العلاقات الجزائرية الإسبانية.. إعادة تفعيل اتفاقية التجارة يرسم العودة إلى مرحلة ما قبل الأزمة

حجم الخط
12

الجزائر ـ “القدس العربي”:

أعادت الجزائر تفعيل اتفاقية الصداقة وحسن الجوار مع إسبانيا بعد نحو 4 سنوات من تجميدها، في خطوة تعيد تطبيع العلاقات بين البلدين بشكل كامل إثر الأزمة الكبيرة التي أعقبت اعتراف مدريد بخطة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء الغربية.

وكمؤشر أظهرت الرئاسة الجزائرية التي نشرت الخبر، صور استقبال الرئيس عبد المجيد تبون، أمس الخميس، لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى البلاد. وأوضح بيانها الصادر بالمناسبة، أن هذا اللقاء شكل فرصة لاستعراض واقع العلاقات الجزائرية الإسبانية والآفاق المتاحة لتعزيزها، مشيرا إلى أن هذه العلاقات تشهد في الفترة الحالية حركية لافتة من حيث توطيدها وتنويع مجالاتها.

وفي إطار دعم هذه الحركية، ذكر البيان أن الرئيس تبون أبلغ وزير الخارجية الإسباني بقراره إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي تربط الجزائر وإسبانيا منذ أكتوبر 2002، وهو القرار الذي يعكس توجها واضحا نحو استعادة العلاقات الثنائية لمستواها الطبيعي بعد فترة من التوتر.

وفي تصريحاته عقب الاستقبال، أكد ألباريس أن الجزائر تمثل بالنسبة لبلاده “شريكا استراتيجيا وبلدا صديقا”، مبرزا أن لقاءه مع الرئيس تبون وكذا زيارته إلى الجزائر يعكسان “الامتياز” الذي تحظى به العلاقات بين البلدين.

وأشار الوزير الإسباني إلى أن الجزائر تعد “شريكا استراتيجيا وبلدا صديقا تربطنا به علاقات إنسانية ومصالح مشتركة تخص المستقبل، وكذا الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا”، مضيفا أن البلدين يرتبطان بحوار دائم وتعاون مستمر يخدم مصالح الشعبين.

وكشف ألباريس أن الرئيس تبون أبلغه خلال هذا اللقاء بقرار إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة بين البلدين في أكتوبر 2002، مشيرا إلى أنه تم الاتفاق أيضا على “إعادة بعث الزيارات والاجتماعات على كافة المستويات”.

وفي الشق الاقتصادي، نوّه ألباريس بما وصفه بـ”الارتفاع الهائل” للصادرات الإسبانية نحو الجزائر، مؤكدا أنها تضاعفت ثلاث مرات خلال السنة الماضية، مع تسجيل نمو في حجم المبادلات التجارية التي بلغت 8.5 مليار أورو خلال سنة 2025.

واعتبر أن وجود أكثر من 100 مؤسسة إسبانية تنشط في الجزائر يعد دليلا على الديناميكية التي تعرفها العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مضيفا أنه سيعقد لقاء مع رجال أعمال وشركات إسبانية متواجدة في الجزائر بهدف مواصلة هذه الوتيرة.

كما شدد على أن الجزائر تعد “ممونا مستقرا وموثوقا وثابتا للغاز”، مبرزا أنها تحتل منذ ثلاث سنوات مكانة الممون الأول لإسبانيا بالغاز الطبيعي، وهو ما يعكس أهمية الشراكة الطاقوية بين البلدين. وأعرب في هذا السياق عن تقديره لرئيس الجمهورية، مؤكدا أنه تم الاتفاق على تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مجال الطاقة.

وعلى صعيد آخر، أشار ألباريس إلى أن البلدين يتقاسمان، في ظل الظرف الجيوسياسي الحالي، قيما ومبادئ مشتركة، من بينها الحل السلمي للنزاعات ورفض الحروب. كما لفت إلى أهمية الروابط الثقافية، خاصة اللغة الإسبانية، في دعم العلاقات الثنائية، معلنا عن ذهابه إلى وهران لافتتاح مركز “سيرفانتاس”.

وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع تحولات يعرفها سوق الطاقة، حيث تسعى إسبانيا إلى ضمان إمدادات مستقرة من الغاز في ظل ارتفاع الأسعار العالمية وتقلبها. وتبرز الجزائر في هذا السياق كأحد أبرز المزودين، إذ تؤكد مدريد منذ بداية الأزمة أنها شريك موثوق يحترم التزاماته، وهو ما يفسر استمرار تدفق الغاز الجزائري نحو إسبانيا رغم الخلافات السياسية التي شهدتها العلاقات في الفترة الماضية.

وتشير معطيات ساقتها الصحف الإسبانية في هذا السياق، إلى توجه الجزائر نحو رفع صادراتها من الغاز إلى إسبانيا عبر أنبوب “ميدغاز”، حيث يرتقب أن ترتفع الكميات اليومية من 28 إلى 32 مليون متر مكعب، بما يسمح بالاقتراب من الطاقة القصوى للأنبوب، وهو ما يعكس عودة التنسيق بين البلدين في المجال الطاقوي بعد فترة من التوتر.

وفي الواقع، تندرج زيارة ألباريس إلى الجزائر ضمن حركية دبلوماسية متجددة بين البلدين في الأشهر الأخيرة، وهي تأتي تحضيرا للقمة المرتقبة بين رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. كما يرتقب أن تساهم في الإعداد لعقد الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني.

ووفق الصحف الإسبانية، تشمل الزيارة أيضا مساعي معالجة عدد من الملفات العالقة، من بينها مسألة التأشيرات، حيث تشتكي الجزائر من بطء منحها لمواطنيها، مقابل تسجيل تحفظات إسبانية بشأن بعض القيود المفروضة على دخول فئات من حاملي الجنسية الإسبانية إلى الجزائر.

ويبرز كذلك ملف الهجرة غير النظامية كأحد أبرز التحديات المشتركة، خاصة مع تسجيل ارتفاع في عدد المهاجرين المنطلقين من السواحل الجزائرية نحو إسبانيا خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يدفع البلدين إلى تعزيز التنسيق في هذا المجال.

وتأتي هذه الزيارة كذلك، بعد نحو شهر من زيارة العمل التي قام بها وزير الشؤون الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، إلى مدريد خلال شهر فبراير/ شباط الماضي، حيث عقد جلسة عمل مع نظيره الإسباني، تم خلالها تبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، لا سيما التطورات في منطقة الساحل والتحديات في الفضاء الأورو-متوسطي.

وفي الأشهر الأخيرة، تعززت الديناميكية الدبلوماسية بين البلدين من خلال تعيين إسبانيا سفيرا جديدا لها في الجزائر نهاية سنة 2025، حيث قدم راميرو فرنانديز باشيير أوراق اعتماده إلى الرئيس تبون، مؤكدا أن العلاقات الثنائية توجد “في أحسن حالاتها”، معبرا عن إرادة بلاده في تعميقها وتوسيعها في مختلف المجالات.

وأشار السفير الإسباني إلى أن الجزائر وإسبانيا بلدان جاران تجمعهما روابط تاريخية واقتصادية وثقافية، مبرزا وجود فرص كبيرة للتعاون المشترك، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي، إضافة إلى قضايا الهجرة غير النظامية وأمن المنطقة، فضلا عن مجالات الدبلوماسية الثقافية والبرلمانية.

ويأتي هذا التحسن في العلاقات بعد أزمة خانقة اندلعت بين البلدين سنة 2022، إثر إعلان إسبانيا دعمها لمقترح الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، وهو القرار الذي رفضته الجزائر، لتقوم بسحب سفيرها من مدريد وتعليق معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة سنة 2002.

وقد شكل هذا الموقف الإسباني في ذلك الوقت مفاجأة للجزائر، باعتبار أن إسبانيا تعد القوة الاستعمارية السابقة في الصحراء الغربية، ولا تزال تتحمل مسؤوليات مرتبطة بملف تصفية الاستعمار في الإقليم في إطار الأمم المتحدة.

وأدى هذا الخلاف إلى تراجع كبير في المبادلات التجارية بين البلدين، حيث انخفضت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر من 1.9 مليار يورو سنة 2021 إلى نحو 330 مليون يورو في سنة 2023، مع تسجيل خسائر قدرت بنحو 3.2 مليار يورو للشركات الإسبانية.

ومع مرور الوقت، بدأت العلاقات الثنائية تستعيد تدريجيا مسارها، حيث شهدت سنة 2024 بداية انتعاش في المبادلات التجارية، قبل أن تتعزز هذه الديناميكية خلال 2025، وصولا إلى المرحلة الحالية التي تتسم بعودة الاتصالات السياسية رفيعة المستوى واستئناف آليات التعاون.

وتعكس المؤشرات السياسية والدبلوماسية الراهنة، من إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وزيارة وزير الخارجية الإسباني إلى الجزائر، إلى جانب التحضير لقمة مرتقبة بين قائدي البلدين، توجها مشتركا نحو طي صفحة الأزمة وفتح مرحلة جديدة من التعاون بين الجزائر وإسبانيا، في ظل سياق دولي ضاغط خاصة في مجال الطاقة، يدعم هذا التقارب ويعززه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول ابن الوليد. المانيا.:

    وكأن شيئا لم يكن.. رغم أن لا شيئ قد تغير..
    .
    فاسبانيا لا زالت تعترف بمغربية الصحراء..

    1. يقول ابن سعيد:

      عودةاسبانيا إلى علاقاتها الطبيعية مع الجزائر كان اراديا منها بعد أن تأكدت أن التغريد خارج السرب الجزائري يعد مجرد سراب لأمل للعطشان في الإرتواء منه .

    2. يقول عبد المجيد:

      ستأتيك الأخبار بما لم تعلم ، سواء من إسبانيا أو أمريكا وغيرهما .

  2. يقول فتحي:

    العالم ينهار و البعض جعل عالمه الصحراء!

  3. يقول هشام:

    الجزائر قوة دبلوماسية و سياسية.
    التاريخ سيكتب لأول مرة دولة عربية و افريقية تعاقب دولة أوروبية.
    اسبانيا تابت وعادت الى القانون الدولي في قضية الصحراء الغربية بشكل علني وصريح.
    الجزائر سامحت اسبانيا على شرط أن لا تعود إلى مخالفة للقانون الدولي باعتبارها القوة المحتلة السابقة للصحراء الغربية.
    موقف مدريد تغير 360 درجة وأصبحت الآن تدين كل سلوك احتلال أو اعتداء على سيادة دولة وخير دليل حرب غزة والحرب على ايران.
    الجميل أن الجزائر دولة براغماتية تحسن تأديب كل من تسول له نفسه المساس بمصالح الجزائر سواء أكان اوربيا أم افريقيا.
    من أراد أن يكسب ود الجزائر عليه أن يكون وفيا لمبادئها مثل دولة إيطاليا الصديقة

    1. يقول محمد:

      تقولون الكذبة ثم تصدقونها إسبانيا لم تتراجع ولم تغير موقفها فالنظام الجزائري ضغط و إنتظر و لعب كل أوراقه الاقتصادية لإبتزاز إسبانيا بدون فائدة و كان يعول على الانتخابات البرلمانية الاسبانية من أجل خسارة بيدرو سانشيز و هذا بشهادة مسؤولين جزائريين كبار الذين صرحوا علانية أن أملهم في تشكيل حكومة جديدة من أجل عودة العلاقات لكن الصدمة كانت في بقاء الحزب الاشتراكي في الحكم فلم يجد النظام الجزائري من طريقة سوى تطبيع العلاقات بين البلدين

  4. يقول علي نور:

    قضية نزاع الصحراء الغربية لم يحسم بعض. مازال في طاولة المفاوضات بين المغرب و جبهة البوليساريو . موريتانيا و الجزائر كاطراف ملاحظة.

  5. يقول جزائري عربي مسلم:

    أعتقد أن الجزائر تعتنق مبدأ “الواقعية السياسية” وتبتعد عن سياسة “الكرسي الشاغر” التي لم تنفعها بصراحة. ولكن ما يحسبه لها العدو قبل الصديق أنها لم تسقط في الوحل ولم تقدم أية تنازلات رخيصة…هي الآن تسعى لتثبيت نفوذها كدولة “طاقوية” في أوروبا عبر إسبانيا وإيطاليا..وحين يستقر هذا النفوذ، ولا سيما في سياق المخاوف الحالية الناتجة عن الحرب الأمريكية الصهيونية ضد إيران وتداعياتها الكارثية المحتملة، أقول حين تترسخ مكانة الجزائر كبديل طاقوي وحيد وموثوق..أظن أن قواعد اللعبة الحالية ستتغير لصالحها..لا أتحدث عن ملف الصحراء الغربية تحديدا بل عن اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وقضايا الهجرة والتأشيرة…الخ

  6. يقول محمد محمود ولد السالك:

    الاتحاد الاوروبي تخلي عن التعامل مع الجزائر في ميدان الطاقة منذ أن تدهورت العلاقة مع اسبانيا وبعدها مع فرنسا وبدأ الاتحاد يعتمد علي روسيا وبعد إعلانها الحرب على أوكرانيا إتجهوا نحو ما يأتيهم من الخليج خاصة قطر والسعودية كما أن الولايات المتحدة الأمريكية دخلت سوق الطاقة الأوروبية قبل مجيء ترامب مما جعل الجزائر تشعر بالعزلة بدأت تتقرب من ايطاليا والآن إسبانيا وقدت وكهت دعوة لرئيس الحكومة الإسبانية دعوة لزيارة الجزائر عدة مرات وربما في الأيام المقبلة ستكون هناك تبادل للزيارات.

    1. يقول محمد أحمد:

      محمد محمود من المغرب الشقيق
      هل انت جاد في ماتقول !!!
      يبدو انك بعيد جدا عن حقيقة الميدان
      الا ترى بأن كل أوروبا تلهث وراء الجزاءر
      ألا ترى وتسمع الأحزاب الفرنسية كيف تعاتب الرءيس الفرنسي على خسارة كل شيء في الجزاءر..
      ألا ترى بأن طاءرات الوفود الاوروبية تتزاحم في مطارات الجزاءر..
      أوروبا تعرف هذا جيدا والصورة واضحة للجميع

  7. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (1)
    لماذا فعلت الجزائر معاهدة الصداقة !!!؟؟؟
    تفعيل الجزائر لمعاهدة الصداقة مع إسبانيا هو بمثابة هدنة المحارب المنتصر في انتظار سنة 2030، حيث تنتهي عقود التوريد عبر أنبوب ميدغاز. حيث تمنح هذه المرونة الدبلوماسية للجزائر ميزة التفاوض من جديد على أسعار وعقود الغاز القادمة بضغط أكبر وشروط سيادية أمتن.
    لما استنفدت الجزائر غرض القرصة الدبلوماسية، ووصلت الرسالة بوضوح، وصرخت الشركات الإسبانية من ألم الخسائر التجارية، أثبتت الجزائر أنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه في معادلة المتوسط.
    وتأتي هذه العودة ضمن “مقايضة كبرى” تهدف لاستعادة التعاون التجاري مقابل تجميد الموقف الإسباني، ومنعه من الانزلاق أبعد.
    لقد أثبتت الجزائر صمودها والآن تعود لتجني ثمار هذا الصمود سياسياً، مؤكدةً أن السيادة والمواقف المبدئية هي التي ترسم حدود المصالح الاقتصادية، وليس العكس.
    لتذكير الكاتب والقراء أن الجزائر لم تخسر شيئا، فغازها يتهافت عليه المشترون، والسلع الإسبانية، حل محلها السلع الصينية والتركية والإيطالية

  8. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (2)
    لماذا فعلت الجزائر معاهدة الصداقة !!!؟؟؟
    الجزائر لم تُفعل المعاهدة لأنها “تحتاج” لإسبانيا، بل فعلتها لأنها:استنفدت غرض “القرصة”.
    الجزائر ذكية؛ هي لا تريد أن تخسر إسبانيا “للأبد” لصالح أطراف أخرى. بفتح الباب مجدداً، هي تُبقي إسبانيا في حالة “ارتهان” للغاز الجزائري، وتمنعها من الارتماء الكامل في أحضان المحاور المنافسة. هي سياسة “إبقاء الخصم قريباً” لضمان عدم تمرير قرارات معادية داخل الاتحاد الأوروبي مستقبلاً.
    الجزائر أثبتت لمدريد وللاتحاد الأوروبي أنها:
    قادرة على تغيير شركائها التجاريين (إيطاليا، البرتغال) في لمح البصر.
    قادرة على خنق قطاعات صناعية إسبانية كاملة دون أن تهتز ميزانيتها. الآن، تعود الجزائر من “موقع قوة” لفرض شروطها في المرحلة القادمة.

اشترك في قائمتنا البريدية