العراق: علي حاتم السليمان… (عودة الابن الضال)

مع تفاقم مأزق الانسداد السياسي في العراق، طفت على السطح ظاهرة استعادة وجوه سنية غيبت عن المشهد منذ 2014، فالوضع الذي تعيشه العملية السياسية يمكن وصفه بالمشلول، نتيجة مرور ستة أشهر على الانتخابات البرلمانية، من دون التوصل لاختيار رئيس جمهورية، ولا تكليف الكتلة الفائزة في الانتخابات بتشكيل الحكومة.
كل ذلك جعل الحديث اليوم عن عودة شخصيات سنية، اتهمت بالإرهاب ودخلت السجن، أو هربت خارج العراق. فالأخبار العراقية اليوم تتحدث عن عودة وزير المالية الأسبق القيادي السني رافع العيساوي، الذي سلَّم نفسه للقضاء العراقي في 16 حزيران/يونيو 2020، تمهيدا لإعادة محاكمته بناء على قرارات غيابية كانت صدرت بحقه قبل سنوات، وفق قانون الإرهاب العراقي. كما توالت الأخبار عن العفو عن النائب السابق والقيادي السني احمد العلواني، السجين الذي حكم بالاعدام بعد أن أدين بتهمة القتل العمد لجنديين عراقيين نهاية 2013.
ومن الشخصيات التي كانت تتحرك في إقليم كردستان العراق، أو خارج العراق، هنالك تسريبات عن مفاوضات لإعادة القيادي في الحزب الإسلامي العراقي ونائب رئيس الجمهورية الاسبق طارق الهاشمي إلى العراق، بعد أن تتم معه تسوية قضائية تنهي قضية اتهامه بالإرهاب. وربما كانت الشخصية الأكثر سجالية في الشخصيات العائدة هو علي حاتم العلي سليمان، الذي يوصف بأمير قبائل الدليم في العراق، الذي خرج من العملية السياسية بعد دوره في ما عرف بساحات الاعتصام في الأنبار عام 2013 ودعوته لقتال الجيش العراقي وقوى الأمن، والتوعد بالهجوم على بغداد عام 2014 ومطالبته بالعمل العسكري على إسقاط حكومة المالكي تحت شعار «قادمون يا بغداد» إبان قيادته لما عرف بـ»المجلس العسكري لثوار الأنبار». وتجدر الإشارة إلى أن الكثير من القيادات السنية الفاعلة اليوم في العملية السياسية، كانت لها مواقف متناقضة ومتقلبة في مراحل عملها السياسي منذ 2003 حتى الآن، إذ تقلبوا بين العداء لحكومة بغداد والوجود الأمريكي، ومن ثم موالاتهم لخصوم الأمس والدخول في العملية السياسية، ثم التأرجح بين دعم الحركات المتشددة كـ»القاعدة» و»داعش» ثم الانقلاب إلى قتالها بدعم أمريكي مرة (الصحوات) وبدعم حكومة بغداد مرات (الحشد السني) لذلك كثيرا ما اتهمت الشخصيات السياسية السنية بالانتهازية التي تحركها مطامع شخصية عبر دخولها في أحلاف سياسية سرعان ما تتفتت، لتنشأ أحلاف أخرى، وهكذا تستمر الدوامة السياسية التي لا تلوح لها نهاية في الأفق المنظور. لكن يبدو أن حالة علي حاتم العلي سليمان تمثل نموذجا حري تسليط الضوء عليه، ويمكننا أن نقرأ في تقرير كتبه نيد باركر من وكالة رويترز عام 2014 ذكر فيه، أن قبائل دليم واحدة من أكبر التحالفات القبلية في العراق، إذ مثلت قوة اجتماعية وسياسية واقتصادية لها صلات بالعائلات المالكة في دول الخليج العربي، ونخبة الأردن المجاورة. كما كان للدليم دور فاعل إبان عهد نظام صدام الذي هيمن عليه السنة، حيث خدم رجالهم في الجيش وأجهزة قوى الأمن والوظائف الحكومية.

تبقى التوقعات مفتوحة على الدور الذي سيلعبه السليمان الذي عاد إلى لعبة التحالفات القديمة، فهل يتمكن من تقويض نفوذ تحالف السيادة (الحلبوسي والخنجر)

ولد علي حاتم في آب/أغسطس 1971 ببغداد وليس في الأنبار.. ويعزو ولادته البغدادية إلى أن الأسر كانت تذهب إلى مستشفيات العاصمة حين الولادة. وعاش طفولته ونشأته في مدينة الرمادي. وهو خريج الدراسة الإعدادية، ولم يكمل دراسته لأنه كما يقول في لقاء تلفزيوني «يكره الدراسة» فهي مملة وشاقة، لكنه يستدرك أن انخراطه المبكر في مهام المشيخة أملى عليه الانقطاع عن التحصيل العلمي، وهو لا يمارس عملا سوى المشيخة، وأحياناً يزاول بعض الأعمال التجارية عن طريق أقاربه وأبناء عشيرته. بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 ، كان دور علي حاتم يتمثل في الحفاظ على تماسك الدليم كقوة سياسية في خضم ما شهدته مناطقهم من تمرد سني وحشي، قامت به التنظيمات الإسلامية الراديكالية كتنظيم «القاعدة». هذا التمرد استهدف أقاربه كما استهدف الأمريكيين، الذين أغضبوا العراقيين باعتقالات جماعية وقوة عشوائية، ويرى نيد باركر في تقريره: «أن النخبة السياسية الشيعية الجديدة، بدت عازمة على تهميش السنة بسبب دورهم في الانتهاكات التي ارتكبها نظام صدام. وقد ابتعد علي حاتم العلي سليمان عن التمرد لكنه لم يدنه». ويصف باركر علي حاتم بأنه كان الشاب السني الذي يتمتع بذوق خاص بالملابس الفاخرة، كان يرتدي كنزات بياقة على شكلV، أو دشداشة بيضاء نقية، وكوفية مثبتة في مكانها بشكل مثالي. لقد بدا وكأنه زعيم قبلي حداثي، بعيون بنية حادة وعظام وجنتين مرتفعتين. وكان يتمتع بموهبة إلقاء الخطب، وكان لقب أمير دليم مصدر إلهام للاحترام والولاء الذي حظى به. في أوائل عام 2005 هرب عمه الشيخ ماجد عبد الرزاق العلي سليمان، الشخصية القبلية التي تحظى باحترام واسع إلى الأردن نتيجة التهديدات، ووجد علي حاتم نفسه وحيدا يتقلب بين الوجود الأمريكي وتنظيم «القاعدة». وفي عام 2006 استخدم علي حاتم ومجموعة من الشباب الأنباريين الدعم المالي واللوجستي الامريكي لمحاربة القاعدة في ما عرف بحركة «الصحوات» التي انتصرت على «القاعدة» ثم خاضت لاحقا نزاعا سنيا داخليا ضد الحزب الاسلامي العراقي الذي كان يحتكر تمثيل السنة السياسي في العملية السياسية. عندما كان العديد من السنة يخشون الميليشيات الشيعية، زار علي حاتم مدينة الصدر ومشى من سيارته الجيب إلى حشد ضم الآلاف من السنة والشيعة على حد سواء، في إشارة لتقربه من السيد مقتدى الصدر، كما لعب أدوارا وصفت بالبراغماتية، بينما وصفها خصومه بالانتهازية. إذ بينما كان معظم الساسة السنة يحتقرون رئيس الوزراء نوري المالكي، راهن علي حاتم على التحالف معه في ظل حكومة المالكي الاولى، وقد استمر هذا التحالف حتى عام 2010 عندما انهار نتيجة تصاعد التوترات الطائفية.
إبان شهر العسل بين علي حاتم والمالكي حين تحالف تشكيله السياسي «بيارق العراق» مع ائتلاف دولة القانون في الانتخابات النيابية، حصل السليمان على عقود حكومية وراهن على رئيس الوزراء باعتباره رجل المستقبل، ورشح شقيقه الأصغر عبد الرحمن للبرلمان على قائمة المالكي في انتخابات 2010، وعندما فشل في الفوز بمقعد برلماني، توتر التحالف بين الاثنين، وانتقل السليمان إلى الفضائيات يكيل الاتهامات لحليف الأمس المالكي، ومن سماهم أنصار رئيس الوزراء الإيرانيين. حتى وصل التوتر عام 2011 إلى إرسال المالكي قوات إلى مكتب علي حاتم الواقع على ضفاف النهر في بغداد وطرده. كما أقنع رئيس الوزراء عم علي حاتم، الشيخ ماجد عبد الرزاق العلي سليمان بالعودة من عمان، ووفر له منزلا وحراسا، في محاولة لتقويض مكانة علي حاتم العشائرية. بعض من كانوا حول المالكي ما زالوا يرفضون علي حاتم ويتحدثون بصوت عالٍ عن دوره الإرهابي في قتال الجيش العراقي والحشد الشعبي، حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الاسبق، سخر منه مرة ووصفه: بأنه «أحد هؤلاء الأشخاص الذين يتحدثون إلى وسائل الإعلام من خارج أرض المعركة» وقال إن «الحكومة تتحدث مع رجال القبائل الأكثر نفوذاً على الأرض، والذين يمكن أن يرجحوا الكفة».
أما اليوم فقد دارت في مجاميع الواتس آب، ومنصات التواصل الاجتماعي تسريبات عن استضافة نوري المالكي، للشيخ علي حاتم العلي سليمان في منزله في المنطقة الخضراء، حيث جرت دعوته لمأدبة سحور تمت فيها صفقة تسوية مواقف السليمان السابقة وعدائه للمالكي، والتأكيد على عدم ملاحقة القضاء له، لكن مكتب المالكي نفى الخبر، إذ أوضح مدير المكتب الإعلامي لرئيس ائتلاف دولة القانون، هشام الركابي في تغريدة على منصة تويتر قال فيها: إن «المعلومات بشأن وجود علي حاتم سليمان بضيافة المالكي غير صحيحة».
كما دار الحديث عن صفقة بمباركة إيرانية يتم عبرها احتضان علي حاتم العلي سليمان من قوى الإطار لمواجهة التحالف الثلاثي (الصدر، البارزاني، الحلبوسي والخنجر) ليقدموا ضدا نوعيا سنيا لائتلاف السيادة عبر دعم علي حاتم باعتباره القوة العشائرية الرسمية في الأنبار التي ستواجه نفوذ الحلبوسي، وقد غرد علي حاتم العلي سليمان يوم 20 نيسان/إبريل من بغداد بعد غياب ثماني سنوات عنها بالقول: «بعدما عانت الأنبار من مشاريع التطرف والإرهاب وتحولت إلى مرحلة الهيمنة والديكتاتورية وتكميم الأفواه والفساد، نعلنها من بغداد أن هذه الأفعال ستواجه بردة فعل لن يتوقعها أصحاب مشاريع التطبيع والتقسيم، ومن سرق حقوق المكون وعلى من يدعي الزعامة أن يفهم هذه هي الفرصة الأخيرة».
وتبقى التوقعات مفتوحة على الدور الذي سيلعبه (الابن الضال) الذي عاد إلى لعبة التحالفات القديمة، فهل يتمكن من تقويض نفوذ تحالف السيادة (الحلبوسي والخنجر) على مناطق السنة في الأنبار والمحافظات الأخرى؟ هذا ما ستبينه الايام المقبلة.
كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    أغلب شيوخ عشائر العراق تحركهم المصالح وليس المبادئ !
    هؤلاء من تسببوا بمقتل حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكربلاء !! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول مُتَابِعٌ:

    قُوَّاتُ السَلاجِقَةُ الأتراك عَلَى مَشَارِفِ الدَّوْلَةِ البويهية
    مَا يُسَمَّى بِإقْلِيمِ كُرْدِسْتَان
    بِقَصْدِ اِلْتِهَامِهَا
    فَهَلْ سَيُوقَفُ التَّقَارُبُ السَّنِيُّ الشِّيعِيُّ
    اِنْحِطَاطَ الْعِرَاقِ وَتَمَزُّقِهِ فِي الْوَقْتِ الضَّائِعِ ؟؟

  3. يقول محمد شهاب احمد:

    البعض يحاول تجربة ما تعلُموا من أسبادهم : فرّق تَسُدّ!
    أذكياء، ….ليس فقط في الفساد

  4. يقول علي حسين أبو طالب / Skellefteå:

    عودة الإبن الضال إلى الساحة السياسية في بغداد اليوم
    كابوس يوقظ السيد من أحلامه الوردية بأن يكون ملك
    العراق المُعَمم . هذا السيد الذي فقد عمامة والده الشهيد
    بعد أن فقد عمامته .

  5. يقول اثير الشيخلي - العراق:

    كل سياسي العراق اليوم المتصدرين للمشهد صعودا و نزولا من كافة الميول و الاتجاهات لا استثني أحدا تنطبق عليهم قصيدة مظفر النواب بحق الحكام العرب وصفاً و واقعاً… و لا استثني منكم أحدا كما خاطبهم مظفر النواب و كما هو شعار انتفاضة الشارع اللبناني بحق سياسييه “كلن يعني كلن” !!
    كل هؤلاء بكل توجهاتهم و انتمائتهم انتهازيين و لصوص مصالح و لكن احطهم هم من يسمون أنفسهم او يسمونهم سياسيي السُنّة
    و الدين و سنّة محمد بن عبد الله منهم براء، فأغلبهم لا يمتون للتدين بصلة البتة!

  6. يقول عبودي:

    الساسة الذين فشلوا في الحصول على مقاعد خلال الانتخابات يريدون تقسيم الفريق السني…مستخدمين قاعدة: نبعث جلابهم عليهم

  7. يقول Omar Ali:

    هناك اعتراف في القرآن الكريم بالنسبة للقبائل.
    ولكن تم أستغلالها لمصالح شخصية أنانية.
    الديموقراطية الحقيقية هي الحل ونحن كمسلمين يجب إن يكون التمسك باخلاق السلام واقامة النظام الديموقراطي الذي يضمن مشاركة الجميع بانهما الطريق الى ‏تجاوز مآسي الامة العربية

اشترك في قائمتنا البريدية