الكاتب الياباني هاروكي موراكامي: لست سوى صبي يعرف الكتابة!

حجم الخط
0

اجرت الحوار: إيما بروكس (Emma Brockes): عندما ظهر الجزء الثالث من أسطورته الباطنية (1Q84)، تم إجراء لقاء مع الكاتب الياباني ،والذي لا يقل غموضا عن كتابه، يفضل النجم ـ البالغ من العمر 63 سنة والذي لا يزال يتمتع بشباب مدهش ـ الصمت التأملي على الكلمات. كان لقاؤنا بهاروكي موراكامي ( Haruki Murakami) بشقة رئاسية فاخرة بفندق حياة ( Hya) في وايكيكي، بهاواي : تشرف الشقة على شاطئ منغرس في الجبل، لوحة إشهارية بديعة. يبلغ من العمر ثلاثا وستين سنة، لكنه كما يقال لايزال مراهقا ترك مزلجه. يوزع وقته بين هاواي، اليابان ومكان ثالث يطلق عليه ‘هناك’. هناك حيث كان يختفي كل صباح من أجل كتابة رواياته، مكان مسكون بتلك الشخصيات التي أفضى بها الأمر إلى رسم الأسلوب الموراكامي: [شخصيات] ملغزة، غامضة، مترعة بالانفعالات المكبوتة في حالتها القصوى وممثلة بمعية هذا الانفصال الذي حوله [المكان] إلى طقس تعبدي. قبل رحلتي إلى هاواي، اعترف لي أحد الأصدقاء بأن حبه لموراكامي يرتكز جزئيا على الرغبة في أن يصبح جزءا من أولئك الذين يحبون موراكامي …’لاأعتبر نفسي فنانا، كرر المؤلف هذه الجملة لمرات عديدة أثناء الاستجواب. فأنا، بالضبط، صبي يعرف الكتابة. هاه’!’ يدين موراكامي بظروفه المستقرة إلى ماض ودي لصاحب نادي الجاز، عندما كان في العشرينات من عمره، وإلى نظامه الهادئ تماما كمتبار ثلاثي. كما وضح ذلك في كتابه بورتريه ذاتي للمؤلف كعداء مسافات طويلة، يستيقظ باكرا في أغلب الأوقات على الساعة الرابعة صباحا، يكتب إلى حدود منتصف النهار، يقضي أوقات بعد منتصف النهار في التدرب على سباق الماراطون ثم يبحث في محلات بيع الأسطوانات القديمة، وأخيرا يذهب للقاء زوجته في التاسعة ليلا. تعادل شهرة هذا النظام شهرة رواياته تقريبا، ثم إنه [النظام] يعبق بعطر التعصب النظوف الخليق بالتخلص من شبابه الطائش. وهو أيضا نوع السلوك الضروري من أجل إنجاز ألف وخمس مئة صفحة في ظرف ثلاث سنوات لمجموع روايته (1Q84).بالنسبة لموراكامي، القصير والسمين والشبيه بثور صغير، إن المسألة مسألة قوة. ‘شيء طبيعي. فإذا كنت أكتب منذ ثلاث سنوات، كل يوم، ينبغي أن أكون قويا. ومن المفروغ منه أيضا أن أكون قويا ذهنيا. على أنه قبل كل شيء يتوجب أن أكون قويا جسديا. إنه شيء من الأهمية بمكان. ينبغي أن أكون قويا جسديا وذهنيا’. إن هذا الدأب على التكرار، عادة أسلوبية أو تأثير جانبي لترجمة اللغة اليابانية، يعمل على تحويل كل ما يتلفظ به موراكامي إلى ملفوظ غاية في العمق .فقد كتب حول الأهمية الاستعارية لتمرنه على رياضة الركض، ثم إن كتابته، مضافة إلى إنجاز فعل يومي، تصبح نوعا من ممارسة قدرية (Karmique). ‘نعم، يقول: ممممم’. يصدر عنه صوت تأملي طويل. ‘أنا بحاجة إلى القوة لأنه يتوجب علي أن أفتح الباب’. إنه يعمل على محاكاة المجهود من أجل فتح الباب .’أذهب كل يوم إلى مكتبي، أجلس إلى طاولتي وأشعل الحاسب الالي. هناك، علي أن أفتح الباب. إنه كبير، باب ثقيل. ينبغي الانتقال إلى الغرفة الأخرى. مجازيا، بالطبع. ثم إنه يتوجب العودة إلى تلك الغرفة نفسها. كما أنه ينبغي إغلاق الباب من جديد. ففتح وإغلاق الباب يقوم على القوة الجسمانية حقيقة. فلو حدث ان فقدت تلك القوة ، فلن أستطيع كتابة رواية واحدة أبدا. بإمكاني كتابة قصص قصيرة، وليس رواية’.هل تفيد تلك الأفعال، كل صباح، في قهر نوع ما من الخوف ؟. ‘إنه الروتين بكل بساطة، رد ضاحكا بقوة. إنه الروتين. على أن الروتين يعتبر غاية في الأهمية’. لأنه متضمن للفوضى ؟ ‘هاه’!. إني أسعى إلى ما تحت شعوري. يتوجب علي ولوج هذه الفوضى. غير أن فعل الذهاب والإياب إليها هو نوع من الروتين. من الواجب التوفر على حس عملي. فعندما أقول كل مرة، أنه إذا ما رغبنا في كتابة رواية ما، فإنه ينبغي التوفر على حس عملي، فإن هذا يضجر الناس. يصابون بخيبة الأمل’. يضحك مجددا. ‘إنهم يتوقعون خطة فعالة جدا، أكثر خلقا، غاية في الفنية. إن ما أريد قوله، هو: ينبغي امتلاك حس عملي’.النداء الباطني أمام مباراة في البيسبول إن من يستيقظ باكرا بإمكانه أن يحيا حياتين. إن ذلك يعتبر استعارة موراكامية، إن هذه حياة وحيدة منشطرة إلى شطرين، بواسطة تغيير جذري للوضع، أو في الفضاء، بين حياة خارجية وحياة داخلية لأنا منقسمة. تجد أوماما (Aomame)، بطلة رواية (1Q84) ـ ‘ الفاصولياء الخضراء’ ـ باللغة اليابانية ـ نفسها بشكل غاية في الواقعية في سيارة أجرة، مشلولة الحركة في ازدحام على طريق سريع بطوكيو. نحن في سنة 1984، تلميح إلى جورج أورويل ( George Orwell). وحتى لا تتأخر، تركت سيارة الأجرة ثم استعارت مرقاة عتيقة معطلة كي تتابع سيرها. وجدت نفسها في كون مواز، أطلقت عليه (1Q84). وكما هو الشأن في الكثير من تخييلات موراكامي، إنه مزيج من سرد واقعي مدهش وسوريالية هاذية ـ ساعات حائطية مسترفعة، كلاب تنفجر، كيان يدعى ‘شخصا صغيرا’ يبرز من جثة تيس ـ تهدف إلى دعوة القارئ إلى إبداء التساؤل إذا لم يكن كل هذا نسيجا من العبث، شك يحلو للمؤلف تضمينه في الرواية. ‘تم التخلي عن الناس وسط بحيرة من نقط الاستفهام الملغزة. يخاطر القراء بتأويل نقص التفسير هذا لكسل المؤلف’، يقول ناشر، في (1Q84) ، إلى كاتبه النجم. فبماذا أجاب المؤلف موضع التساؤل؟: ‘إذا توفق مؤلف ما في كتابة محكي ما، ‘منظم بطريقة مفيدة بامتياز’ والتي ‘تنقل القارئ إلى النهاية القصوى’، التي يكون بإمكانها نعت ‘ مؤلف ما بـ’الكسلان’ ؟ ‘وبعد شهر من صدورها باليابان، بيع من رواية (1Q84) مليون نسخة. بقيت بعض فترات سيرة موراكامي غامضة بالنسبة له هو ذاته. فهو عاجز عن القول لماذا قرر أن يصبح كاتبا. صدم لهذا، وهكذا، ذات يوم، فجأة، وأثناء مباراة بيسبول ودون أن يكون لديه أدنى ميل لذلك إطلاقا. حدث ذلك قبيل بلوغه الثلاثين، كان يدير حانة الجاز التي كان يطلق عليها ‘القطة بيتر’ (وهو الاسم ذاته لقطته). حدث ذلك في سنة 1978. كانت أعوامه المتمردة تتعقبه تقريبا. فقد نشأ في الستينات، وحيدا لأب يشتغل بالتدريس الجامعي وأم ربة لبيت، ومثل كل مجايليه، فقد انحرف عن الطريق التي أريد له أن يسلكها. تزوج على وجه السرعة بعد أن غادر الكلية وبدلا من متابعة الدراسة، لجأ إلى اقتراض المال من أجل فتح علبة الجاز ثم داوم ولعه بالموسيقى. وحوله أيضا، كان أصدقاؤه متمردين. البعض منهم قضوا انتحارا، وهو موضوع غالبا ماعمل موراكامي على مقاربته. ‘لقد رحلوا، قال. كانت فترة ضاربة في الفوضى، ثم إني أتحسر عليهم مرة أخرى. إن كوني أبلغ من العمر 63 سنة يعطيني انطباعا بأني شخص باق على قيد الحياة. وكلما فكرت فيهم، يكون لدي إحساس بوجوب الحياة، أن أحيا بقوة. لأني لاأرغب في ترك سنوات من حياتي تمر … هذا هو الهدف الذي ينبغي أن يكون حقيقة، أن أحيا. لأني بقيت على الحياة، أنا ملزم بأن أمنح بسخاء. فكلما ذهبت للكتابة، أتذكر بين الفينة والفينة الذين أخذتهم يد المنون. الأصدقاء’.فيما بعد، أدرك إلى أي حد أن وضعه الخاص كان هشا. فقد كانت بذمته ديون ثقيلة، كان يعمل، هو وزوجته لساعات طويلة في الحانة، دون أن يمتلك الثقة بالمستقبل. ‘في سنة 1968 أو 1969، كل شيء كان ممكن الحدوث. كان ذلك مثيرا إلى حد كبير، لكن، في ذات الوقت، كان محفوفا بالخطر. كان الرهان كبيرا. فإذا ما كسبنا، فإننا نربح مالا وفيرا، لكن إذا ما لو خسرنا، فإننا نضيع’. هل جازف بالحانة ؟ ‘أأأأرغه، أجاب موراكامي. فكوني تزوجت كان ذلك أكبر مجازفة’! كنت أبلغ من العمر 20، 21 سنة. ماكنت أعرف شيئا عن العالم. كنت غبيا. ساذجا. إنه نوع من الرهان. [ رهان ] على حياتي الخاصة. على أنني بقيت على الحياة. أخيرا’.أول من كان يقرأ له، كانت زوجته، يوكو طاكاهاشي (Yoko Takahashi)، وتعتبر رواية ‘أنصت إلى صوت الريح’ (غير منشورة بالفرنسية) من إلهامها الفجائي أثناء مباراة بيسبول، والتي حصدت في اليابان جائزة أدبية خصصت للكتاب الشباب. استمر في إدارة الحانة في غضون فترة معينة، وبالتزامن مع ذلك كان يكتب، ثم إن ذلك كان ضروريا من أجل تطوره، يقول. ‘كنت أملك ناد للجاز وفي حوزتي مال وفير. إذن فأنا لست بحاجة إلى الكتابة كي أكسب قوت يومي. إن لذلك أهمية كبرى’. لما بيع من روايته أغنية المستحيل في اليابان أكثر من ثلاثة ملايين نسخة، لم يعد موراكامي في حاجة إلى الحانة، ولو أنه كان يمتلك أحيانا رؤية لوجود مواز يواصل ضمنه تلك الحياة. زد على ذلك فهو لم يكن متيقنا أنها [الحياة] ستكون أقل سعادة. يكتب بتلقائية، بدون تخطيط ‘ألدي شعور دائم بحيوات متعاقبة ؟ أومممم ـ أ. نعم. وبالرغم من ذلك فإني أشعر أن ذلك غريب جدا. أحيانا أتساءل لماذا أنا روائي، هنا، والآن. لاتوجد أي خطة عمل جعلت مني روائيا. شيء ما حصل فأصبحت كاتبا. وكاتبا ناجحا منذ الآن فصاعدا. فحينما أحل في الولايات المتحدة أو أوروبا، فالعديد من الناس يعرفون من أكون. إن ذلك يعتبر غاية في الغرابة. منذ سنوات خلت، ذهبت إلى برشلونة وأقمت حفل توقيع ؛ ألف شخص قدموا، وكانت الفتيات تقبلنني. فوجئت كثيرا. ما الذي حدث لي ؟’ يكتب موراكامي بطريقة تلقائية، بدون تخطيط. فقد أتته فكرة روايته الأخيرة أثناء ازدحام بطوكيو. ماذا سيحصل لو أنه غادر الطريق السيار المزدحم واستعار منفذ إغاثة ؟ هل سيتغير مجرى حياته ؟ ‘إن ذلك يشكل نقطة الانطلاق. كان لدي حدس بأنه سيكون كتابا كبيرا. طموحا جدا. هذا هو ما كنت أعرف. لقد كتبت رواية كافكا على الشاطئ ما يقرب من خمس أو ست سنوات، ثم إني ترقبت قدوم الرواية المقبلة. فجاءت. فتحقق قدومها. أعرف أنه سيكون مشروعا ضخما. تنبأت به’.بإمكان أي رواية بطول (1Q84) أن تبدو تلميحية وقد يتوقف ذلك على مهارة موراكامي، ولو أن القارئ يحس أحيانا بعدم الرضا. إن ما يبدو متكلفا في الرواية يكون ممنوعا من قبل المؤلف مثل زخرف من الطبيعة ذاتها لما هو متكلف، ثم إن النبرة الهادئة قد تصبح مهيجة أحيانا: ‘منذ أن رأى هلالين في السماء وخادرة من هواء تجسدت على فراش والده في المصح، لم يعد أي شيء يفاجئ تينغو) Tengo) حقيقة’. وكما هو الحال في رواياته السابقة، توجد بعض المشاهد الأكثر رقة في محيط الحبكة الأساسية. ففي رواية الأغنية المستحيلة، التي كتبها موراكامي بأسلوب اتفاقي قدر المستطاع، بأمل أن تحقق نجاحا اقتصاديا، كان ذلك بين البطل ووالد صديقته الهالك. وفي ( 1Q84)، كانت مشاهد بين تينغو، موضوع حب أوماما، ووالده الميت، الذي وجد صعوبة في التقرب إليه. مرت الغالبية من شخصيات موراكامي بطفولة صعبة، وليس ذلك من قبيل الصدفة كما قال. لم يحدث ما هو أسوأ لما كنت طفلا صغيرا. ومع ذلك، يقول، ‘فإن إحساسا ما يراودني بأني عوملت معاملة سيئة. لأن أبوي كانا يتطلعان إلى أن الطفل ينشأ تحديدا مثل أو ذاك؛ ولم أكن بالتحديد مثل هذا أو ذاك’. يضحك. ‘حينئذ كانا يتوقعان أن أحصد نقطا جيدة، لكني لم أحصل على ذلك. لا أتوق إلى الدراسة التي تدوم طويلا. كنت أرغب بكل بساطة في عمل ما كنت أشعر بالرغبة فيه. أنا منضبط جدا. كانا يتوقعان مني الانضمام إلى مدرسة ممتازة والحصول على وظيفة في ميتسوبيشي أو شيئا آخر من هذا القبيل. بيد أني لم أفعل ذلك. كنت أرغب في أن أكون مستقلا. عندئذ فتحت ناديا للجاز وتزوجت وأنا مازلت طالبا في الجامعة. وقد جعل منهما ذلك تعيسين إلى حد ما’. كيف عبرا عن ذلك؟ ‘لقد خيبت أملهما بكل بساطة. ما أقسى الإحساس بتلك الخيبة على طفل صغير. ومع ذلك فإني أعتقد أنهما شخصان طيبان، تألمت لذلك. لايزال ذلك الشعور يراودني. . كنت أرغب في أن أكون صبيا طيبا لأجلهم، لكني ما كنت قادرا على ذلك. ليس لدي أطفال. أحيانا، أتساءل ما الذي يمكن أن يحدث لو كان عندي أطفال. لا أستطيع تصور ذلك. كطفل لم أكن سعيدا بما فيه الكفاية، ولا أعرف إذا كنت سأكون سعيدا لو كنت أبا. ليس لدي أي فكرة عن ذلك’. فمن أين يستمد، والحالة هذه، الثقة الكافية كي يفعل ما يريد ؟ ‘كنت أعرف ما أحب. أحب القراءة. أحب الموسيقى. وأحب القطط. هذه الأشياء الثلاثة. وبما أني طفل وحيد أبوي، كانت لدي القدرة كي أكون سعيدا لأني كنت أعرف ماذا أحب. لم يطرأ أي تغيير على هذه الأشياء الثلاثة منذ طفولتي. ولا أزال أعرف إلى حدود الساعة ما أحب. إن لذلك علاقة بالثقة بالنفس. فإذا لم نكن نعرف ما نحب، فقد نضيع .’ يتم التماس وجهة نظر موراكامي بخصوص كل المواضيع باليابان تقريبا، وهناك يعتبر المثقف الآكثر شهرة. يكره الظهور علانية، خجول ومتواضع غير أنه ينخرط في النقاش الوطني عبر كتبه. فبعد الهجوم بغاز السارين في سنة 1995 بميترو طوكيو، قام بكتابة تحت الأرض، مجموعة من مقالات صحافية حول الحدث. يراوده الإحساس بأنه مجبر على تمثيل وطنه باعتباره روائيا يابانيا ويقبل بالترقي في الخارج، وليس في بلده. وبالرغم من أنه قام بترجمة العديد من الروايات الغربية إلى اللغة اليابانية، ومن ضمنها أعمال الروائي المفضل لديه، رايموند شاندلر، فقد وجد أنه من الصعوبة بمكان الترجمة في الاتجاه المعاكس .لم يسبق له أن ترجم رواياته الخاصة أبدا. لا يكاد يعترض على هذه العبارة هنا أو هناك عند مترجميه المألوفين. كان متواجدا بهنولولو لما ضرب الزلزال والتسونامي اليابان. لقد عمل هذا على تغيير البلاد، قال. ‘فقد الناس الثقة. فقد بذلنا مجهودات جبارة أثناء نهاية الحرب. منذ ستين عاما. فكلما اغتنينا، كلما كنا سعداء. على أنه في النهاية، لم نصبح سعداء، بالرغم من مشقة مجهودنا. ثم إن الزلزال حدث فجأة، وأن العديد من الناس كان عليهم أن يخلوا، كان عليهم التخلي عن منازلهم ومسقط رأسهم. إنها مأساة. ثم إننا كنا فخورين بإنجازنا التكنولوجي، لكن مفاعلنا النووي تحول إلى كابوس. آنذاك بدأ الناس يفكرون، من اللازم تغيير نمط حياتنا كليا. أعتقد أن ذلك شكل منعطفا كبيرا باليابان ‘. فقد اتخذ من أحداث الحادي عشر من شتنبر كمقارنة، والتي بحسبه، غيرت مجرى تاريخ العالم. فهي [الأحداث ] من وجهة نظر روائي، تعتبر ‘حدثا خارقا’، غير محتمل الحدوث إلى أبعد حد كي يصبح حقيقة. ‘فعندما أشاهد فيديوهات الطائرتين اللتين تصطدمان بالبرجين، فكأنما أشاهد بعيني معجزة. فليس من الأصوب سياسيا القول إن ما حدث كان جميلا، لكن ينبغي علي القول بأن ثمة نوع من الجمال. شيء فظيع، إنها مأساة، لكن، بالرغم من ذلك، هناك شيء من الجمال. إن ذلك يبدو تاما إلى أبعد حد. لم أتوصل إلى التصديق أن ما حدث حدث حقيقة. أتساءل أحيانا مع نفسي، لو لم تصطدم الطائرتان بالبرجين، سيكون العالم مختلفا كل الاختلاف على ما هو عليه الآن.’ إن التحول الذي اختاره اليابانيون يأتي جزئيا، في تصوره، من العودة إلى الوعي بعد هزائم ثقيلة ومراجعة للقيم. إن أولويات موراكامي بسيطة. فهو على سبيل المثال، لايعرف مبلغ إرثه. ‘إذا كنتم بالأحرى غنيا، فإن الرأي الأصوب هو أنكم لاحاجة لكم بالتفكير في المال. الشيء الأفضل الذي يمكن أن نشتريه بالمال، هو الحرية، الوقت. فأنا لاأعرف كم أربح في السنة. ليس لدي أدنى فكرة عن ذلك. لاأعرف ما علي من الضرائب .’ توقف طويلا. ‘إن ذلك يدعو للرثاء. لدي محاسب، ثم إن زوجتي تكرس وقتها لذلك. لايطلعاني على أي شيء. فأنا، أعمل. ‘يتوجب عليه حقيقة أن يكون واثقا من زوجته’! ‘فقد تزوجنا منذ أربعين سنة. إنها صديقتي على الدوام. نتحاور، الحوار بصفة دائمة. فهي تساعدني كثيرا. تقدم لي نصائح لفائدة كتبي. أحترم وجهة نظرها. أحيانا نتخاصم. تعتبر وجهة نظرها قاسية أحيانا. يحدث هذا .’فربما ذلك ما هو بحاجة إليه. ‘أتصور. لو أن ناشري قام بذات الشيء، فإن ذلك يثير غضبي .’يهز موراكامي كتفيه. ‘بإمكاني التخلي عن ناشري، لكني لا أقوى على التخلي عن زوجتي’. مات أبوه منذ سنتين، لا زالت أمه على قيد الحياة. يتمنى أن يصبحا سعيدين بفضل نجاحه كروائي، لكنه يشك في ذلك. ولموراكامي عزاؤه الخاص. فهو ينتمي بهاواي إلى ناد لألعاب القوى، والذي يعتبر نفسه، العضو الأكبر سنا فيه. يركض ويكتب كل يوم. فالأهم هو المثابرة. ‘أحب قراءة الكتب. أحب الاستماع إلى الموسيقى. أحب جمع الأسطوانات. والقطط. حاليا لا أملك قطا. على أني، حينما أتجول وأشاهد قطا، أشعر بالسعادة’.قام ميشال زلوتوفسكي (Michel Zlotowski) بنقل النص من الإنكليزية إلى الفرنسية .عن المجلة الأدبية الفرنسية ( Le Magazine Li’raire) مارس ـ [email protected]ترجمة: الحسن علاج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية