الرواية الصوفية: استراحة محارب أو انحسار موجة؟

حجم الخط
4

إن المطّلع على القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز الشهيرة المخصصة للرواية العربية مثل كتارا وجائزة نجيب محفوظ والجائزة العالمية للرواية العربية، يلاحظ غيابا واضحا للرواية الصوفية، بعد أن كان لها في كل عرس قرص ولم تخل منها قائمة ترشيحات لسنوات طويلة، ووصل مؤلفوها إلى المراتب الأولى وما يوم «موت صغير» لمحمد حسن علوان منّا ببعيد، حين فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية قبل سبع سنوات. وجذور الفكر الصوفي سواء بشخصياته أو بمفاهيمه متأصلة في جسد الرواية العربية، ومثل قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، للرواية الصوفية أيضا آباء كثر تنسب لهم الريادة. وإن كان السبق في الاشتغال على ثيمة التصوف نجده في الشعر، باعتباره الأقدر على التكثيف والاعتماد على الغموض والرموز، وأنا هنا لا أقصد الشعراء المتصوفين، فهم موجودون على امتداد التاريخ الإسلامي، بل أعني الشعراء المعاصرين الذين أتاحت لهم اللغة الصوفية وشخصيات المتصوفة الثرية ما يغرفون منه لرفد إبداعهم، نستحضر مثلا تجربة صلاح عبد الصبور في مسرحيته الشعرية «مأساة الحلاج» وأدونيس في «أغاني مهيار الدمشقي»، أو «أقاليم الليل والنهار». ولكن الرواية الصوفية بقيت غائبة وإن كانت ملامحها بدت غائمة في رواية «الطريق» لصاحب نوبل نجيب محفوظ، ثم أكثر وضوحا في روايته «ابن فطومة»، التي تحكي لنا سيرة رجل قام برحلة روحية طويلة بحثا عن المعرفة لخيبته الشخصية من حب لم يتوج بالزواج، وخيبته العامة من أوضاع المسلمين، وما وصلوا إليه. ثم بعد محفوظ انغمس إدوار الخراط أكثر في الأجواء الصوفية، فقدم تجربة متمايزة ومتميزة في «رامة والتنين» و»يقين العطش» مستلهما شخصيات صوفية شهيرة مثل ذي النون المصري وابن الفارض والحلاج، وكذلك اتكأ الروائي الجزائري الطاهر وطار على فكرة الوليّ الصوفية وبنى عليها ثلاثيته «الشمعة والدهاليز» و»الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي» و»الولي الطاهر يرفع يديه بالدعاء».

غير أن العمل الذي استحق بجدارة وصف الرواية الصوفية هو «التجلّيات: الأسفار الثلاثة» لجمال الغيطاني، حيث حضور لغة المتصوفة وأقوالهم وسريان روح كتاب «المواقف والمخاطبات» للنفري في ثنايا الرواية، وكاد كل ما يتعلق بالتصوف يصبح ثيمة أساسية في أعمال الغيطاني تجلى ذلك واضحا في «رسالة في الصبابة والوجد» و»متون الأهرام» و»دنا فتدلى».
بقيت الرواية الصوفية تطل برأسها على استحياء في نهاية القرن الماضي والسنوات الأولى من الألفية الثالثة فنجد تجلياتها عند بهاء طاهر في رواية «نقطة نور» وفي «لغة السر» لنجوى بركات، أو عند الروائي المغربي بنسالم حميش في روايته «مجنون الحكم» التي عاد بعدها بعشرين سنة ليكتب رواية صوفية بامتياز، دخلت القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2009 عنوانها «هذا الأندلسي»، استحضر فيها المتصوف الأندلسي الإشكالي ابن سبعين. ولكن النقلة الحقيقية في الرواية الصوفية حدثت مع نشر الرواية الأيقونية «قواعد العشق الأربعون» لأليف شافاك. نُشرت رواية «قواعد العشق الأربعون» بالإنكليزية سنة 2009، وبعد ثلاث سنوات صدرت لها ترجمتان عربيتان واحدة عن دار الآداب والثانية عن دار طوى، وأصبح ما قبل هذه الرواية ليس كما بعدها، فقد اجتاحت الأسواق الغربية والعربية وغدت من أكثر الكتب مبيعا، وقرأها المهتمون بلغات كثيرة، وغزت الاقتباسات منها وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن العالم مع رواية «قواعد العشق الأربعون» تذكر أن هناك جانبا روحيا غيبته التكنولوجيا والحضارة المادية الغربية. جعلت هذه الرواية من الشاعر الصوفي جلال الدين الرومي أشهر شاعر في العالم، وتجاوزت مبيعات الكتب التي تناولت حياته وقصائده الملايين، حسب تقرير لـ»بي بي سي» في سنة 2014. كما شهد عالم النشر فورة من الروايات التي تدندن النغمة نفسها حول الرومي منها: «الرومي: نار العشق» لنهال تجدد و»في حضرة جلال الدين الرومي» لإسحق الشيخ يعقوب، و»بنت مولانا» لمورل مفروي و»التاريخ السري لمولانا جلال الدين الرومي» لأدهم العبودي و»شمس تبريز» لأحمد الشطري، كما صدرت مؤخرا «أيام مولانا وقواعد العشق الأربعون» محمد حسين بزي.

ولعل في ما ذهب إليه المستشرق آربري تفسيرا منطقيا لهذه الظاهرة حين كتب، «لقد أنقذ الرومي العالم من القلق والاضطرابات قبل سبعمئة سنة، وأوروبا اليوم لن تستطيع أن تتخلص من معاناتها النفسية، إلا عن طريق كتبه»، فيمكن اعتبار أفكاره رسالة عالمية تقوم على الحب والتسامح وتتجاوز الحيز الزماني والمكاني لتنفتح على الآخر، أيا كان أصله أو لغته أو ديانته، لذلك أصبحت مدينته قونية كعبة طالبي السلام النفسي والمحبة بمفهومها الشامل العابر للأديان والمذاهب، يضاف إلى هذا العلاقة الغرائبية بين جلال الدين الرومي وأستاذه شمس الدين التبريزي، وتلك اللحظة الدرامية التي يتخلى فيها الرومي عن جاهه وأتباعه وأهله وحتى سمعته التي بناها، ليتبع دوريشا غامضا يقوده في مسالك الحب الإلهي، ويقطع ما بينه وبين الناس ليصله بالحضرة الإلهية، ثم تحدث المأساة بمقتل شمس فيولد من رحم هذه المأساة شاعر عالمي ترك لنا «المثنوي» و»ديوان شمس التبريزي». يضاف إلى هذا ما أحدثته ثورة التكنولوجيا من شرخ في أرواح البشر بتطورها الضوئي الذي يفوق بأضعاف القدرة على استيعابه، وما ينجم عن ذلك من عجز واغتراب ووحشة روحية أصبح الكثير يعاني منها. مع فارق جوهري يضاف بالنسبة للمسلمين فالإسلام السياسي قدم صورة مغايرة لتعاليم الدين القائمة على الحب والتسامح، وتولدت عنه إسلاموفوبيا مبالغ فيها، طمست روح الإسلام وربطت بينه وبين الإرهاب، فكان من الضروري الرجوع إلى الجوانب الروحية في الإسلام التي يقف التصوف على رأس سلمها.

وقد اعترف روائيون كثُر بتأثرهم برواية «قواعد العشق الأربعون» دون أن يخفوا هذا التأثر، فمحمد حسين بزي عَنوَن روايته «أيام مولانا وقواعد العشق الأربعون» والروائية رشا زيدان التي كتبت ثلاثية روائية صوفية «روح» و»لك وحدك» و»هو أنت» تشير صراحة إلى هذا التأثر فتقول: «إن سبب إقبال بعض الكُتاب على الرواية الصوفية يعود ربما إلى نجاح «قواعد العشق الأربعين»، لكن هناك كثيرين قدّموا تجارب مميّزة سابقة عليها، وإن لم تلق النجاح نفسه». وإذا كانت الروايات التي ذكرناها تدور حول شخصية الرومي الجذابة، فهناك شخصية صوفية أخرى قام عليها معمار كامل من الدراسات والكتب والروايات، هي شخصية الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر كما كان يطلق على محيي الدين بن عربي، ولعل الروائي المغربي عبد الإله بن عرفة الذي تخصص في الرواية الصوفية، أو العرفانية، كما يحلو له أن يسميها كان السباق زمنيا لاستلهام شخصية ابن عربي روائيا، فقد نشر عنه سنة 2002 روايته «جبل قاف» أي قبل صدور «قواعد العشق الأربعون» عربيا بعشر سنوات وقبل أن يفوز محمد حسن علوان بالجائزة العالمية للرواية العربية عن «موت صغير» بـ15 سنة. ومثلما حدث مع الرومي صدرت عدة أعمال تستلهم ابن عربي منها «كوميديا الحب الإلهي» للروائي العراقي لؤي عبد الإله. وفي دراسة للباحث عبد الله الحاج بعنوان «ابن عربي في الروايتين العربية والتركية»، سجل صدور عدة روايات عن ابن عربي بالتركية منها رواية «زديار الأندلسي» لأحمد بايدار و»الرحالة» لصادق يالسز ورواية «بحر الخيال» لأليدن هز.

وللإنصاف نقول إن التراث الصوفي منبع متدفق يتيح للمبدعين الاغتراف منه، فله لغته الخاصة المشحونة بالترميز والمفتوحة على التأويل، وضعت لها معاجم خاصة، بعنوان اصطلاحات الصوفية، فحتى ألفاظ قاموسية مثل: الحال أو المقام أو التخلي أو التجلي، إذا احتواها نص صوفي تكتسب دلالات مغايرة مثقلة بمعان جديدة. كما للتصوف شخصياته المرتبطة بالكرامات والغرائبي وهو ما يتيه بناء رواية لها «واقعيتها السحرية» المستمدة من تراثنا، فالحلاج، أو السهروردي القتيل، أو ذو النون المصري أو بِشر الحافي أو الششتري شخصيات غنية فنيا، بل هناك متصوفة غير مشهورين استطاعت الرواية أن تصنع منهم الرومي أو ابن عربي آخر، مثل أيو يعزى الهسكوري المعروف عند المغاربة باسم مولاي بوعزة، الذي نقله إلى عالم الرواية مصطفى لغتيري في «الأطلسي التائه».
آمل ألا تكون الرواية الصوفية موجة وانحسرت، فما زالت لم تستنفد قدرتها بعد على الإدهاش بلغتها وشخصياتها وأفكارها الروحانية، وما زال العالم المسكون بالحروب والمآسي بحاجة إلى قواعد جديدة للعشق، تستلهم بيت الشيخ الأكبر ابن عربي شعارا: أدين بدين الحب أنّى توجهت/ ركائبه فالحب ديني وإيماني.

شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فريد:

    لا أعرف إن كان هناك رابط بين الاثنين، لكن كما أن الصوفية تسعى لتحقيق نوع من الوحدة والتجربة الروحية التي تتجاوز الزمان والمكان، فإن النوسطالجيا أيضًا تتعامل مع العودة إلى الماضي، وكأنها رحلة روحية نحو الذكريات الجميلة والأوقات التي يشعر فيها المرء بالسكينة والطمأنينة. في الصوفية، يتجاوز المريدُ حدود الواقع المادي ليعيش تجربة غامرة في عالمٍ آخر، مشابهةً لتلك اللحظات التي نعيشها عند العودة إلى ذكرياتنا العاطفية الماضية في لحظات الحنين. النوسطالجيا في هذا السياق تصبح نوعًا من التصوف الشخصي، حيث يرتبط الماضي بالحاضر بطريقة تجعلنا نبحث عن الراحة الروحية عبر الأوقات والأماكن التي تشعرنا بالسلام الداخلي. ربما لا يكون الرابط بين الصوفية والنوسطالجيا واضحًا للوهلة الأولى، لكنهما يشتركان في السعي الدائم نحو الإحساس بالاتصال العميق والزمني. يمكن لمس هذا بشكل خاص في التعليقات على فيديوهات قديمة على السوشيال ميديا، حيث يندمج الناس في حنين جماعي لأوقات مضت، بعيدًا عن ثقافة أو دين معين. مع تطور الوسائل التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح هذا الحنين أكثر وضوحًا، وكأن العالم بأسره يتشارك نفس اللحظات الزمنية العميقة.

  2. يقول الدكتور جمال البدري:

    حسنًا كتبتي في الموضوع…وكنت أظنّ أنْ لا تكتبي.نعم الرّواية { الصوفيّة } ذات جاذبيّة سامية في المشرق العربيّ؛ فهي تلامس نزوع الرّوح والريحان والراح؛ بمفهوم الخمر الصوفيّة.ومن نافلة القول لقد أنجزّت روايتي الجديدة بعنوان: { السّكمانيّ } وأمس كنت أتواصل الحديث مع الناشر بشأنها …وفيها محور عن التصوّف في سبعينيات القرن الماضي… إذْ كنت طفلًا وأحضر بعضًا من { حفلات الدراويش } في المدينة؛ مع أخي الأكبر…ولا تزال أصداء رنينها في خاطري وذاكرتي…انعكس في الرّواية.إنما الرّواية الصوفيّة الأكبر والأهم التي تشغلني منذ حين من الدهر؛ عن الشيخ الصوفيّ
    عبد القادر الجيلانيّ؛ المسمّى الباز الأشهب وقطب بغداد.إذْ كان والدي رحمه الله يصطحبني لزيارته كلّ سنة وعامّ…

  3. يقول الدكتور جمال البدري:

    ثمّ قرأت سيرته؛ فإذا بها { معاصرة } كأنّها للتو وقعت كواقعة…وهذه الرّواية الصوفيّة عن الجيلانيّ وضعت لها خط شروع بالحملات الصليبيّة على فلسطين ودور هذا الشيخ الصوفيّ باستنهاض همم الأمّة للدفاع عنها؛ فكان له الفضل
    بدعم معركة حطين…رغم أنه توفّي قبيل وقوعها فأتمّ ابنه صالح المهمة بارسال الأموال والرجال إلى بلاد الشام لمقاومة الصليبيين…ثمّ تنتهي الرّواية باحتلال بغداد (1918 ) من قبل الجيش الإنكليزيّ؛ فاتخذوا مرقد الشيخ الجيلانيّ اسطبلًا لخيل جنودهم { انتقامًا } من تاريخ الجيلانيّ الجهاديّ ضد ( أجدادهم ) الصليبيين…نسأل الله العون المتين.

  4. يقول الشاعر أحمد الشامي:

    مقال جديرة بالقراءة الشكر للكاتبة وللمحرر الذي يختار لنا الاجمل..ولا أستطيع أن اخفي
    اعجابي بتعليقات الدكتور جمال البدري فهي
    تلامس الروح والريحان..كما قال.

اشترك في قائمتنا البريدية