الفنان الفلسطيني خالد رباح: لسنا إلا الأماكن التي أتينا منها

حجم الخط
0

فاطمة عطفة: ولد الفنان الفلسطيني خالد رباح في القدس لقربها من رام الله، ذهب إلى أمريكا لدراسة العمارة، لكنه أدرك باكرا أهمية الحلم والطاقة الكامنة فيه فانحاز إليه ليجترح الواقع الفلسطيني الذي يريده، لم يسجن نفسه في مساحة اللوحة، بل وسع أبعادها جاعلا من الحياة لوحته الكبرى، فالفن برأيه هو الأسلوب الذي نحيا به، وطريقة للرؤية، أثناء مجزرة صبرا وشاتيلا خرج في شوارع أمريكا يصرخ محتجا على قسوة العالم. عشق شجرة الزيتون وما تختزنه تفاصيلها من ذاكرة وأحبة، وأقام لها متحفا متحديا المنطق الظالم بالخيال الجامح، التقته القدس العربي أثناء تواجده في ‘فن أبو ظبي’ لنترك له الحديث مع قراء القدس.ـ كيف عثر خليل رباح على الفنان في داخله، وما هي المؤثرات التي ساهمت في صياغة هذا الفنان؟* ‘هذا السؤال على بساطته شديد العمق، أنا لا أعرف بالضبط إذا كان الفنان يولد بموهبة أم البيئة الأولى التي يعيش فيها هي التي تشكل موهبته. بكل تأكيد لم يكن للمدرسة دور يذكر. أبي كان نجارا وربما عمله بالخشب ترك تأثير ما، إضافة أني كنت أحب الجلوس لمراقبة أمي وهي تطرز رسومات من التراث الفلسطيني على القماش، هذه العوامل شكلت لدي الرغبة في العمل اليدوي. لا أستطيع الجزم بمقدرة الشخص على معرفة إذا كان موهوبا أم لا، ولكن أعتقد أن القضية الأساسية هي كيف نريد أن نعيش، وكيف نريد أن نرى العالم. عندما تركت فلسطين وذهبت إلى الجامعة في أمريكا، شعرت أني أستطيع أن أرسم، ففكرة الرسم سابقا لم تكن ممكنة لأنه لا ينظر إلى الرسم كمهنة بإمكانها تأمين المعيشة وإنما كهواية ولم يكن هناك تشجيع، في أمريكا بدأت أتسائل هل هذا فعلا ما أريد عمله؟ استغرق قراري هذا وقتا حتى أنهيت دراسة الهندسة المعمارية، وكنت أثنائها بدأت أجرب وأتعلم الرسم بشكل ذاتي، أزور المتاحف وأقرأ في كتب الفن’.ـ ما هو الفضاء الذي تحركت فيه تجاربك الأولى؟* ‘أردت الخروج من سطح اللوحة، الفن أوسع من لوحة هو أسلوب حياة وطريقة تفكير، صرت أقوم بأشياء وأطلب تصويرها، في فترة الحصار على بيروت 1982 تعريت بالكامل ووضعت على جسدي كوفية أسد ولففته بسياج، أثناء مجزرة صبرا وشاتيلا خرجت أصرخ في الشارع ومشيت على زجاج مكسور لأعيش الآلام التي عاشها الفلسطينيون، كنت في أمريكا ولم يكن من المعقول ما يحدث لهم ولا أعرف كيف أتواصل، قمت بهذه الأعمال دون أن أعرف أنها شكل فني وممكن تصنيفها ضمن الأعمال الفنية. بعد عشر سنوات عندما بدأ النقاد يتساءلون حول تجربتي وأريهم بعض الصور، قالوا لي أنك تعمل على تجربتك منذ زمن! لم أكن أعرف أن ما قمت به يسمونه فن، كنت أظن أن الفن هو الرسم فقط، لكن الفن بالمحصلة هو كيف يستطيع الإنسان أن يعبر عن وضعه الإنساني والاجتماعي والوجداني والسياسي، وبالنتيجة نحن لسنا إلا الأماكن التي أتينا منها’.ـ هل تستطيع أن تفسر لي هذه النقطة بالذات؟* ‘أنا فلسطيني، صرت مواطنا أمريكيا بعد الإقامة عشر سنوات في أمريكا وصار اسمي (تشارلي)، ولكن دائما ينادوني خليل، كلمة (تشارلي) لا تعنيني بشيء بينما أشعر أنني معني بكلمة خليل، خليل يعني الصديق، اللغة لها علاقة من أين أتيت، وأين ترى نفسك، وأين تقدر أن تحلم وبأي فراغ، العمارة أثرت على عملي كثيرا، فالفراغ دائما متغير عند الفلسطينيين، أنا عندما كنت أذهب إلى القدس من راما لله كانت الرحلة تستغرق عشر دقائق ولهذا القرب علاقة بولادتي في مستشفى القدس وشهادة ميلادي في القدس. أنا الآن لا أستطيع دخول القدس وإذا أردت أن أدخل بالتهريب لن تستغرق الرحلة عشر دقائق لأني فقط فلسطيني، سأدور في طرق كثيرة ولن أصل قبل ساعتين، أي شخص يحمل هوية أخرى يمكنه الدخول ببساطة، فصار الفراغ والوقت مرتبط بسؤال الهوية. ومن هنا قلت الفن يستطيع ويقدر أن يفرض وجوده، وعندها بدأت أحلم’.ـ كيف استطعت أن تجعل لأحلامك جسد واقعي، لتلمسه أو حتى لتقيم فيه؟ * ‘نحن كشعب فلسطيني ننتظر من الآخرين أن يعترفوا بدولتنا، أنا لا أريد أن أنتظر أحدا وقلت عندنا دولة وكما كل الدول لديها متحف لتاريخ الطبيعة والإنسان، عندنا في فلسطين أيضا متحف لتاريخ الطبيعة والإنسان، وهو يضم تاريخ الإنسانية جمعاء، بدأت أتخيل هذا المتحف ووضعت له تاريخ تأسيس. وعندما بدأت أفكر ماذا سأضع في هذا المتحف صرت أتعمق في نفسي أكثر، ووجدت أن شجرة الزيتون رافقتني في معظم أعمالي، أتصور كثيرا بجانبها وأهتم بتشكيلات جذوعها المختلفة والتي تعطي إيحاء إنسانيا، إضافة إلى وجودها الكثيف في الذاكرة. عندما كنت أعود من المدرسة في الخريف وأجد أمي تدق الزيتون بالحجر، الحجر ما زال موجودا وعليه أثر يدها وزيتون عمرها، فصورت شريط فيديو وبدأت أدق الزيتون بالحجر كما كانت تفعل. وسميت الشريط (I want to be with you). ما كانت تفعله أمي وأم صديقي وأمهات فلسطين، ما كان يفعله أبي هو تاريخنا، هو تاريخ الطبيعة ونحن عندنا هذا التاريخ. أسست المتحف على هذا الأساس وكنت كل عام أعطيه سنة تأسيس مختلفة، مرة حسب ميلاد أبي، ومرة جدي فتاريخ الطبيعة عندنا له علاقة بتاريخ إنسانيتنا، متى نموت وماذا نعيش، وبدأت تتراكم الأعمال في هذا المتحف. وفي العام الثالث لبناء جدار الفصل في فلسطين أعلنت في المتحف عن المزاد العلني الثالث لبيع الجدار. ورغم أن الجدار تمثيل من صناديق إلا أنه أثار حفيظة البعض وهناك من اعترض أنه لا يحق لي بيع الجدار فهو ليس لي، وكان جوابي دائما الجدار في أرضي. وأنني أريد أن أبيعه فهذا الجدار ليس أسمنتا أو من الممكن أن يُهد مثل جدار برلين، الجدار هو أراض أخذت، وأحجار، وعصافير، ونمل، هو ثياب لأناس، وأشجار زيتون، هو فراغ .. أخذوا حتى الفراغ’.ـ أين أسست هذا المتحف، وهل هناك ثيمة أساسية لمجمل مقتنيات المتحف؟* ‘أول سنة في رام لله من أجل أن يرى الناس المقتنيات الدائمة للمتحف. اكتشفت في داخلي غرام شديد بشجرة الزيتون، أرى في أغصانها غنى بالتشكيلات الإنسانية الملفتة، الموضوع ليس رومانسيا، ولكنه مرتبط بطفولتي بحبي الأول، بالزمان والمكان، لدي رغبة دائما في تفكيك مشهد الشجرة البسيط. حاولت أيضا أن أتعرف على تفاصيل صنع الصابون النابلسي والذي يصنع من زيت الزيتون، فالمتاحف الطبيعية تتكلم عن الطبيعة من خلال وجودهم في المكان ويربطون تاريخهم بتاريخها. فاستخدمت هذه المواد المرتبطة بهذه الشجرة، هناك من ظن الصابون حجر والأغصان عظام، صنعت بركانا من الأغصان، وبالنهاية تشكل متحف مؤسس بالدرجة الأولى على شجرة الزيتون، وله أكثر من عشر سنوات وله منشورات ونشاطات، وما أتكلم عنه اليوم هو تاريخ المتحف’.ـ هل التعمق بالطبيعة، كما كنت تتكلم عن شجرة الزيتون، يحمل مؤثرات من الثقافة اليابانية أو البوذية وعلاقتهما بالطبيعة؟ * ‘عندما درست العمارة صار عندي عشق للعلاقة بين الطبيعة والعمران وحب للتجربة اليابانية في هذا الإطار، والآن عندما أبني بيتا أزرع بجانبه شجرة زيتون وأشذبها بجمالية توحي بهذا التداخل، هناك نوع من الروحانيات في الثقافة اليابانية أحبها وهي موجودة عندنا ولكن بطريقة أخرى. عندما بدأت أهتم بشجرة الزيتون أذهب إلى القرى وأتحدث مع الناس، أخبروني أنهم يحرقون شجرة الزيتون عندما تصاب بالدود، رغم الجهد التي تحتاجه شجرة الزيتون، يحرقونها من أجل المحافظة عليها. الفلاحات يتحسسونها كأنها إنسان هذا برأيي نوع من التصوف، شجرة الزيتون ليست رسم فقط هي بحاجة إلى تفكيك، عندما يحرقونها كأنهم لا يريدون نسيانها لأنها جزء من الذاكرة، تشبه فقد شخص عزيز’. ـ كفنان فلسطيني موجود في أمريكا، وأمريكا مسؤولة عما يحدث في فلسطين، كيف نظرت إلى قضية فلسطين من أمريكا؟* ‘كنت أخرج وأصرخ في شوارع أمريكا، وفي وقت لاحق استطعت أن أفصل بين الأمريكيين العاديين الذين لا يعرفون ما يحصل والساسة، وبقيت لخمس سنوات أرفض الحصول على جواز سفر أمريكي، لم أكن أتقبل فكرة أن أكون أمريكيا. ولكن بعد حصولي على الجواز الأمريكي استطعت أن أزور الدول العربية! استطعت أن أدور العالم. وأمريكا ذاتها التي قمعت شعوبا أعطت الفرصة لأناس آخرين. ولكن وجودي هناك زاد تشبثي بقضية بلدي وشعرت بضرورة العودة لأن دوري هناك في رام الله. وحين عدت بدأت أعمل في القدس، كانت القدس معزولة، حاولنا إدخال الفن والفن الحديث إلى القدس وأجرينا استضافات فنية، وأسسنا أيضا مع مؤسسة رواق وهي تعمل على حماية الممتلكات الثقافية والمعمارية رواق بينالي وهو أول بينالي في فلسطين، واستطعنا خلال ثلاث سنوات من عمر البينالي أن نُطلع المجتمع الخارجي على عملنا، واستطعنا مع الناس في القرى أن نحافظ على تراث خمسين قرية. العالم لا يعرف أن عندنا ثقافة وأن هناك أناس تعمل، يعتقدون أن الفلسطيني لاجئ وإرهابي، نحن لسنا إرهابيين إنّا ندافع عن حقوقنا’.ـ كيف يتفاعل الناس مع أعمالك، وهل استطعت أن تصيبهم بعدوى الحلم؟* ‘أحضرني أبي مرة إلى بيروت وكنت صغيرا، رأيت في وسط بيروت دبابة عليها العلم الفلسطيني، هذا المشهد لم أره في فلسطين وبقيت هذه الصورة في ذهني. وحين دعيت مرة إلى بيروت لأشارك في معرض مع فعاليات (أشكال ألوان)، استأجرت مكتب بجانب مكاتب الطيران في شارع الحمرا، ووضعت يافطة مكتوب عليها الولايات الفلسطينية المتحدة للطيران، وأسميتها الولايات لأني لا أدخل غزة وبصعوبة أدخل أريحا والقدس لا أستطيع أن أدخلها، وصنعت مجسم طائرة، الأمر الذي أثار فضول المارين وبدؤوا يسألون عن المكتب والاسم، أهم ما حدث في هذا المعرض ولن أنساه في حياتي، أن أحد الفلسطينيين أتى لرؤية العرض برفقة ابنه، أعجب الطفل بشكل الطائرة، فقال الأب لطفله: هذه هي الطائرة التي ستعيدنا إلى فلسطين. عندما سمعت هذه الجملة شعرت بقشعريرة من رأسي حتى أخمص قدمي. فأجابه الطفل: هل أستطيع الصعود إليها. والولد إذا جلس على المجسم سيخربه، ولكن مع ذلك قلت للأب دعه يجلس، أجعله يحلم، امنحه القدرة على الحلم أن بإمكانه العودة إلى فلسطين. هذا أثر الفن ويستحق هذا الطفل أن نعمل من أجله’.ـ هل ترى في الثورات العربية أو ما أطلق عليه الربيع العربي ما يوازيه على مستوى الفن؟* ‘برأيي أتى وقت التغيير، وما يحدث في الفن العربي بشكل عام مهم فهذا الفن صار يقارع أي فن عالمي آخر. كنا نسمع مصادفة عن اشتراك فنان عربي في معرض عالمي مهم، الآن لا يوجد معرض إلا وفيه الكثير من الأسماء العربية، وهذا الربيع ربيع عربي كامل وبكل العالم، وإذا استطعنا أن نفعل ذلك في الفن، لماذا لا نستطيع أن نفعله بشيء آخر؟ نحن الآن مطلعين على الفنون في نيويورك ولندن واليابان والعالم كله، وهذا ربيع بالنسبة لنا، إنها بداية لن تتوقف. ومن خلاله فقط نستطيع أن نعيد فلسطين، عندما نقيم متحف معنى ذلك أن فلسطين تعيد تشكلها وولادتها، لدينا الآن كتاب، موسيقيون، عندنا معهد موسيقى، مؤسسات ثقافية، هذا ثورة حدثت في العشر سنوات الأخيرة، قبل عشرين عاما لم يكن موجود غير الفن الرسمي’.ـ هناك مرحلة جديدة بدأت تتشكل هل تجد أسبابها بما أسسه الجيل السابق أو في طبيعة الأجيال الشابة، أو في التكنولوجيا الحديثة أو التعليم، أو أن الظلم نفسه هو الذي أسس لهذه المرحلة؟* ‘بالتأكيد أن هناك عدة عوامل كان لها تأثيرات متباينة، ونحن لسنا مختلفين عن العالم، كما تناضل شعوب العالم من أجل ديمقراطيتها نحن أيضا من حقنا أن نتطلع إلى الديمقراطية. صحيح أن التكنولوجيا لعبت دورا كبيرا في مصر، ولكن في مصر أيضا مشاكل حقيقية ووعي بهذه المشاكل قبل الفيسبوك، الفيسبوك موجود في العالم كله، مصر تريد أن تعود (أم الدنيا)، لقد أدهشتنا وأتمنى أن يقتدي الرئيس السوري من تنحي مبارك بعد أن رأى إصرار الشعب وسقوط الشهداء، العرب وصلوا إلى مرحلة اللا رجوع، لقد أدركوا أن بإمكان حياتهم أن تكون أفضل، لدينا مواهب كثير لكن الاضطهاد كبير. قبل سنة كنت في الدوحة بمعرض لتأسيس متحف للفن الحديث، وكان قضية غزة وقتها وكان لي أكثر من عام أعمل على هذا الموضوع، فصنعت مجسم للبارجة التي تحمل الطائرات، وحولت سطح البارجة إلى أرض زراعية وزرعت فيها الطماطم والفراولة، وبداخل البارجة عملت مصنعا لإنتاج معجون الطماطم ومربى الفراولة، وأسميت البارجة جزر الولايات الفلسطينية المتحدة، شكل البارجة يشبه غزة. وعندما سألوني لماذا الفراولة والطماطم؟ في فترة الحصار على غزة كان الشيء الوحيد الذي يسمح الإسرائيليين بدخوله إلى غزة هو معجون الطماطم ومربى الفراولة، وذلك لأن هذه الأصناف تزرع في غزة وبذلك يضربون الموسم، إلى هذا الحد. جاء الوقت الذي نقول به نحن نستطيع’.ـ كفنان ما هو حلمك لفلسطين؟* ‘الوحدة، أو كما أسميتها الولايات الفلسطينية المتحدة’.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية