن وكأنه دولة تقوم على الفراغ، ولا يعيش داخلها شعب عربي بميول قومية واضحة، إلا أنه ليس المشكلة الأساسية في عقيدة شكّلت جزءاً من تطور الشخصية الأردنية، وهي عقيدة الدولة المؤقتة.
يرتبط الأردن في تأسيسه السياسي، شأن بقية الدول العربية في شمال الجزيرة، بالثورة العربية الكبرى، التي سعت لإنهاء الحكم العثماني في الأقاليم العربية، وتأسيس مملكة عربية ممتدة، وأجهضتها المؤامرات الغربية، التي تمثلت في اتفاقية سايكس – بيكو. وبين الدول التي كان يفترض أن تشكل فضاء للمملكة العربية، بقي الأردن الدولة الوحيدة التي تستحضر الثورة الكبرى في أدبياتها السياسية، وهذه الأدبيات في حد ذاتها تعطي طابعاً مؤقتاً للأردن الذي يفترض أن يندمج في كيان عربي أوسع، وإذا كان الحكم الهاشمي الأردني تنبه مع الملك الحسين إلى هذه الإشكالية، وسعى إلى التحرر الذكي منها، لأنها تشكل جزءاً من شرعيته السياسية، إلا إنها بقيت تعمل في الذهنية الأردنية، أو اللاوعي الجمعي، في توطيد فكرة المؤقت.
الأردنيون سيجدون شواهد كثيرة تنفي فكرة المؤقت، وتنحاز لمنجز دولة مستقرة تمتلك القدرات الكافية لاستغلال فرص مواتية وتطويع الظروف
قبل ذلك، كان الأردنيون، خاصة النخب التي تشكلت نهاية القرن التاسع عشر وبواكير القرن العشرين، يدركون واقعهم، بوصفهم جزءاً من الشعوب العربية التي تسعى إلى الاستقلال، وكانت الأفكار التنويرية عندهم متأثرة بفكرة سوريا الكبرى، ضمن غيرها من الأفكار الخلاصية التي شهدت تكثيفاً شديداً مع الظلم الذي شهدته المنطقة، أثناء المشاركة الكارثية للدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وتشكل في الأردن أكثر من نواة محلية تسعى للاستقلال، أو توخياً للدقة، الخلاص، ولكن في فضاء مفتوح من الأحلام والاحتمالات، لم يكن ذلك يتعارض مع فكرة أن يكونوا جزءاً من دولة وحدة أوسع وأكثر منعة واستقراراً.
هذه الفكرة لم تتحول إلى جزء من التاريخ، فها هو الكاتب والمؤرخ سعد أبو دية يروي حادثة وقعت في السفارة السورية، وجعلته يحضر لدفتر التوقيع بعد شخص ترك توقيع (مواطن من سوريا الجنوبية) والمفارقة أن هذا الشخص الذي لم يعلن أبو دية عن اسمه أصبح وزيراً في وقت لاحق، والفكرة التي خفتت مع الوقت لم تنطوي صفحتها نهائياً، ومازالت قطاعات، ولو متواضعة من النخب الأردنية تحمل الرؤية ذاتها، بل كثير من الحوارات النخبوية باتت تنصرف إلى ما يصب في عقيدة المؤقت، بين حنين للعثماني يتمثل في ترتيل فضائل الدولة التركية المعاصرة، أو اشتباك يتخذ صفة التعصب مع الشأن السوري. وقبل ذلك كله، كان تحرير فلسطين وما تسوقه الأنظمة العربية لفكرة وظيفة الأردن، يستحضر حالة المؤقت ويكثفها، فالتحرير في المخيال الشعبي هو تحرك عربي يحقق انتصاراً عسكرياً يعوض الهزيمة التي وقعت في 1948، ما يتطلب أن يتحول الأردن إلى أرض رئيسية للمعركة، وأن يجعله يتنازل عن لوازم سيادته الوطنية من أجل الغاية السامية، التي لم تكن في حقيقتها سوى أوهام انتهازية يسوقها رجل مثل الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، الذي كان ينادي بفتح الحدود لمواجهة إسرائيل بينما يتورط في الفشل في الصراع مع إرتيريا في قضية جزر حنيش، وهذا السلوك طالما أشعر الأردنيين بالغبن والجحود من الدول العربية الأخرى.
الإزاحات السكانية الواسعة والتراجيدية زادت من اتقاد عقيدة المؤقت، ليس في حد ذاتها، فهي لا تتناقض أصلاً مع العقيدة الأبعد المترسخة أردنياً حول انتمائه العربي، ولكنها كانت تحمل دائماً آثاراً اقتصادية، ليس بالضرورة سلبية بقدر ما حملت معها تحولات اجتماعية واسعة، يفترض أن يتم استيعابها على فترات زمنية أوسع.
جميع هذه الظروف كانت تدخل في حالات من التوازي والتقاطع، مع شعور بأن الظروف المحيطة بالأردن وتؤثر عليه إقليمياً، هي جميعها ذات طبيعة مؤقتة، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فالأردنيون الذين يؤمنون بمسألة زوال دولة (إسرائيل) يعيشون حالة من الانتظار بعيد المدى، تتقاطع مع حالة أخرى من الانتظار لدى من يعتقدون بأن التسوية ضرورة من أجل تأسيس ظروف طبيعية لاستمرار الأردن، بل يعتقدون أن تعويضاً يستحقه الأردن سيكون له دور كبير في تحقيق ذلك. الأردن المؤقت يقبع في المسكوت عنه بين الأردنيين، ولكن أن يتم السكوت عن شيء لا يعني انعدام وجوده، والمشكلة أن الأردن المؤقت فكرة مؤسسة للأردن الخجول، الذي كان عليه ومنذ الحقبة الناصرية والصعود القومي أن يتحمل جحوداً ونكراناً متواصلين من الأشقاء العرب. التشكل النفسي لعقدة المؤقت أصبح يفرض نفسه على السلوك السياسي للمسؤولين الأردنيين، الذين يعتقدون في داخلهم بأن معجزة يجب أن تتحقق في وقت ما من أجل الخروج من مشكلات تبدو من غير حلول مناسبة أو واقعية، فالمديونية التي تتصاعد أمام أداء اقتصادي متواضع، تنتظر مخرجاً كالذي حصلت عليه مصر بعد موقفها في حرب الخليج الثانية، أو ربما هدوءاً مفاجئاً في الإقليم وصحوة على ضرورة تفعيل التنمية بتمويل خليجي، أو تسوية كاملة تضع الأردن على خريطة التبادل والتداول في منطقة يعمها السلام.
الأردنيون يشبهون الذين ينتظرون غودو، وهم مثل أبطال مسرحية صامويل بيكيت لا يعرفون أي شيء عنه، ولا يعرفون ما الذي يمكن أن يفعله، والتخلص من عقيدة المؤقت لم يعد ترفاً، ولكنه ضرورة، فتوطن هذه العقيدة عند قطاعات نخبوية يجعلها تترك آثارها على وتيرة الأداء في مشروعات وطنية متعددة، وفي كل الأزمات التي يواجهها الأردن تظهر طريقة المواجهة المصطبغة ببقايا فكرة المؤقت، من مشكلات المياه والتخطيط الحضري، وصولاً إلى أزمة مستشفى البشير بوصفها عنواناً لمشكلة القطاع الصحي، وما حملته من أخبار سيئة حول تهالك في المنظومة الصحية تعامل معها الوزير المختص بكل ما أوتي من عقيدة التسويف والترحيل، بانتظار انتهاء ما يعتقده في نفسه من مهمة مؤقتة ككل شيء في ثقافة تجد مكانها في الممارسة بعد أن وجدته في الشخصية السياسية. تجنب الإصلاح السياسي في ورشته التي انتهت مؤخراً، مع إعلان نتائج لجنة تحديث المنظومة السياسية مناطق وعرة في تحليل الشخصية والمزاج والعقل الباطن للأردن، بوصفه مواطناً وكائناً سياسياً، ومع ذلك، فإن الحديث عن إصلاح يمكن أن يستمر لعقد أو عقدين من الزمن، في حد ذاته، خطوة لتقويض عقيدة المؤقت في الأردن ولدى نخبه تحديداً، فالأردنيون في أوضاعهم الحالية سيجدون شواهد كثيرة تنفي فكرة المؤقت وتنحاز لمنجز دولة مستقرة تمتلك القدرات الكافية من أجل استغلال فرص مواتية وتطويع الظروف، بل تتفوق على دول عربية أخرى كثيرة تتنافس على أداء أدوار وظيفية لا تحتاجها.
المشكلات أمام الأردن كثيرة ومتنوعة ومعقدة، وأول خطوة هي التغلب على مشكلة الإرجاء والترحيل بانتظار غودو الحلول الكلية والشاملة، وتتطلب نفساً براغماتياً مستقلاً وواضحاً من أجل ذلك على الأردني أن يعتاده في ممارسته وفي عقيدته السياسية.
كاتب أردني
ليست هناك مشكلة مع الخارج.. مشكلتنا الحقيقيه أعداء الداخل ( العدو من الداخل)
العدو من الداخل
مقال متميز من حيث عمق التحليل ونزاهة السرد لفكرة تشكل المحور الرئيسي لهوية الاردن القطرية و القومية. و كما يوكد الاستاذ المحاريق، و هو في رأيي محق في ذلك، فان هاجس الاردن المؤقت الذي ينتظر فضاءً عربياً واسعاً يراود الاردنييين على الدوام كافراد، حتى المغتربين منهم، و كشعب عربي عروبي النزعة و الطموح.