نستغرب كثيرا عندما نقرأ ما يكتبه بعض المفكرين، مبررين ما يقوم به عتاة الطغاة.
المثال السوري أو الإيراني واضح تماما، فتدمير بلد كامل وتهجير نصف سكانه وتجويع الجميع، لم يكن كافيا لرفع الغشاوة عن عيون الكثيرين ممن يدعون الوقوف ضد الإمبريالية والصهيونية.
مثال ذلك أيضا من دعم وما زال دكتاتورية صدام حسين وأنظمة مشابهة لم تبن إلا على قتل كل معارض.
الحقبة الستالينية
على مستوى العالم هناك أحباء الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز، أو الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وأيضا ماو تسي تونغ في الصين أو ستالين في روسيا.
في حقبة سابقة كان هناك من المفكرين الغربيين من وقف مع النازية والفاشية.
نحن طبعا لا نقصد كل المفكرين، فهناك من قضى نحبه دفاعا عن الديمقراطية ولم يحد يوما عن العمل ضد الظلم مهما كان مصدره، نذكر منهم الراحل ميشيل كيلو والمهدي بن بركة في المغرب وكثيرا من الشعراء والأدباء، الذين قضوا سنوات طويلة في سجون هذه الديكتاتوريات أو ماتوا فيها.
نحن نركز فقط على هذه الشريحة والتي رغم صغرها إلا أنها تملأ الدنيا ضجيجا. مثلا هذه النخبة من مفكري الفصائل الفلسطينية من يمينها إلى يسارها، وهم لا يرون بسبب عماهم الأيديولوجي ما يحدث في مجموعة من الدول التي تحكمها أنظمة تَدَّعِي ممانعة الاستعمار والصهيونية وأمريكا.
في أحسن الأحوال، لو اعتبرنا أن هذه المواقف تنبع عن حسن نية، هؤلاء المفكرون خاطئون في تحليلاتهم، والوقائع على الأرض تثبت ذلك. هم ينطلقون من مبادئ عفى عنها الزمن منذ انتهاء الحرب الباردة.
أنظمة شمولية
في كتابه الذي صدر عام 2017 “من بنيتو موسوليني إلى هوغو شافيز” أظهر المنشق الهنجاري السابق واستاذ العلوم الاجتماعيه في الولايات المتحدة، “بول هولاندر”، لماذا يدعم وبشكل علني كثير من المفكرين زعماء أنظمة شمولية، وما يشعر به هؤلاء ويفسر انجذابهم، رغم معرفتهم التامة للجرائم والفظاعات المرتكبة، تبقى هذه العلاقة بين الحاكم المستبد ورجل الفكر ظاهرة مبهمة.
على عكس ما قدمته الفيلسوفة الالمانيه آنا آرنت من أن الجهل هو ما يدفع أجزاء كثيرة من المجتمع للإنجرار وراء أوهام القادة الأقوياء والمستبدين، كما رأينا مثلا مع جمال عبد الناصر او الإمام الخميني، فإن دراسة بول هولاندر أظهرت أن نسبة المثقفين المنجرين وراء الدكتاتوريات بالنسبة لعددهم الإجمالي هو أعلى من تلك النسبة بين عامة الناس.
يمكننا ملاحظة ذلك بوضوح مع الربيع العربي، فعدد المثقفين ووسائل الإعلام ألتي إبتعدت عن دعم الشباب المحتج تتزايد مع تقدم قوى الثورة المضادة، هذا ما رأينا في مصر وسوريا وغيرها، بينما أبناء الربيع العربي في لبنان والعراق والسودان والجزائر ما زالوا متمسكين بمواقفهم ويزيد عددهم يوما بعد يوم.
يذكر المؤلف تعريف ادوارد سعيد لشخصية المثقف “شخص قادر على قول الحقيقة، شخص شجاع وغاضب، لا توجد قوة دنيوية بالنسبة له أكبر من أن تُنتَقد وتُسأَل بوضوح. المثقف الحقيقي هو دائمًا غريب ، يعيش في منفى فرضه على نفسه على هامش المجتمع”
نحن عندما ننظر حولنا إلى مثقفينا نفهم تماما عزلة ادوارد سعيد النفسية.
يعطينا بول هولاندر في كتابه ما يعتقده الأسباب وراء انبهار هؤلاء المثقفين، هي ليست مادية أو منفعية دائما، أو ضعف فكري أو غشاشة مؤقته. يذكر المؤلف شخصيات مهمة أمثال الفيلسوف الألماني هيدجر وعلاقته بالنازية او الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر مع ماو تسي تونغ وستالين، وكتاب غربيين كبار آخرين.
القدرات النقدية
النوع الأول برأيه هم هؤلاء الذين لم يستعملوا قدراتهم النقدية، فوقعوا في الجهل، ولحسن الحظ فهم يغيرون موقفهم بمجرد معرفة الحقيقة.
النوع الثاني هم الانتهازيون الراكضون وراء منافع السلطة، هم حماة النظام ومنظروه وأشد منتقدي معارضيه. هذا النوع منتشر بشكل واسع حالياً في بلادنا العربية، ويستعملوا كل الوسائط الحديثة.
النوع الثالث هم هؤلاء المثاليون والذين يرفضون ما يرون وينكرون الحقيقة، كل جريمة هي خبر كاذب أو من صنع الضحايا.
هم يظنون أن القائد الملهم سيسير في اتجاه ما يحلمون به من إقامة نظام حداثي أو اشتراكي او العكس ديني، فسقف توقعاتهم عاليا جداً. هذا النوع رأيناه مثلا مع وصول السيسي وطرد الإسلاميين.
النوع الرابع هم هؤلاء الذين يجرهم النظام جرا عن طريق كيل المديح والتبجيل بهم، ليضمن وقوفهم معه، خصوصاً الذين يتمتعون بشعبية كبيرة، مثال بعض الشعراء أو شخصيات فنية مرموقة في سوريا، وحتى في مصر، شهرتهم تستعمل هنا لأهداف سيئة.
النوع الخامس هم هؤلاء الذين يعترفون بطابع النظام الاستبدادي ولكنهم يقارنون دائما بين السيئ والأسوأ، يتساءلون هل نظامهم أفضل من نظامنا، الكل سيئ لكنا أقل سوءا. هم يفتقرون إلى المقدرة على تمييز الأبعاد الأخلاقية.
النوع السادس من المثقفين، هم المهتمون بتوافق سياسة النظام مع المعايير العلمية، هي أسس النظام النازي أو قبله الاستعماري والذي جَيَّر البحث العلمي لصالح نظريات عنصرية، كذلك النظام الشيوعي وحتمية وصول الطبقة العاملة للسلطة كما نَظَّرَ لها ماركس. ما يحدث من عنف هو جزء من النظرية العلمية.
النوع الأخير هم هؤلاء المبهورون بكاريزما الزعيم بعيدا عن أي تفسير عقلاني وحبهم للشخصية السلطوية، مثال فيديل كاسترو أو شافيز، فهم أحسن الموجود.
كل هؤلاء يقبلون عنف السلطة، ويعتبرونها ضرورية للتقدم، وكما قال المفكر والتر دورانتي فإننا “لا نستطيع أن نعمل عجة دون كسر بيض”. لا يتغير معظمهم حتى ولو عرفوا حقيقة وبشاعة الجرائم المرتكبة، وحده انقلاب الرأي العام عند إدراكه لذلك، من يجبرهم إلى تبديل آرائهم، خوفاً من فقدان جمهورهم.
هؤلاء المعجبون بالدكتاتور، لا يهمهم تناقضه مع لائحة حقوق الإنسان، أو معايير الديمقراطية والحضارة الحديثة. ما يخطئون به دائما هو أن الديكتاتور لن يحقق لهم أحلامهم واوهامهم، والنموذج المصري شديد الوضوح.
عندما يُغَيِّب المثقف معايير الحقيقة فإنه يصبح هشا وقابلا للجذب من قبل السلطة. هؤلاء لم يعودوا مثقفين أو مفكرين بل مجموعة من المبهورين، خانوا أنفسهم قبل شعوبهم.
لينين أطلق عليهم عند وصوله للسلطة إسم “الحمقى المفيدون”
كاتب فلسطيني
الفكر الحر والملتزم، يلزمه مفكر له انتماء والتزام ومرجعية، دون العمل لتحقيق مصالح شخصية.
للاسف كثير من الكتاب والمفكرين في مجتمعاتنا العربية ليس لهم التزام وطني او مرجعية ثابتة على قيم ومبادئ مجتمعنا