«الحشرة القرمزية» وباء يجتاح حقول الصبَّار المورد الوحيد لمنطقة «صبويا» جنوب المغرب 

سعيد المرابط
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: معزول بين سفوح الأودية وقمم الجبال المعشقة بكروم الصبار، يقع دوار أودري، التابع لمنطقة صبويا نواحي مدينة سِيدِي إيفني، وهنا حيث ما وليت وجهك تحاصر نظرك جنان الصبار التي تغطي تلك الأرض التي عطرتها دماء أهل تلك الأرض ذات مقاومةٍ ضد الاستعمار الإسباني.
اليوم، تفشت في تلك الأرض الحشرة القرمزية التي نشبت في حقول الصبار كما تنشب النار في الهشيم، وتركتها قاعًا صفصفًا، في ظل صمت تضربه وزارة الفلاحة، أمام المورد الاقتصادي الوحيد لساكنة المنطقة.
محمد هباز، شاب قاده حب الأرض التي ينتمي إليها أجداده إلى زيارتها مباشرة بعد وصوله من الديار الفرنسية حيث يقيم، ولكن ما فعلته الحشرة القرمزية بصبار «البلاد» أثر فيه حد الوجع، وفق ما يقول.
الشاب الذي جاء يزور مسقط رأس أبيه وأجداده؛ يقول لـ«القدس العربي» إنه لا يفهم «سر صمت الدولة وتخليها عن مساعدة السكان في إنقاذ الصبار أو ما تبقى منه».
«إنه واحد من الدلائل على التهميش الممنهج ضد هذه المنطقة التي رفعت قبائلها بنادقها في وجه الاستعمار، والذي منذ خروجه ما زالت في عزلتها الأبدية» يقول محمد بلغة حسّانية ممزوجة بالفرنسية.
ويضيف هباز لـ«القدس العربي»: «الوضع هنا مرتبط بالإهمال المتعمد من قبل الحكومة، ما أدى إلى نتائج اجتماعية سلبية كالنزوح من المنطقة إلى المدن الكبيرة، مثل كلميم، والهجرة إلى الخارج حتى عاشت المنطقة حالة شبيهة بالفراغ».

فشل المحاربة

وفق المعطيات التي استقتها «القدس العربي» من السكان، كان انتشار الحشرة القرمزية في الجماعات الترابية التابعة لإقليم سيدي إيفني، جنوب المغرب؛ بعد ظهور أول بؤرة في أحد حقول الصبار في دوار «إيفول» في جماعة «صبويا» أواخر شهر تموز/ يوليو 2018.
فرق تقنية تابعة لمصالح «المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية» (اختصاراً بالفرنسية: الأونسا) عملت على رش الحقل المصاب بالمبيدات التي لم تحد من انتشار الحشرة القرمزية، لتنتقل بعد ذلك لحقل صبار آخر بتراب جماعة «تاركا وساي» في إقليم كلميم، وبعدها بأسابيع ظهرت بؤرة أخرى في جماعة «تيوغزة» شمال سيدي إيفني.
محمد الكاط، فاعل جمعوي، يوضح لـ«القدس العربي» أنه ومن خلال «تتبعنا الميداني تبين مع مرور الوقت أن معالجة ومحاربة انتشار الحشرة القرمزية لم يف بالغرض المطلوب؛ لكون مصالح «الأونسا» تعاقدت مع مقاولين من أجل تدمير صبار الحقلين المصابين وطمرهما بكل من جماعتي صبويا وتاركا وساي».
«وأثناء تواصلنا مع تقنيي «الأونسا» وكذلك اللقاءات التي حضرناها، حذرنا تكرارًا من ضرورة توقيف المحاربة بالمبيدات الكيميائية، لكونها لا تقضي على الحشرة القرمزية ولها انعكاسات على صحة الإنسان وكل المكونات الطبيعية النباتية التي تزخر بها المنطقة، كشجر الأركان والدغموس الذي ترعى عليه النحل» يضيف الكاط.
ومع توالي الأيام والشهور بدأ «انتشار وباء القرمزية يتوسع بأغلب حقول الصبار على صعيد جهة  كلميم وادنون والتي تفوق 88 ألف هكتار، الشيء الذي أصبح يهدد بقوة أول مورد اقتصادي تعتمد علية ساكنة العالم القروي، وكذلك التوازن الطبيعي والبيئي» يوضح الناشط.
وأمام فشل كل برامج المحاربة وتوسع انتشار الحشرة، أصبحت سكان جماعة «صبويا» تعاني الأمرين جراء هجوم أسراب ذكور الحشرة القرمزية على بيوتها في ظل انعدام التدخل لمحاربتها، حسب شهادات السكان.
كما يسجلون باستغراب انفراد ممثلي «المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية» في محاربة الحشرة على اعتماد مقاولين دون مقاربة تشاركية فعلية للساكنة وملاك حقول الصبار؛ «والاقتصار على عقد لقاءات تواصلية يتم خلالها تطمين الحاضرين بقدرة المكتب على القضاء على الحشرة القرمزية».

وباء يهدد الجميع

ويؤكد محمد الكاط: «بعد التوسع الكبير لانتشارها في الجماعة الترابية صبويا، اعتمدت مصالح الأونسا على استهداف ملاك الحقول عبر بعض التنظيمات المهنية والجمعوية؛ من أجل تمكينهم من المضخات والمبيدات في غياب تكوين ميداني حول طريقة التعامل مع هذه المبيدات الخطيرة وغياب وسائل الوقاية والكميات المسموح باستعمالها، حفاظاً على التوازن الطبيعي والبيئي في المنطقة، وهذا نعتبره محاولة لتعليق فشل مصالح «الأونسا» ومقاولاتها على حساب الملاك والفلاحين الصغار».كما يسجل أن «أغلب من تضررت حقولهم بعد عدم قدرة «الأونسا» على ابتكار بدائل بيولوجية للمحاربة وتوسع الانتشار على صعيد الجهة يقومون باستعمال مواد أخرى دون مراقبة من الجهات المعنية حول مفعولها وآثارها الجانبية على التوازن الطبيعي والغابوي وكذلك الفرشة المائية؛ لكون السكان تعتمد على تجميع مياه الأمطار بالضفائر من أجل الاستعمال اليومي لمتطلباتها من هذه المادة الحيوية، فأغلب جماعات إقليم سيدي إيفي القروية لم تستفد بعد من عملية تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب».
وأمام ما يتهدد المنطقة جراء هذا الوباء وانعكاساته الاقتصادية الفلاحية والاجتماعية والبيئية، يطالب السكان من السلطات المختصة «فتح تحقيق في كل الأموال المرصودة لمحاربة الحشرة القرمزية في المنطقة منذ آب/ أغسطس 2018».
كما يطالبون بـ«العمل على تعويض ملاك الحقول المدمرة لكونها كانت مصدر رزقهم على مدار السنة، والتدخل العاجل من أجل الحد من استعمال المبيدات الكيميائية وتوقيفها بسبب آثارها الجانبية وعدم فعاليتها في المحاربة».
كما يحثون المسؤولين التابعين لهم جهوياً وإقليمياً على «الانفتاح على السكان من أجل البحث عن حلول للأضرار واجتثاث أشجار الصبار والإسراع بخلق بدائل زراعية أو صبار مقاوم للحشرة القرمزية».
لا أحد يعرف متى ينتهي هذا الوباء الذي اجتاح حقولهم التي يتعلقون بها تعلق الولدان بأمهاتهم، يمعنون النظر فلا يرون إلا جائحة أتت على الأخضر فحولته يباسًا، ويؤكدون أنه إذا لم تتدخل الدولة بحل فلن يبقى هنا سوى أطلال بيوتهم ومئذنة كان يذكر فيها اسم الله.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية