الحكيم توماس

حجم الخط
0

ظل اسم (الدختر طومس) يتردد على ألسنة الكثير من العُمانيين، اسم يؤرق الذاكرة، بمجرد ما يذكر اسمه تقفز بك الذاكرة إلى مدينتي مسقط ومطرح. حكاياته وكأنها رواية، تسرد فصولها بين الناس، حكايات يمتزج فيها الواقع بالخيال، وتتحول وكأنها مجموعة الأساطير. طوماس الشخصية الاستثنائية، الحاضرة بقوة، التي التصقت بحياة الناس خلال الفترة ما قبل السبعينيات، وأصبحت جزءا من الثقافة الشعبية. ما أن تذكر مسقط إلا ويتبعها عبارة (عند الدخاتر والطبيبي).
ولد الطبيب ويلز طوماس في البحرين عام 1903، وعاش جزءا من طفولته في مطرح هو وأخوته رفقة والده الطبيب الأمريكي شارون طوماس، كأبناء للبعثة التبشيرية للطائفة البروتستانتية. وعند رحيل والده في مسقط، عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك درس الطب، وأراد أن يكون طبيبا مبشراً، كما كان عليه والداه. تخصص في طب العيون، وأمراض المناطق الاستوائية. وتخرج من جامعة ميتشغان. وكان أمام خيارين، إما العيش حياة هادئة مريحة في إحدى الوظائف في مستشفى في نيويورك أو بنما، وإما ترك كل تلك الفرص الوظيفية، واتباع خطى والديه في ممارسة الطب في الخليج العربي كطبيب في البعثة العربية للكنيسة الإصلاحية الأمريكية، ممارسا مهنة الطبيب المسيحي التبشيري، وهي الخطة (ب) كما سمّاها، وهو الحلم الذي فضله.
طوماس ويلز أو كما سمّاه العمانيون (الدختر طومس) يروي بأنه وهو في سن التاسعة من عمره، حلم بأنه كان برفقة والده يسيران إلى أن اجتازا بوابة مدينة مطرح، وخارج تلك البوابة شاهد مرضى الجذام بملابسهم الرثة القذرة يعيشون منبوذين منعزلين وحيدين، فسأل والده الطبيب شارون عن هؤلاء التعساء، إن كان بالإمكان فعل شيء لهم، فرد عليه والده إنه لا يوجد علاج، ولكن ربما يتم تطوير علاج فعال في يوم ما. وطوال فترة عمره ظل ذلك الحلم يراوده كل ليلة، ويوقظ نومه المضطرب. وبعد سنوات عندما عاد إلى مطرح وهو يسير في أسواقها وشاطئها، تراءى له بيت البرندة، بيت طفولته ولمعت في رأسه ذكرى رحيل والده الطبيب شارون طوماس. ورأى في الجانب الآخر للمدينة المصابين بالجذام يتحركون بفتور رثي الثياب ولا يزالون يعيشون منبوذين وليس أمامهم إلا التسول للحصول على الطعام. ورغم كل تلك السنوات، وكأن شيئا لم يتغير. ذلك المشهد هو الحقيقة، وهي اللحظة المفصلية التي أشعلت جذوتها في رأسه، ساعتها فكر، وقال في نفسه» ربما حان وقت التغيير، عليّ أن أرى ما يمكن فعله لمعاملة هؤلاء الناس بإنسانية».


أعيد الذاكرة وأنا أقرأ في كتاب (الحكيم طوماس، سيرة واقعية لزمن منسي من عمر الجزيرة العربية) للكاتب ديفيد ج. ديكاسون، ترجمة أنور الخنجري، ومراجعة أروى الهنائي. الكتاب صادر عن دار عرب للنشر والترجمة. يمتاز الكتاب بأسلوبه الممتع الذي تشعر به وبمجرد ما تشرع في قراءته، ومنذ الوهلة الأولى لن تستطيع أن تضعه جانبا أو تتجاوزه، وتظل طول الفترة أسيراً بين دفتيه لا تريد أن تغادره، أو بالأحرى لا تستطيع. يأسرك الكتاب منذ الوهلة الأولى. كتاب يتراوح بين السرد الروائي والسيرة الذاتية. الشيء الآخر الذي يميز الكتاب، هو حديثه عن الشخصية الملهمة التي يحكي المؤلف سيرتها وهو (الدختر طوماس). لكنه في الحقيقة، سير حياة متعددة ومتن متنوع لمنطقة عاشت في فترة عصيبة من التاريخ البشري. يحكي سيرا متعددة لمجتمعات الخليج العربي، سير لأمكنة وأشخاص وشخصيات حاكمة وتجار، وتجارة اللؤلؤ والغوص، وطقوس وتاريخ، وأبنية، وفقر وأمراض وأوبئة، سير كتبت بروح من التأمل والاستدراك. وهو بالفعل كما وصُف في عنوانه سيرة واقعية لم ترو، وظلت تتداول شفهياً لزمن منسي من عمر الجزيرة العربية.
عوضا عن المقدمة، رأى المؤلف أن يقسم الكتاب إلى جزئين، الجزء الأول حمل عنوان (الإيمان)، يتضمن حياة طوماس في القدس وتعلمه وزوجته بيث اللغة العربية ثم الانتقال إلى البصرة، ومنها عودة طوماس إلى الجزيرة العربية. عمل في البداية طبيبا في البحرين في المستشفى الذي حمل اسم والدته تكريما لها، ثم تنقل بين قطر والسعودية والكويت. حكايات كثيرة ومتنوعة يسردها الكاتب في هذا الجزء على لسان الحكيم طوماس، كحكايته مع تاجر اللؤلؤ الهندي (طواش) الذي عالجه في البحرين، ولم يستطع أن يدفع له أجره جراء العملية، فأهداه عوض عن ذلك كتاب (القانون في الطب) لابن سينا، وكان هذا الكتاب بمثابة الكنز الذي وجده طوماس. وتعلم منه علاج الكثير من الأمراض وتلك النظرية التي استفاد منها، والتي تقول «يصبح مرض ما علاجا لمرض آخر». وفي الجزء فصول متنوعة تتحدث عن المجتمع في الخليج، وعن الأسر الحاكمة في الخليج، والطواشيين تجار اللؤلؤ، وعن الغواصين والأمراض المرتبطة بالمهنة، والفقر الذي يعيشون فيه. والحياة في البحرين وقطر والسعودية والكويت، وبداية اكتشافات النفط.
بينما يزخر الجزء الثاني الذي يحمل عنوان (الأمل) وهو الجزء الأكبر في الكتاب الذي خصصه المؤلف لحياة ويلز طوماس وزوجته بيث في عُمان التي عادا إليها في عام 1939. في هذه المرحلة التي استمرت ما يقارب الخمسين عاماً، بدأ طوماس حياة أخرى، وخط صفحة مليئة بالحكايات التي امتزجت بسيرة الناس والمدينة.
ساهم طوماس كما والده من قبل في إدخال الطب الحديث إلى البلاد، وتولى إدارة مستشفى الإرسالية في مطرح، وعمل على تأسيس مستشفى النساء في مسقط الذي عرف لاحقا بمستشفى السعادة. وكان كبير الجراحين، وتمكن من أجراء الكثير من العمليات الجراحية، وعمل أيضاً على تدريب الكوادر الطبية العُمانية.

خلال مسيرته العلاجية كانت الإنسانية، هي الكلمة السحرية والفارقة في حياة الطبيب ويلز. وقد كرّس حياته في خدمة العمانيين وعلاجهم متخطياً كونه جزءاً من الحملة الإرسالية للتبشير. متمسكا برسالته الطب السامية.

من الحكايات الكثيرة التي يذكرها المؤلف على لسان طومس، بأنه في مرة من المرات بينما كان جالسا في مستشفى مطرح، لاحظ قلة المرضى الذين يأتون إلى المستشفى، وعندما عرف بأن قساوة العيش والطبيعة ما يمنعهم من المجيء إلى مطرح للعلاج. ولم يتردد في الذهاب إليهم بنفسه، فكان يحزم أمتعته وأدواته الطبية على ظهور الحمير، لم تعق مسيرته ومهمته الإنسانية لا الجبال ولا الوهاد ولا حتى الطرق الوعرة، وأخذ يتنقل بشغف بين ولايات السلطنة المترامية الأطراف من مسقط إلى ولايات ساحل الباطنة والمنطقة الداخلية، وصور وجعلان وغيرها من المناطق، مدفوعا في سبيل علاج المرضى، وتحقيق الهدف الإنساني والطبي السامي، بعيداً عن الخلفية الدينية التي أتى منها.
ومن الحلول المبتكرة في ذلك الوقت لجذب المرضى للمجيء إلى المستشفى، حول أرض المستشفى الكبيرة إلى بستان، فحفر بئرا وقنوات للري، وزرع المحاصيل الزراعية ووظف بستانيا، كل ذلك لأجل ترغيب الناس في القدوم للعلاج من دون عناء. وفي عام 1942 يستذكر ويلز زيارة تيمور بن فيصل بن تركي السلطان السابق، إلى مسقط وفرح العُمانيين بقدومه، والحشد الذين وقفوا لاستقباله، وكان من ضمنهم الحكيم طوماس، ويستذكر عندما استقبله السلطان السابق بحفاوة وخاطبه باسمه العربي قائلا له «سررت برؤيتك مجدداً يا أمين، لقد مرّ وقت طويل منذ آخر لقاء لنا».

خلال مسيرته العلاجية كانت الإنسانية، هي الكلمة السحرية والفارقة في حياة الطبيب ويلز. وقد كرّس حياته في خدمة العمانيين وعلاجهم متخطياً كونه جزءاً من الحملة الإرسالية للتبشير. متمسكا برسالته الطب السامية. نشأت بينه وبين العديد من فئات المجتمع العُماني علاقات ود وصداقة، وتوطدت بفعل البعد الإنساني والثقافي والأخلاقي التي يتميز بها. وبين العديد من الشخصيات التي ارتبط معها بعلاقات ود، يبرز اسم السلطان سعيد بن تيمور، وذهابه إلى ظفار عام 1950 ولقاؤه مع السيد قابوس السلطان لاحقا، والإمام محمد الخليلي، والشيخ سليمان بن حمير النبهاني الذي استقبله في نزوى عدة مرات، والشيخ عيسى بن صالح الحارثي. ويروي حكاية المريض السري الذي زاره في المستشفى في عام 1959.
الكتاب يحمل الكثير من المعاني والرؤى والتاريخ، كتاب يسطر سيرة منطقة بأكملها، سيرة ذاتية للبشر والحجر والطير والأوبئة، سيرة للفرح والتعاسة، سيرة التمرد والثورات، سيرة السلاطين والأئمة والحكام والأسر الحاكمة، سيرة الصراعات الداخلية.
عاش ويلز توماس، أو الدختر طومس في عُمان حياة مفعمة بالسلام وبالحب والاحترام المتبادل بين العمانيين، وطبعت حياته البساطة والتقشف والزهد، وكأنه أحد المتصوفة بين مريديه. نقشت سيرته في ذاكرة العُمانيين وظلت محفورة لا تنسى. وتخليدا لذكراه أطلقت وزارة الإعلام العُمانية في 20 مايو /أيار 2026 الفيلم الوثائقي (الدختر طومس) الذي يجسد سيرته العطرة في عُمان.
وكما لكل شيء نهاية، غادر ويلز طومس وعائلته مسقط في بداية السبعينيات، تاركا إرثاً وذاكرة في نفوس العُمانيين، وتوجه إلى أمريكا، لكن مرضا داهمه ورحل عن الدنيا في 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 1971 بعد عام واحد من مغادرته عُمان، ودفن حيث أراد أن يرقد جثمانه جنب جثمان والده الدكتور شارون طومس وذويه وعائلته وبين أصدقائه في البعثة التبشيرية في المقبرة البحرية في مسقط. عبارة مدهشة طبعت على شاهدة قبره، والتي تلخص فلسفة الحياة التي عاشها وأرادها. «أعطيك ما أملك».

كاتب عُماني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية