فرق موسيقية تراثية مغربية للغناء الجماعيسعيد الشفاج من الظواهر التراثية التي ميز تاريخ الأغنية الشعبية بالمغرب ظهور الشيخات كفرقة موسيقية تعنى بالغناء الجماعي تحت قيادة شيخة أي قائدة مهمتها السهر على كل ما يهم الفرقة وترتيب خرجاتها وسهراتها وأداء مستحقات أعضاء الفرقة .والشيخة في الأصل هي امرأة نشأت في ظروف صعبة بالبادية المغربية ودفعتها تلك الظروف إلى التمرد عن طريق غزو عالم الرجال وممارسة إيقاع ليلي بكل تفاصيله من خمر وجنس ،غير أن وسط هدا الفضاء المنبوذ والمرغوب فيه في نفس الوقت ستنشأ فرق موسيقية تهتم بترديد أغاني الرعاة المليئة بالفرح والأحزان والتجارب والتي تعكس جزء من معاناة الإنسان البدوي خاصة والإنسان بشكل عام ، وعمود هذه الفرقة هو الكوامنجي أي عازف الكمان والطعارجي أي الضارب على الطعريجة ثم البنادري وهو الضارب على الدف والنواقسي الذي يستعمل النواقيس وبعدها أدخل فرد أخر وهو العازف على العود .وقد ميز هاته الظاهرة نشوء جنس غنائي يسمى العيطة، وهو في الأصل كلمة تعني النداء وقد كانت الفرقة عند حلولها نهارا بقرية من قرى الشاوية ودكالة تعلن عن حضورها من خلال نداء للشيخة لسكان القرية مرحبة بهم ومعلنة عن قدوم فرقتها وبالليل يأتي المدعوون من البدو وهم في جلاليبهم التي تخبئ كل أنواع الخمر الرديء والكيف ويجلسون إلى حلول الفجر متحلقين بالفرقة مشدوهين إلى الغناء والى البحة التي أتعبها الصهيل في ليالي الفرح وهم يتبادلون الشرب وكانت الشيخات يتجولن بين الرجال في حركة اغرائية للفوز بالنقود التي يجود بها الرجال وكان ذلك مصدر فخر للرجل وكانت الشيخة تلجأ إلى كل الحيل وقد تتجاوز الوقار والحشمة وتعري أفخاذها وتجلس فوق البدوي الذي يغرق في خجله فلا ينقذه إلا إذا جاد بمكرمة مالية، لقد كانت الفرق تصول وتجول في قبائل البدو بالشاوية ودكالة والرحامنة وزعاير وقبائل الأطلس وعرف تاريخ العيطة ظهور شيخات اشتهرن وعلا صوتهن كالشيخة خربوشة والتي حولها المخرج المغربي حميد الزوغي الى فيلم سينمائي باسمها مستلهما حكايتها مع القايد عيسى أحد قياد منطقة عبدة إبان الاستعمار الفرنسي ثم الشيخة حفيظة وحادة اوعكي وبرز نجم الشيخة فاطنة بنت الحسين والحمونية وخديجة البيضاوية …لقد كان فن العيطة جنسا مؤثرا بشكل كبير وكان كلامه مستمدا من المعاناة والحب والأرض كما عاشت الشيخة واقعا مريرا في ظل انتشار القيم الذكورية مما جعلها تثور على هاته القيم من خلال الانفلات ومحاولة إثبات الذات بالانغماس في نفس النمط السائد .لقد كانت تلال البادية تصهل بالعيوط في نداء حزين مغموس بمرارة الفقر والاضطهاد وعاشت العيطة أزهى فتراتها ودفع جيل كبير من الشيخات الثمن باهظا من حياتهن فحرمن من دفء الأسرة في سبيل فن بدوي راق وصلت أصداؤه الى كل الربوع شرقا وغربا ، كما تعرضت الأغنية الشعبية إلى تشويه مقاماتها وتحويل معانيها إلى لغة تخاطب شهوة الاستهلاك إن العيوط الشعبية بدأت تنحصر في ظل مزاحمة غير منصفة للإعلام الفني وظهور نمط غنائي سريع ولعل وفاة محمد رويشة والذي يعتبر أحد المجددين في الأغنية الشعبية يعتبر المسمار الأخير في نعش العيطة إذا لم يتم انتشالها والرجوع بها إلى زمن الصهيل.