دمشق – «القدس العربي»: بحضور نحو 220 شخصية من مختلف الطوائف، التقى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، في قصر الشعب في دمشق، وجهاء وأعيان محافظتي اللاذقية وطرطوس، في حضور المحافظين، حيث جرى بحث قضايا وطنية وخدمية وتنموية، مع تأكيد رئاسي على وحدة سوريا، وتجريم الخطاب الطائفي، والانطلاق نحو مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة والاستثمار في الساحل السوري، وذلك في سياق «تعزيز السلم الأهلي وفتح قنوات الشراكة مع المجتمع المحلي».
ووفقا لبيان رسمي، فقد التقى الشرع أعيان محافظتي اللاذقية وطرطوس، بحضور محافظ اللاذقية محمد عثمان ومحافظ طرطوس أحمد الشامي، حيث جرى بحث عدد من القضايا الوطنية والخدمية والتنموية ذات الصلة بالمحافظتين.
خلال اللقاء أكد الشرع أن سوريا تدخل مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة، تقوم على الشراكة مع الشعب وترسيخ الاستقرار، مع تجاوز أعباء المشكلات التاريخية، مشدداً على قدرة سوريا، رغم التحديات، على التحول إلى دولة متقدمة قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً.
وأوضح أن العبث بالورقة الطائفية يشكّل خطراً جسيماً على وحدة البلاد، مؤكداً أن الدولة لا تحمل أي نزعات إقصائية أو ثأرية تجاه أي مكوّن من مكونات المجتمع السوري، وأن سوريا وطن واحد غير قابل للتقسيم.
وشدّد على أن الساحل السوري مؤهل ليكون نموذجاً وطنياً متقدماً في تجاوز الخطاب الطائفي، انطلاقاً من تاريخه المنفتح وثقافته القائمة على التعايش، مؤكداً أن بناء الدولة وتنميتها هو الخيار الواقعي والأجدى.
وأشار إلى أن الدولة السورية تعتمد سياسة التوازنات الدولية الإيجابية، والانفتاح على شراكات جديدة تسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية، موضحاً أن سوريا تمتلك العديد من المقومات التي تجعل محافظتي اللاذقية وطرطوس بيئة مناسبة للاستثمار، وأن الدولة قد أسرعت في تطوير مشاريع الموانئ بالتعاون مع شركات ذات انتشار عالمي، لتصبح سوريا محطة أساسية للربط بين الشرق والغرب
ونوّه بأن الساحل السوري يحظى باهتمام خاص، ويشهد إقبالاً واسعاً على الاستثمار، مع توقع انطلاق أولى هذه الإنجازات في العام المقبل، بما يعود بالنفع على حلب والساحل ودمشق وبقية المحافظات، مؤكداً أن المشاريع الاستثمارية ستسهم في إحياء القطاع الزراعي باستخدام تقنيات حديثة، بالإضافة إلى تعزيز قطاع الصناعة وزيادة الإنتاج المحلي، بما يدعم معالجة البطالة ويعزز الاقتصاد السوري.
في حين شدّد الحضور على أهمية ترسيخ السلم الأهلي وتعزيز وحدة الشعب السوري، وتغليب المصلحة العامة على أي اعتبارات أخرى، مؤكدين أن احترام سيادة القانون يشكّل الضامن الحقيقي لحقوق جميع المواطنين دون استثناء. كما أكدوا أن الساحل السوري يُعدّ جزءًا أصيلًا من سوريا الموحدة التي لا تقبل التقسيم، معربين عن رفضهم القاطع لأي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للبلاد، ومطالبين في الوقت ذاته بإعداد خريطة استثمارية متكاملة للساحل السوري، بما يساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية وتوفير فرص عمل حقيقية لأبناء المنطقة.
بحضور محافظي طرطوس واللاذقية… وجرى بحث قضايا وطنية وخدمية وتنموية
وفي ختام اللقاء، أكد الشرع على أهمية الحفاظ على اللحمة الوطنية وضرورة فتح صفحة جديدة، يكون فيها القانون المرجعية الحاكمة لمعالجة أي إشكالات، ضمن إطار دولة المواطنة التي تضمن العدالة وتحفظ حقوق جميع السوريين دون تمييز.
ولخص نصر داهود سعيد، أحد وجهاء وأعيان الطائفة العلوية، مجريات الاجتماع، مشيرا إلى أنه تضمن عددا كبيرا من مداخلات الحضور من مختلف المكونات.
وأوضح أن الشرع ركز في حديثه أمام نحو 220 شخصية من محافظتي اللاذقية وطرطوس على جملة من النقاط الأساسية، أبرزها التأكيد على أن الساحل السوري يمثل رمزا للتعايش السلمي في إطار سوريا الموحدة.
وأشار إلى أن الشرع تحدث عن انطلاق استثمارات كبيرة في الساحل السوري خلال المرحلة المقبلة، إضافة إلى الحديث عن قرب الإفراج عن معظم الموقوفين، وتشديده على تجريم الخطاب الطائفي، وأن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، مع التأكيد على ضرورة طي صفحة الماضي، باعتبار أن السوريين جميعًا ضحايا النظام البائد.
وكان سعيد قد دعا، عبر صفحته الشخصية، أبناء الطائفة العلوية إلى الانخراط في حوار جاد يهدف إلى تقديم أفضل المقترحات لردم الفجوة القائمة بين المكون العلوي والدولة، مؤكدًا ضرورة الكف عن إضاعة الوقت، والانطلاق نحو العمل والبناء بروح من السلام والمحبة.
فيما أوضح طارق بدرة، أحد المشاركين في الاجتماع ومن وفد مدينة جبلة، عبر منشور له على حسابه في موقع «فيسبوك»، أن اللقاء شهد مداخلات موسّعة من مختلف الوفود، وتناول عددًا كبيرًا من القضايا، كان في مقدمتها التأكيد على إعطاء الأولوية لأهل المخيمات، ولأهالي الشهداء والمقاتلين الذين أفنوا أعمارهم وشبابهم في مواجهة النظام البائد.
وأشار إلى أن وفد مدينة جبلة أكد دعم أهالي المدينة للدولة وقيادتها، وطرح جملة من المطالب المرتبطة بالواقع المحلي للمدينة، جرى تقسيمها إلى عدة محاور. فعلى الصعيد القانوني، شدد الوفد على ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية باعتبارها المدخل الأساسي للوصول إلى السلم الأهلي، وذلك من خلال محاسبة المتورطين في سفك الدم السوري، والإسراع في محاسبة المشاركين في محاولة الانقلاب والتسبب بالأحداث التي شهدها الساحل السوري يومي السادس والسابع من آذار/مارس 2025.
كما طالب الوفد بسنّ قوانين صارمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وإصدار تشريعات تجرم الخطاب الطائفي، ودعوات الانفصال، وطلب الحماية الدولية، وكل ما من شأنه المساس بوحدة الوطن أو الإساءة إلى رموزه المجتمعية. ودعا كذلك إلى تأسيس هيئة تُعنى بشؤون المهجّرين وتقديم التسهيلات اللازمة لهم، إضافة إلى العمل على الإفراج عن معتقلي الرأي من أبناء مدينة جبلة خارج سوريا، ومن بينهم معتز مرّون المعتقل في السجون المصرية، وعمر معن هرموش المعتقل في السجون العراقية، إلى جانب باقي معتقلي المدن السورية الأخرى.
وعلى الصعيد الاقتصادي، طالب الوفد بتوجيه الاستثمارات نحو مدينة جبلة عبر مشاريع تنموية تخدم المدينة وأهلها، من أبرزها إنشاء ميناء عائم لإصلاح السفن وطرحه للاستثمار، وتطوير واستثمار الثروة السمكية في المياه الإقليمية والدولية، وإعادة تشغيل واستثمار كل من معمل الكونسروة ومعمل الغزل وطرحهما للاستثمار. كما شملت المطالب افتتاح كليات ومعاهد جامعية كفروع لجامعة اللاذقية، والعمل على استرداد الأموال والأملاك المنهوبة التابعة للدولة والأوقاف والأفراد، والتي استولى عليها متنفذو العهد البائد بطرق غير مشروعة.
أما على الصعيد الخدمي، فقد شدد الوفد على ضرورة دعم القطاع الصحي في المدينة، والإسراع في استكمال بناء المشفى الوطني، إلى جانب دعم قطاع التربية والتعليم من خلال بناء مدارس جديدة تستوعب الزيادة في أعداد التلاميذ، وإعادة تأهيل الكوادر التعليمية بما يسهم في بناء جيل جديد واعٍ وقادر على النهوض بالوطن.
كما طالب الوفد بافتتاح فروع لعدد من المديريات الخدمية في مدينة جبلة، مثل التأمينات الاجتماعية، والسجل التجاري، ودائرة الجوازات، بهدف تخفيف أعباء التنقل عن المواطنين. وأكد الوفد في ختام حديثه، وبحضور المحافظين، أن الأمل كبير بالمساهمة الفعلية في إعادة بناء البلاد، وأن هذا اللقاء يُعدّ خطوة إيجابية نحو شراكة حقيقية بين الدولة وأبنائها.
إلى ذلك، قدّم الكاتب والناشط يوسف ناصر قراءة تحليلية للقاء الشرع مع وجهاء اللاذقية وطرطوس، معتبرا أن هذه الخطوة تحمل دلالات إيجابية لعدة أسباب.
وأوضح أن اللقاء يعكس إرادة سياسية واضحة للتواصل المباشر مع أبناء الساحل السوري من مختلف الطوائف، لا سيما أن هذه المنطقة تُعدّ حيوية ومهمة لكل السوريين.
وأضاف أن هذا التواصل يبعث برسائل طمأنة بعد فترة من التوترات الأمنية، وأن الاستماع إلى المطالب المحلية يعكس اهتمامًا حقيقيًا بالتحديات التنموية والخدمية التي يواجهها الساحل، وهو ما يُعدّ عاملا أساسيا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي. كما اعتبر أن تأكيد الرئيس الشرع على الوحدة الوطنية ورفض الإقصاء يشكّل رسالة وطنية مهمة تعزز الانتماء المشترك، وتدعم السلم الأهلي، وتسهم في تعافي المجتمع وبناء المستقبل. وأعرب في ختام حديثه عن أمله بأن يفضي هذا الحوار الجاد إلى نتائج ملموسة تترجم على أرض الواقع، وتقطع الطريق فعليًا أمام كل الجهات المتربصة الساعية إلى إفشال هذا المسار.